“مشروع التحرر الوطني والحامل الاجتماعي “

المبادرة الوطنية الأردنية

 18 / 11 / 2014

مقدمة تعريفية للعنوان ضمن مفهوم ” البنية والوظيفة” : الحامل الإجتماعي هو البنية / الكتلة التاريخية المتشكلة من كافة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، ومشروع التحرر الوطني هـو الوظيفة المنوط بالحامل الإجتماعي إنجازها، عبر إنجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني المتمثلة في : كسر التبعية، تحرير الإرادة السياسية، تحرير الثروات الطبيعية والمقدرات الوطنية، تحقيق تنمية وطنية متمحورة حول الذات، وتحقيق وحدة الأمة العربية.

منذ الإنتقال إلى مرحلة الرأسمالية – المركز إنفجر صراع دامٍ على شكل حروب بين دول الرأسماليات القومية، بهدف اقتسام أسواق دول المحيط ( المستعمرات وشبه المستعمرات في تلك الحقبة من الزمن) . ومع تزايد حاجة الصناعات إلى مواد خام أولية رخيصة، بسبب التطور التكنولوجي الذي أدى إلى غـزارة في إنتاج السلع والبضائع، ونتيجة الحاجة الماسة للتوسع في أسواق جديدة لتصريف البضائع والسلع المنتجة، إشتدت وطأة النهب الإستعماري للثروات الطبيعية والمقدرات، واشتد استغلال مجتمعات دول المحيط التابعة.

ومع الإنتقال إلى مرحلة الإحتكارات وتعمق تمركز رأس المال ، وتحكم الطغمة الرأسمالية في القرار الدولي وعلى كافة الصعد، ودخول الرأسمالية مرحلة الإمبريالية، بزغت الثورة البلشفية العظمى وبزغ معها فجر الإتحاد السوفياتي كمنظومة نقيضة للمنظومة الرأسمالية، أفسح هذا الحدث التاريخي المجال واسعاً أمام إمكانية تبلور حركات تحرر وطني في دول المستعمرات وشبه المستعمرات، أخذت – هذه الحركات – على عاتقها مهمة إنجاز التحرر من ربق الإستعمار المباشر، وإنجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني، المتمثلة في إنفاذ مشروع الإستقلال الناجز، بمتلازمية مشروع التحرر الوطني ومشروع التحرر الإجتماعي، فمن هذه الحركات  من فشل، الجزائر بلد المليون شهيد، نتيجة عدم الإلتزام بقانون تلازم الوطني بالإجتماعي، بينما نجحت حركات أخرى،  كوبا مثلاً وحمت ثورتها، بسبب تبنيها هذه المتلازمة.

التناقض بين مشروع التحرر من طرف ومشروع الهيمنة ( بديل الإستعمار المباشر ما بعد الحرب العالمية الثانية) من طرف آخر، هو تناقض تناحري يحتم إلغاء طرف للطرف الآخر، حيث لا مجال للمواءمة مابين النقيضين: التحرر والهيمنة، ولا مكان للتعايش ما بين قوى التحرر وقوى التبعية، ولا خيار لدى قوى التحرر غير تبني خيار مصالح الشرائح الإجتماعية الكادحة والمنتجة وتبني القيم الإنسانية النبيلة، ولا مصلحة حقيقية لقوى التحرر غير تبني الديموقراطية الشعبية بديلاً عن تبني الديموقراطية البرجوازية ( بالرغم من وهم  قوى إصلاحية بإمكانية إحداث التغيير – التحرر – من خلال البرلمان، قبل بناء الحامل الإجتماعي من الشرائح الكادحة والمنتجة القادر على إنفاذ مشروع التحرير الوطني وحمايته بعد ذلك من الإنتكاس) .

الهيمنة على دول المحيط من قبل المركز الرأسمالي، لا تتم بطريقة مباشرة، أي من خلال تواجد قوى أجنبية ،عسكرية أم مدنية، على أرض الدولة التابعة، كما كان عليه الحال في مرحلة الإستعمار المباشر، بل تتم من خلال قوى ومجموعات محلية تابعة للمركز في السلطة وفي السوق وفي صفوف النخب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، تنفذ كافة إملاءات المركز الرأسمالي المفروضة من قبل الأدوات: صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، عبر تعميم تشريعات وقوانين وأنظمة تخدم مصالح المركز الرأسمالي ، وعبر تعميم أيديولوجيا وثقافة وقيم ومسلكيات استهلاكية على كافة الصعد وعلى حساب قيم الإنتاج: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بما فيها تسليع البشر ذاتهم.

