ماذا وراء إذلال الأسرى؟

عادل سمارة

أما الحقيقة التي بها نفقئ عين المرحلة فهي أنه ما من أسير ، حينما بحث عن تنظيم يضمه أو بادر بمقاومة ذاتية، فكَّر في غير المقاومة. بل إن الإكثرية الساحقة كانت ترى امامها أحد خيارين:

·        الاستشهاد

·        أو الاعتقال المؤبد

أخفقنا في حمل المشروع الوطني إلى مداه، ولكن لم نكفر ولم نهادن. حملنا شرف المحاولة. أو كما قال امرىء القيس:

فقلت له لا تبكٍ عينك إنما….نحاول مُلْكاً أو نموت فنُعذرا

من ترك أسرته أو جامعته أو شغله وانخرط في المقاومة ولم يستشهد ولم يُحكم مئات السنين، لم يفكر قط في مجيء يوم يضطر معهفي مناخ هزيمة غيره، لا هو، مجيء يوم يضطر معه أن يسأل عن بعض المال لكي يعيش.

داخل معتقلات العدو كان التفكير ويكون التفكير ليس في أهل التسوية بل في ابطال من يفتحون أبواب المعتقلات في عمليات تبادل معاسرى العدو.

هذا الطريق الذي اشتقه مئات آلاف المعتقلين مكروه تماما ممن لم يمارسوا المقاومة. أي من الذين واللواتي يضنون على الأسيرباحترام الشعب له.

قالت لي (جندرية نسوية ذات يوم: أنا أحمل الدكتوراة، والناس لا يحترمونني مثلكم، الوطن للرجال ، أنا انسق مع نساء يهوديات نسويات).قلت لها قول العرب: “إلى حيث ألقت رحلها أم فشعم”.

هؤلاء يعانون من مشكلة نفسية وثقافية. يعتقدون ان حمل شهادة جامعية عليا او حتى دنيا يؤهلهم ليحملهم الشعب على الأعناق. وهم لم يدرسوا ليصبحوا مفكرين بل باعة للعلم من أجل المال. لا اختلاف بين هؤلاء ومن يفتح حانوتا لبيع السلع. إذن انت تبيع لتربح فلماذا أعطيك أنا حبي؟

في المجتمع المتشظي في الأرض المحتلة شُقفاً طبقية وقشورا لا نخباً تُحرجها مفردات: “مناضل، اسير محرر، جريح، شهيد، مقطوعاليد او مكسور الفك في اشتباك، حامل مرض او عاهة من التعذيب…الخ. لأن هذه أوسمة لا تُمنح، بل تُؤخذ باجزاء من الجسد أوبالجسد كله. أو حتى باندثار الجسد اباديداً.

هذه بعض اسئلة تدور بين الناس اليوم بل منذ أمس مصدرها إذلال الأسرى.

لم نفكر قط في إتيان يومٍ اسود يأتي على كرامتنا فنضطر لإثبات وطنيتنا.

 

أوسلو وراء الباب

بعد أوسلو باشهر التقيت زميل سجن يصلح السيارات، سالني:

هل أخذت وضعك في السلطة؟

قلت لا وما معنى هذا؟

قال انا تعينت برتبة ضابط لأنني كنت اسيراً، انت اعتقلت قبل 1967 في الأردن ولدى الاحتلال.

قلت لم أطلب ولن أطلب.

حين رأيت وجه أوسلو وكان مضى على زواجي وعناية عشرون عاماً قررت أخذ الجنسية الأمريكية التي تحملها هي، قلت لنفسي،وماذا لو ألقوا بك في الوطن البديل. كانت المخابرات الأردنية قد اعتقلت جوازي الأردني منذ عام 1973 حين خروجي من الاعتقالالأول، ولم يُعاد. بعد 2001 أصدرولا لي جوازا  لاينفع لشيء لا اذكر من اية درجة . وحصلت على الأمريكية بعد معركة مع سيدةقنصلة يفوق حجمها حجمي.

في عام 2011 تحدثت مع رفاق سجن قدامى بشأن مخصصات الأسير باعتبارها خدمة وطنية وكانت تلك قد بدأت من زمن، وكانرايهم أن هذا ليس عيبا بل حقاً. وأخذت بعدها اتلقى  ذلك.

ذل إثبات وطنيتك

جائني اسير محرر قبل ايام وطلب أن ارافقه إلى هيئة شؤون الأسرى (لم انتبه ان المكتوب عليها هيئة أو وزارة بعد والغريب ان رعاياها 800 ألفا ويضنون عليها باسم وزارة. أليس هذا إذلال من دافعي الرَيْع). وذلك كي اشهد أنه كان أسيراً! فهو كان منمجموعتنا للجبهة الشعبية حيث اعتقلنا في 15ديسمبر 1967 إثر قيام  مجموعة مشتركة مع منظمة السيد أحمد جبريل (قبل ان تأخذ اسم القيادة العامة) بعملية مطار اللد حيث استشهد البعض وجرح البعض ولم يُعتقل أحدا هناك. أعتُقل هذا الأسير بعد أن جُرح فيمغارة مع مجموعة قرب قريتنا.

