حلب: خلفية الاهتمام الدولي الاستثنائي بها وأسبابه

العميد د. أمين محمد حطيط

في لحظة مميزة من مسار الأزمة التي نجمت عن العدوان على سورية وعبرها ضد محور المقاومة، برزت أو راج تداول موقف أممي يدعو إلى “تجميد النزاع” فيها، واستمرت تركيا المتخبطة بالإخفاق متمسكة بدعوتها أو سعيها إلى إقامة منطقة عازلةتشمل حلب أو منطقة آمنة حسب تعبيرها المخادع.

و إلى هذين الاتجاهين تضاف “داعش” الصنيعة و الأداة الأميركية التي  ابتدعت للنيل من سورية و العدوان عليها ، في حقيقة لا يغيرها تظاهر هذا التنظيم الإرهابي بامتلاكه الموقع  المستقل ذو المشروع الخاص الذي يعاكس أهداف صانعيه الحقيقين إلى حد مناصبتهم العداء كما يدعون ، ف”داعش”  طرف -أداة يلعب على المسرح السوري الدور المرسوم له من قبل صانعيه في اطار المرحلة الثالثة من مراحل العدوان و هي مرحلة حرب الاستنزاف ، دور يتنافر حينا مع قائد المشروع فيؤدبه ، و يتماهى أو يتقاطع أحيانا أخرى مع قيادة العدوان على سورية و اتباعه فيشجع . وفي هذا السياق تطمح داعش لامتلاك السيطرة على حلب وريفها أيضا لتشكل هي الأخرى تيارا قائما بذاته متمايزا بشكل أو بآخر عن المشروع التركي.

وفي مواجهة الجميع تستمر سورية بمكوناتها الوطنية الرسمية والشعبية، مدعومة من حلفائها الاستراتيجيين والدوليين، تستمر في سعيها لتطهير حلب من الإرهابيين واستعادتها إلى كنف الدولة، دون أن تهمل أو تغلق الأبواب أمام أي مسعى جدي صادق من شأنه أن يحقن الدماء، ويحمي الممتلكات ويؤكد على السيادة الوطنية التامة.

في ظل هذا المشهد، نتوقف عند ازدحام المشاريع على باب حلب بحثا عن سبب التركيز على هذه المنطقة الآن والسعي لامتلاك السيطرة عليها أو اقله السعي الأجنبي لمنع الدولة السورية من استعادة السيطرة على الأجزاء التي أفسد الإرهاب امنها خلال الأشهر الماضية.

أن الإجابة على هذا التساؤل لا تكون متصلة بالواقع ومبررة بالمنطق أن لم تكن منطلقة من الإنجازات الميدانية التي تحققت في الميدان السوري معطوفا على الميدان العراقي ومناطق في السلسة الشرقية في لبنان، ثم على ضوء متغيرات دولية فرضت معادلات لا بل توازنات جديدة في العلاقات الدولية، وإسقاط ذلك عل نتائج معركة حلب المرتقبة وانعكاسها على مسار الأزمة في سورية ومنها على ملفات أخرى في الإقليم.

و نبدأ بالمشهد الميداني ، و سرعان ما يرتسم أمامنا صورة نجد فيها أن الحكومة السورية باتت تمتلك السيطرة على كل مراكز الثقل الاستراتيجي السياسي و الاقتصادي و الديمغرافي في الدولة إضافة إلى المرافئ  الجوية و البحرية كلها مع قنوات الاتصال بالخارج ، و أن حلب وحدها من كل مراكز الثقل الأساسية تلك هي الأن في بعض أجزائها خارج تلك السيطرة ، فاذا أنجزت الدولة تطهير حلب ينقلب المشهد الميداني في سورية إلى حد لا يبقى لمن يطرح التفاوض برعاية خارجية بحثا عن حل سلمي يفرض فيه ممثلو القوى الأجنبية شركاء في السلطة ، لا يبقى لهم أي ورقة قوة يتمسكون بها من اجل تحقيق شيء من أحلامهم . فإنجاز حلب يضع العربة السورية في طريق لا يبقى لاحد فرصة لقطعه أو عرقلة المسيرة الوطنية عليه، ما يعني استطرادا إطلاق الرصاصة الأخيرة على رأس المشروع العدواني الذي استهدف سورية.

هذه الصورة ترعب دعاة العدوان على سورية، لذا نجد التركي يرتعد من تحققها لأنها رسالة علنية واضحة تتهاوي كل أحلامه في سورية بعدها، لذلك يعمل جاهدا عبر تلفيقة المنطقة الآمنة لقطع الطريق على الجيش العربي السوري لمنعه من تحقيق هذا الإنجاز، خاصة وأن التركي يعلم عبر مراقباته  بان القوى التي تتحضر لتطهير حلب باتت قيد التشكيل النهائي، وأن تطويق حلب من قبلها يكاد يكتمل ولم تتبق للإرهابيين إلا منافذ قليلة في الشمال الغربي لحلب يعمل الجيش بخطى ثابتة على إغلاقها لهذا يطرح  اردغان المنطقة العازلة التي لا يجرؤ على مجاراته احد فيها لان موازين القوى الإقليمية و الدولية لا تتيح ذلك.

