حكومة بنكيران وتنمية “أورام” الريع

ابراهيم الصافي

 

  بعيدا عن التحليل الماركسي الذي كان أول من وظف “مفهوم الريع” الذي يخضع لنمط الانتاج الرأسمالي وللجماعات الطفيلية الغير المنتجة، لكن بلغة بسيطة يتضح أن الريع يتكيف ويتأقلم مع طبيعة المجتمعات فهو كالمعطف المطاطي، فلكل دولة ومجتمع “ريع” خاص بهما، وتتعدد مظاهره بين الريع الاقتصادي الى الريع السياسي مرورا بالريع الاجتماعي…

  والاهم في ذلك يبقى “الريع” ورم يعوق التنمية والنهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لكافة مكونات الشعب، ومرض فتاك يقتل روح العمل والاجتهاد والابتكار، ويحول الشعب إلى مجتمع “خامل وكسول” غير قادر على الانتاج، ويحول الحكومة إلى شخص “معاق”. كما يتحول الريع في مراحل معينة من حركية المجتمع إلى عصى سحرية في يد السلطة تحرك بها دوائر ضيقة داخل فئات متعددة من داخل المجتمع الواحد تكريسا للسلطوية وتقوية للقبضة الحديدية.

  إن “الريع” لا يمكن توزيعه بكيفية عادلة، مهما تزايدت كمياته وفاض غدقه، لأنه بكل بساطة ورم ينتعش في البرك الاسنة ويبقى خارج المأسسة والرقابة، فهو ثروة مستقلة  تتعدد أوجهها بين “الصناديق السوداء” والمداخيل المادية والمعنوية الريعية التي تنفرد بها السلطة.

وحتى نقرب المجهر على تجليات وأخطار “الريع” على المجتمع المغربي، نبحث في الانتاجات التي ساهمت الحكومة في مراكمتها، قد نكون عدميين إن قلنا أن الحكومة المغربية التي يقودها حزب اسلامي، حكومة ريعية، لكن هذا هو الواقع لأنها بكل بساطة لا تتوفر على تصور ومشروع سياسي واضح ومنسجم قابل لتنفيذ وقادر على استئصال هذه الاورام التي تنخر المجتمع، فهي تركز في مداخيلها المالية على القروض الداخلية والخارجية، والرفع من نسبة الضرائب على المواد الاستهلاكية لفئات واسعة من الشعب المغربي، والتخلي عن قطاعات اجتماعية لفائدة “الرأسمال”، والتساهل مع كبار رجال الاعمال في اداء ضرائبهم وواجباتهم مقابل إنعاش الحكومة، واطلاق مشاريع وهمية، وكمثال مشروع “مبادرة” لتشجيع تشغيل الشباب المعطل عن العمل، ومشاريع شبه وهمية أو تمويهية وما أكثرها مع حكومة بنكيران.

هي مجرد أمثلة حتى نستخلص أن هذا الورم يزداد استفحالا وانتشارا، قد تضعنا من بين المجتمعات التي اصبح يطلق عليها “مجتمعات الأخطار”، خاصة في ظل تنامي مظاهر العنف داخل المجتمع المغربي، والأدهى من ذلك وتكرست قناعة لكل افراد الشعب بأنه يستحيل الفوز وتبوء مكانة اجتماعية بامتلاك ثقافة سياسية والانخراط في الاحزاب والنضال، بل تتمكن من ذلك بواسطة ثقافة التقرب والتملق والتسلق والتحايل للفوز بنصيب من الريع أو الفوز بالوساطة والجاه بمنصب سياسي، لأن الكفاءة لا يعتد بها كراس مال اجتماعي.

 الامر لا يتعلق بتحامل أيديولوجي وسياسي على حكومة بنكيران، وإنما هو واقع لا يكذبه الا العمى السياسي، على الفشل في تقويض هذا الورم، بل الاخطر أن هذه الحكومة اصبحت راعية “للريع”، وهو ما يهدد استقرار الدولة والمجتمع.

لهذا بات من الضروري لاستئصال هذا الورم توفر طبيب جراح ماهر يشخص الداء ويحدد اضراره، ويحدد مستقبل الدولة والمجتمع إن لم نستعجل في اتخاد القرار المناسب في الوقت المحدد، بمشاركة كافة القوى ومكونات المجتمع المدني، وتقوية دور الرقابي للمؤسسات المستقلة على تدبير الشأن العام، وتوفر الارادة السياسية لدولة في التخلص من الارث المريض حتى لا يتحول المغرب إلى دولة ريعية.

brahimessafi@gmail.com