قبل عامين كتب لي شخص على الفيس بوك :” …كلما أمر قرب المغارة أقرأ الفاتحة للذين استشهدوا، فأنا كنت ارعى الإغنام يومالاشتباك”.

سيدي، هذه أجمل فاتحة في الإسلام،، ولكن ما أكثر من دنسوها.

فوجئت أن على كل اسير ان يُحضر خمسة اسرى ليشهدوا بانه كان اسيراً ولم يكن سجينا مدنياً.

اية محكمة انتقامية هذه؟

لم اسمع بمحكمة تطلب هذا العدد من الشهود.

ومع ذلك، سأحاول فهم الموضوع على أن من وضع هذا الشرط هو شخص تعلم في بريطانيا ومن هناك جلب معه الدقة المسحورةوالساحرة لراس المال والتي أسماها ماكس فيبر (الأخلاق الراسمالية Protestant Ethic)، اي الدقة المتناهية والشفافية بما هي التي مكَّنت بريطانيا من التحول قبل غيرها إلى نمط الإنتاج المتوحش أي الراسمالي.

كما ان مؤسسة الصليب الأحمر لا تحتفظ ولم توثق كافة اسماء المعتقلين لدى العدو. وربما ليس هذا ذنبها.

أضف إلى أن أرشيف محاكم العدو لا يعطي إفادات للمعتقلين أو نص ورقة الاتهام بحجة أن القديم منها تم إتلافه.

وبالطبع هذا غير صحيح، فلا شك أن جهاز مخابرات العدو لديه عدد الحيوانات المنوية في كل منا.

طلبت مني ورقة الاتهام تلك الأمريكية العِلْجة  حين كنت أحاول السفر إلى هناك. قلت لها سلطات الاحتلال رفضت إعطائها للمحامي. أنت بوسعكِ أخذها؟ قالت لا نستطيع. ضحكت باتساع الفم. انتم لا تستطيعون! إذن انتهى الأمر سوف اسافر ولن اشتغل وساعيش على حساب حكومتكم!

قيادات الفصائل…التفاخر بالأرقام

ليست مخابرات العدو هي المسؤولة عن توفير الأسماء، ولا محاكمه ولا مراكز ابحاث الأسرى وما أُنفق عليها من مال ولا لجان الأسرى وبالطبع ليس مخاتير القرى ولا مأموري الأنكحة.

هذا واجب الميتة الحية منظمة التحرير الفلسطينية التي منذ بيروت كان قادتها يتفاخرون بأعداد الشهداء والأسرى والجرحى. هذا واجب نادي الأسير ولجان الأسرى.

هل يُعقل ان مؤسسات هذه المنظمة لم تحتفظ بأسماء الأسرى؟ طبعا لم تحتفظ. فهي مشغولة بأحلام تحويل الضفة والقطاع إلى “تايوان وسنغافورة”!!!

لم تقم سلطة اوسلو بهذا ايضاً.

قد لا أُجانب المنطق إذا قلت إذهبوا إلى مؤسسة فافو الترويجية للأنجزة التي قامت بمسح شامل للفلسطينيين في الضفة والقطاع، فربما لديها سجلا دقيقا بعدد أعدائها، اي الأسرى. أليست نتائج بحث هذه الأنجوزة هو الذي بُني عليه اتفاق أوسلو.

ولكن، إن الطرف الوحيد الذي عليه توفير كرامة الأسرى هي قيادات هذه الفصائل. إن واجب كل قيادة أن توفر للبيروقراطية في هيئة الأسرى أسماء ومدد حكم جميع اعضاء منظمتها بدل ان تركض إليهم قبل الانتخابات للهف اصواتهم/ن. وبدل إلقاء الخطابات باسمائهم في المناسبات الوطنية وخاصة التركيز على أن 800 ألف فلسطيني قد دخلوا سجون العدو، وأغلبهم قاسوا العسف في زنازينة وغرف التحقيق والإكسات…الخ طبعا، لا يعرف البيروقراط ولا التكنوقراط هذا، ولو عرف لهرب من الوطن سلفاً.

إن الخلل في الأسير الذي اضحى مستجدياً بدل أن يأخذ القيادي من قبّته ليؤكد شخصيته.

يبقى حينها اسرى غير منظميين، وحينها بوسعنا الشهادة لصالحهم في مكاتب منظمة التحرير وليس في محاكم إثبات الوطنية.

فوا ذُلَاه لمن لا يفعل. لماذا لا يتم اعتصام الآلاف أمام مؤسسات اوسلو؟؟؟؟

أسرى وغير اسرى.

من يصمت عن هذا ينسف ماضيه.