عصى البطل وضباع التطبيع

عادل سمارة

 

حينما كان المجتمع الفلسطيني ما قبل راسمالي، تقليدي في الإنتاج والعلاقات الاجتماعية، وحيث كان خاضعا للاستعمار العثماني وحتى لاحقا للاستعمار الوحشي البريطاني (العثماني لا يزال ممثلا في دعاة الخلافة!!!لم تكفيهم 400 سنة إهلاك، والبريطاني لم يخرج يكفيننا المجلس الثقافي البريطاني ودور قاتل مئات آلاف اطفال العراق توني بلير –واليوم  يمسك ملف فلسطين وامس حاز على جائزة أكبر محبي الإحسان في العالم!!!!)،  كان يقول بطل القرية: “إذا وضعت عصاي في عرض الطريق لا يجرؤ احد على اماطتها والمرور حتى أمر وارفعها”.

تذكرت هذا الموقف هذين اليومين، مما اوحى بقراءة اخرى لفلتات المقاومة الأخيرة. هذه الفلتات ونظيراتها كلما حصلت، لا يقتصر اثرها على تذكير العالم الرسمي المتغول في دماء الطبقات الشعبية على صعيد عالمي وخاصة العربية منها واخصها الفلسطينيين، تذكيره بأن هذه القضية  من بين جميع حالات الاستيطان الأبيض حية دائمة متوثبة وشعبها لم يفنى ولن يذوب. بل يمتد اثرها داخل شظايا وتشظيات الجزء من المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني. وطبعا لا يقتصر اثرها على الاحتلال وهو لا شك هدفها الأول، وربما احيانا لا يقصد منفذو هذه الفلتات غير الاحتلال، أي الاحتلال الآخر:  التطبيع سواء بالأنجزة او القنصليات او المراكز الثقافية (مثلا المجلس الثقافي البريطاني والألماني والفرنسي غوتة وغيرها) او الاحتلال بالريع المالي من قطر والسعودية او الغرب أو الاحتلال باستقدام الطابور السادس الثقافي من الوطن العربي إلى الوطن المحتل…عجبا والله. لا يخرج ربما عن درس توجيه هذه السيوف إلى الاحتلال الثاني المعولم  سوى الذين منهم على ارتباط منظم ويساري أي لديهم مفهوم قومي وطبقي معا.

إثر هذه العمليات أو الفلتات اقصد من فلتات السيوف كما قال الراحل الجميل عبد اللطيف عقل ذات يوم: “آه على فلتات السيوف…إذا حرش الجوع خبز الصغار”. إثر هذه العمليات يصمت التطبيع وتتوقف فرق الرقص المستقدمة من بقاع معولمة، الرقص الذي طالما دافع عنه حتى مثقفي اليسار لكي يؤكدوا للبراليين المحليين من مثقفي الطابور السادس الثقافي بأنهم لبراليون صاروا لبراليين جدا. كما تتوقف لقاءات التطبيع الثقافي والسياسي والاقتصادي. خطاب بأكمله يُلجم. ماكينة هائلة يتجمد البنزين او التيار الكهربائي او الطاقة النووية في شرايينها. تشعر للحظة أن الوطن قد اغتسل . بأن اسطبلات أوجياس قد نظفت تماماً. تشعر بأن اللامعقول صار معقولا امام عينيك.

تقفر المقاهي الناعمة في رام الله من البيض الذين كتب عنهم احدهم ذات يوم تخيلناه ينقد وإذا به ينتهي في قطر من الشقراء إلى العميلة السمراء. كل كلمة  في حياة الطابور السادس الثقافي بمقدار مالي لا ريب والدفع من فتى الموساد. لست ادري هل ادرجته الإمارات مع منظمات الإرهاب فهو احد مثقفي الإخوان المسلمين الذين ادرجتهم الإمارات مع العشرات.

 اتصل بي ذات يوم يساري ألماني من ديلنكة (الأم الرؤوم لمنظمة الأنجزة روزا لكسمبورغ )لألتقيه في احد تلك المقاهي ، جاء النادل طلب هو شيئا غربيا ما، طلبت (قهوة عربي) قال ما فيش، قلت مش شارب، لم اطلب. اسمه (كافية دي لافيه –لا استطيع ترجمتها)!!!

ويكون السؤال، كيف يمكن تمديد اللحظة النظيفة هذه لتكون عملية جراحية تخرج ضباع التطبيع من اوكارها وترميها للسباع؟