بعد انهيار المعسكر الإشتراكي – أحد النماذج المحتملة لبناء الإشتراكية – ومحاولة الطغمة المالية فرض الانتقال بالرأسمالية إلى بنية رأسمالية مضاربة، بديلاً عن الرأسمالية المنتجة ، أصبحت المهمة الرئيسة على جدول أعمال المركز: توحيد السوق العالمي وتفكيك الدول وتفتيت المجتمعات والعودة بها إلى مكوناتها البدائية لضمان ديمومة الهيمنة عليها، وفي سبيل إنفاذ هذه المهمة إجتمع ممثلو الطغم المالية في واشنطن، بداية تسعينات القرن الماضي، وتوافقت على حزمة من قرارات تفضي إلى هيمنة منظومة الرأسمالية المضاربة على السوق العالمي، سمّيت ” توافقات واشنطن ” ومن أهم هذه القرارات :

خصخصة القطاع العام أينما وجد، في الدول الرأسمالية ذاتها وفي دول المحيط التابعة.

رفع الدعم عن السلع الأساسية، الدعم الموجّه لتخفيف الظلم اللاحق بالشرائح الكادحة والمجموعات الحدّية في المجتمع.

رفع يد الدولة عن التدخل في آلية السوق.

توحيد التشريعات والقوانين والأنظمة، على الصعيد العالمي،  لخدمة حرية حركة رؤوس الأموال وحرية استغلالها عبر كافة الأسواق.

إن تطبيق “توافقات واشنطن” هذه يهدف في المحصلة النهائية إلى تفكيك الدول وتفتيت المجتمعات والعودة بها إلى مجاميع بدائية : طائفية مذهبية عشائرية قبلية جهوية مناطقية شللية، من أجل تسهيل مهمة ديمومة الهيمنة عليها من قبل الطغم المالية.

ومن أجل إنفاذ “توافقات واشنطن” إعتمدت الطغم المالية العالمية آليات منها ما هو ظاهر وواضح، ومنها ما هو خفي وخبيث:

إغراق دول المركز والدول التابعة له، في المديونية الخارجية والداخلية ، حيث حصل خلال العقدين الآخيرين نتيجة لذلك إنزياح هائل للثروة من يد الدول إلى يد الشركات العملاقة، وخاصة المؤسسات المالية، مما سهل مهمة انتقال السيطرة على القرار السيادي من يد الدولة ليد المؤسسات المالية.

فرض تعديلات على التشريعات والقوانين والأنظمة على دول المركز والمحيط بما يخدم في الدرجة الأولى مصالح الطغمة المالية – المؤسسات الرأسمالية المالية.

تعزيز دور وسائل الإعلام بما يخدم سياسة ” صناعة القبول وثقافة القطيع” من خلال ضخ إعلامي وثقافي ونفسي يخدم إخضاع مصالح المجتمعات لصالح المؤسسات الرأسمالية المالية، ومن خلال تنمية نهم الاستهلاك لدى الأفراد والمجتمعات، ثم تحويلهم إلى قطيع من العبيد، وتحويل البشر إلى سلع، مما سهل مهمة انزياح الثروة من يد المجتمع إلى يد فئة قليلة من الأفراد والعائلات.

استخدام النخب المحلية، في المركز وفي المحيط، أدوات في خدمة سياسة المركز الرأسمالي، كونهم الأقدر على تزييف الوعي الجمعي، والأقدر على توجيه الرأي العام المحلي، الذي يعيش أزمة إقتصادية إجتماعية مركبة ومعقدة، وإقناعه بأن طريق الخلاص الوحيد المتاح يمر عبر الاندماج بالسوق الرأسمالي العالمي واعتماد آلية السوق.

