الدولة المارونيّة والدولة السنيّة وما بينهما

ثريا عاصي

توضيح: ما أقصده في هذه المقالة هم السياسيون الذين استخرجوا هوية من الديانات، فجعلوا أتباع الأخيرة وأتباع الطوائف والمذاهب المتفرعة عنها شعوبا وقبائل.. ما أعنيه إذن بالمارونية والسنية والشيعية.. هم متزعمو هذه المذاهب. لا أعني الناس العاديين.. لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالإخلاص في العمل في المشروع الوطني.
«قتلوه، جاء الحجاج إليه، بيدِه إحتز رأسه «(المذبوح هنا هو عبد الله بن الزبير) هدم الحجاج الكعبة.. المعنى عند قريش سيفٌ، او كرسيٌ أو حفنة مالٍ… وثنى الراوي نهرُ دماءٍ.. من جاء برأس، فسأعطيه ما يطلبه» (ادونيس الكتاب: أمس المكان الآن)..
يتخيّل لك، عندما تسمع او ترى أشرطة «داعش» و«النصرة» والعصابات التي على شاكلتهما، انك في حضرة راوٍ يرتجع أمام الناس قصص يزيد بن معاوية وعبدالملك بن مروان والحجاج. أو لعلنا حيال محاولة إحياء «تاريخ يمشي في سرداب والخطوات سيوفٌ حينا وجماجم حينا».
في البدء أي بعد رحيل المستعمرين الفرنسيين في 22 تشرين ثاني 1943 عن لبنان صارت السلطة، الفعلية، إلى المارونية السياسية. بمعنى أن نواة دولة تشكلت في ظل الهيمنة المارونية في لبنان. أما متزعمو الطوائف الأخرى، فلقد كانوا يتنافسون في معاونة رئيس الدولة الذي كان ولا يزال مارونيا . لا يتسع هذا المكان للبحث في الأسباب التي حالت دون تطور الدولة المارونية في لبنان، إلى دولة كل اللبنانيين. لا شك في أن استيلاء المستعمرين الإسرائيليين على فلسطين وإنشاء دولة لهم على أرضها كان عاملا وازنا عطّل سيرورة تكوين الوطن اللبناني. بالإضافة طبعا الى قصر النظر الذي يعيق كل سياسة فئوية عن الإضطلاع بدور وطني. هذا موضوع يحتاج إيفاؤه إلى تفاصيل طويلة، لست بصدده الآن.
تعرضت دولة الموارنة الوليدة في 1958 لأول صدمة من جانب العروبة متمثلة بالناصرية. إذ استطاعت هذه الأخيرة تشجيع الطوائف الإسلامية (المتزعمين) على الإنضمام إلى حراك عروبي يحاكي حلم «الدولة العربية الواحدة والأمة العربية الواحدة». في كل مرة يتراءى خارج لبنان، أملٌ تتوهم زعامة طائفية بأن تحقيقه يزيد من حصتها، تندفع هذه الزعامة إلى إعلان عصيانها وتجييش أتباعها خلف مروّجي الأمال والأحلام . تكررت الصدمة مرة ثانية في مسألة المقاومة الفلسطينية. مثلما تقاعست المارونية السياسية عن إعداد وتربية المواطن. حاول زعماء منظمة التحرير الإحتماء بالطائفية. فأَضعفوا العروبة. هكذا ضاع الوطن وتلاشت العروبة. سادت الفوضى الخلاقة.
ليس مستبعدا أن رسولا أبلغ أمراء النفط بأنه آن أوان الدولة السنية. هم يحاولون ويعاودون منذ مؤتمر الطائف في سنة 1989. ولكن كلما تخطوا حاجزا ظهر أمامهم حاجز أعلى. المجتمع في لبنان ذو تركيبة معقدة. لم يبق إلا الطرق التي كان ينتهجها السلف: ضرب الأعناق، ونصب الرؤوس للعبرة.. «ان ديننا قتلَ من كان منا ـ ومن غيرنا، كافرا، لا يرى رأينا «(أدونيس) إذا اقتنع «الموارنة» و«السنة» بأن الوطن لبنان يجب أن يكون لكل اللبنانيين، إعتبر «الشيعة» وجنبوا أنفسهم الوقوع في خطأ من سبقهم.. هل يوجد في لبنان من يقتنع ومن يعتبر؟

:::::

“الديار”