أما على صعيد العلاقة بين المجموعات الإرهابية المسلحة ، فإنها و بدون ادنى شك في تراجع لا بل في انهيار متواصل يمنع تلك المجموعات من تحقيق أي إنجاز حقيقي بوجه الجيش العربي السوري و يكفي أن نتوقف عند تناحر المثلث الإرهابي “داعش ” و “النصرة”  و “تنظيم الإرهاب الحر”  (المسمى جيش حر)  الذي طرد من محيط حلب فاضطرت تركيا إلى إجراء عملية نجدة سريعة لإرهابيه لتخرجهم من الميدان قبل أن يفتك بهم رغم كثرة العديد و العدة ، يكفي أن ننظر إلى هذا لنعلم الحال السيء الذي وصلت اليه هذه القوى الإرهابية ، و لنتأكد بان جماعات هذه حالها غير قادرة على الانتصار و الثبات ، ما يعني أن الجيش العربي السوري و القوات الرديفة و الحليفة ماضون في خطتهم مطمئنون للنصر الأكيد في حلب كما انجزوا معاركهم في الأشهر الأخيرة في مورك و المليحة و عدرا . إنجازات تكامل معها ما تحقق على يد الجيش اللبناني ورجال المقاومة في السلسلة الشرقية في لبنان بعد الركلة القاسية التي تلقتها الجماعات الإرهابية في الشمال اللبناني وحرمتهم من حلم الاتصال بالخارج عبر مرفأ طرابلس.

و في عنوان آخر يخشى الجمع المعتدي  أن تتوصل مجموعة 5+1 إلى اتفاق نهائي مع ايران يفضي إلى إسقاط العقوبات عنها ما يؤدي إلى كسر الحصار و كسر القيود و يسمح لإيران بالتحرك بقوة و حرية اكبر في دعم سورية ، علماً بأن ما كان تحقيقهممكنا بالنسبة لخصوم ايران و محور المقاومة قبل حل الملف النووي سيصبح صعبا ومعقدا بعده و ما كان صعبا قبله سيصبح مستحيلا بعد الاتفاق ، و لهذا نجد المناورات الغربية تسير على خطين خط  يتوخى التسريع في وضع حلب خارج المواجهة بما يحمي الإرهابيين فيها و يبقيهم  ورقة تفاوضية عندما  تحين ساعة الإخراج التفاوضي للحل ، و آخر يريد ربط الحل النووي بملفات إقليمية منها سورية عبر ما يسمى الصفقة الشاملة فيطمئن عندها لعدم تأثير الخسارة في حلب .

لكل ذلك يتم التركيز الأن على حلب وما سينعكس عبرها على مسار الأزمة  كلها ، و نجد معظم باحثي الفريق الآخر يرون أن الحل الأسرع يتمثل في ” تجميد الصراع ” بما يحفظ الإرهابيين في داخلها حتى لا تتكرر هزيمتهم في حمص مرة أخرى لأنه بعدها  لن يكون لديهم فرصا للتعويض خاصة و أن من يظن بان وجود تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة الشرقية سيحد من خسائر تتسبب بها عملية تطهير حلب من الإرهابيين ، يرد عليه بان داعش باتت في الخط الانحداري  المتسارع لمسارها و يكفي أن ننظر ما حل بها في عين العرب لنعلم أن النمر الورقي اكتشف أمره فسقط أو  هو قيد السقوط و لن يتمكن من حلب قطعا ، أما المشروع التركي فهو ساقط على اصله كما بينا.

حلب كانت مهمة لسورية و هي اليوم في موقع مضاف من الأهمية و لأجل ذلك كثرت الأطروحات حولها و لكن الدولة السورية تعلم مصالحها و تعرف كيف تحميها ، فحلب لن تكون ملاذا آمنا للإرهابيين يأملون بتشكله عبر ما يسمى “تجميد النزاع” ، لان للتجميد قواعد سيادية  لا يمكن لاحد أن يتخطاها  تحت أي عنوان ، و حلب لن تكون جزءا من منطقة تركية عازلة  لان هذه المنطقة لن تقوم أصلا  فاستراتيجية الضفدعة التركية لا تخيف سورية ، و استطرادا و بالتأكيد حلب لن تستطيع داعش أن تضمها إلى وهم دولتها المزعومة و هي في خطها الانحداري ، فحلب على موعد مع القوى الشرعية التي تتحضر لتطهيرها و هذا ما يرعب مكونات العدوان على سورية .

:::::

“الثورة”، دمشق