عودٌ على بدء،

من هي القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في إنجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني؟

بما أن كافة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة متضررة من هيمنة المركز، فهي لذلك صاحبة مصلحة حقيقية في إنجاز مهمات مرحلة التحرر، بالرغم من تمايز المصالح فيما بينها،  أي أن تحالف هذه الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة هو ما يشكل الحامل الإجتماعي لمشروع التحرر الوطني.

الصراع بين قوى التحرر من جهة وقوى الهيمنة من جهة آخرى يستند إلى قوانين علمية، مرتكزاتها:  تشخيص طبيعة المرحلة المعاشة ( وليس توصيفها )، إستنباط مهماتها الإستراتيجية والمرحلية، تشخيص التناقض الرئيسي، تحديد أطراف الصراع، التميز ما بين العدو الرئيسي والعدو الثانوي، تحديد الحليف الإستراتيجي والحليف المرحلي، قيادة وطنية واعية مخلصة صلبة تستنبط أساليب ووسائل وآليات النضال بعقلية إبداعية إبتكارية، تسخّر كافة الإمكانات المتاحة والمتوقعة في خضم هذا الصراع المرير والمركب والمعقد مع مركز رأسمالي متطور جداً وخطير جداً، مما يحتم على قيادة حركة التحرر بالمقابل إمتلاك عقلية علمية مجتهدة مثابرة مركبة مبدعة لكي تقود هذا الصراع إلى خواتمه المرجوّة، خاصة وأن المركز يخوض صراعاً وحشياً غير أخلاقي بسبب تبنيه أيديولوجية إستغلالية قائمة على قانون  ” أولوية ربح رأسالمال وثانوية قيمة البشر”. إن ضخامة الثروات الطبيعية والمقدرات القابلة للاستغلال، والموقع الجيوسياسي للأمة العربية على الخريطة العالمية، وعمق حضارة هذه الأمة عبر التاريخ ، والتي تعود لعدة قرون قبل الميلاد، كلها عوامل تعمق من تكالب المركز عليها.

مهمات مرحلة التحرر يمكن تلخيصها بالنقاط الخمس التالية :

كسر التبعية، مهمة يبدو أن هناك صعوبة في تصور مضمونها لدى البعض، ويتبادر إلى أذهانهم أنها مهمة إنجازها طويل الآمد، هو تصور ناجم في الأساس عن تصورها خارج سياق مشروع التحرر الوطني بمجمله، ومنعزلة عنه، هذا التصور مرجعه تغييب قانون التراكم النضالي، الجزئي واليومي . كسر التبعية هي سيرورة تراكمية لتغيير موازين القوى على الأرض نتيجة النضال اليومي، لكافة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، للحصول على حقوقها المطلبية، والذي يتطور بفعل النضال إلى عملية ربط المطالب الخاصة هذه بالمطالب الوطنية العامة: فمثلاً مطالبة عمال الفوسفات بزيادة الأجور تطور في وقت قصير إلى مطالبة العمال باستعادة ملكية الشركة ، و مطالبة الطلاب برفض رفع الرسوم تتضمن في طياتها رفض حصر التعليم في الأغنياء وحرمان أبناء الكادحين، و مطالبة المزارعين في تأمين مستلزمات الإنتاج من قبل الدولة وقيامها بمهمة التسويق يؤدي إلى ضرب دور السماسرة والكمبرادور الذين يشكلون جزءا  من مجموعة التبعية، التي بدورها تمثل مصالح الشركات العملاقة متعدية القوميات…. الخ،

تحرير الإرادة السياسية، أي استرداد القرار السيادي الوطني ووضعه في يد القيادة السياسية الوطنية للبلاد، لضمان إنجاز تحقيق الاستقلال الناجز، وضمان حق الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة في اختيار طريق التطور وشكله ومضمونه.

تحرير الثروات الطبيعية والمقدرات الوطنية واستثمارها في خدمة التنمية الوطنية الشاملة والمتكاملة وخدمة التنمية المحلية للمناطق، لضمان تطور سريع ومتوازن  للتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، بناء على مبدأ الإعتماد على الذات وابتكار الحلول الوطنية للمشاكل الحقيقية التي تعيشها البلاد

إنفاذ التنمية الوطنية الحقيقية المتمحورة حول الذات، بالاعتماد على جهد وفكر وإبداع البنى الاجتماعية الوطنية: المؤسسات الاقتصادية والمؤسسات السياسية والإيديولوجية والتربوية والثقافية بشكل تكاملي، وضمن خطط مركزية تلبي احتياجات التنمية المنتجة، تجند من أجل إنجازها كافة هذه الطاقات الوطنية.

تحقيق وحدة الأمة، التي أصبحت شرط النجاة في ظل هذه التكتلات العملاقة التي تسود العالم، حيث اشتد التنافس واحتدم الصراع، فلم يعد هناك من مكان للدول الصغيرة والمتوسطة في هذا العالم.

ما الجديد في طبيعة النضال الوطني في الفترة الأخيرة ؟

خلال السنوات الأخيرة، دخلت البلاد في محطة جديدة من سمة النضال الوطني، نضالات مطلبية (خاصة من قبل الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة) ارتقت – بحكم الصراع مع النهج السائد وبسبب بنية التبعية – إلى نضال وطني عام : إضرابات واعتصامات عمالية، بلغت في سنة 2011  حوالي (880) تحركاً عمالياً ، إضرابات واعتصامات، وإغلاق الطرق العامة من قبل مربّي الأغنام والمواشي، تهديد غرف الصناعة في اتخاذ إجراءات ضد رفع تعرفة الكهرباء، حراكات شعبية ضد رفع الأسعار، تحرك المتقاعـدين العسكريين، تحرك القضاه والعاملين في المحاكم، تحرك بعض موظفي مؤسسات الدولة، إنتقلت هذه الحراكات بجلها من مطالب خاصة في الشريحة  إلى مطالب وطنية عامة، أعلنت عن ذاتها برفع مطالب وطنية متمثلة في :

طلب استعادة الشركات الوطنية التي تم بيعها،

وطرد الإدارات الأجنبية (تذكرنا بنضال الشعب الأردني في منتصف الخمسينات، طرد كلوب، ومن أجل تعريب قيادة الجيش، وإنهاء  الانتداب )

واستعادة الأراضي التي تم السيطرة عليها من قبل أصحاب النفوذ،

وتحرير الإرادة الوطنية ، وتحريرالثروات الطبيعية والمقدرات الوطنية، وصياغة خطط تنموية حقيقية متمحورة حول الذات، كشرط رئيس لحل الأزمة،

وأجمعت هذه الشرائح الموحدة في الجوهر على مطلب كسر التبعية وتغيير النهج

يشكل هذا المحتوى في النضال الوطني العام ” مشروعاً نهضوياً” في طبيعته توحيدي – أي إنجاز مهمة وحدة الشعب، إندماج المجموعات الماقبل رأسمالية، في مجتمع واحد لتشكل شعباً موحداً – ويحقق في سياقه “المشروع التنويري” الذي يستند إلى سمة وثقافة الإنتاج مقابل سمة وثقافة الاستهلاك،

إن وصول الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، في مجرى نضالها المطلبي الخاص بكل شريحة،  إلى التوحد حول “مشروع مطلبي- وطني” أي ربط الخاص بالعام، هو الذي يوفر شروطاً موضوعية لبناء “الحامل الإجتماعي” الذي يتشكل على الأرض في الواقع وبالفعل.

خاصة وأن توزيع السلطة في الدولة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية يقف على رأسه وليس على قدميه، حيث يمتلك أقل من خمسة في المائة من المجتمع كل السلطة ، بينما خمسة وتسعون بالمائة من المجتمع لا يملك شيئاً من هذه السلطة، والسبب يكمن في تخلي المجتمع عن ممارسة حقه في السلطة، هذا التخلي غير الواعي هو علة وسبب المشكلة.

 المجتمع الذي يمارس سلطته، هو المجتمع الواعي بذاته ولذاته، أي الواعي بحقوقه، و الواعي بقدرته على انتزاع حقوقه، والواعي بقدرته على ممارسة السلطة عبر مؤسساته النقابية العمالية والمهنية واتحاداته الفلاحية والزراعية والشبابية والنسائية والطلابية والنوادي الفكرية والثقافية والاجتماعية والرياضية… الخ.

في وقت غير بعيد سيتم إيقاف هذا المشروع على قدميه.

” كلكم للوطن والوطن لكم “