السعودية و”قنبلة الإرهاب” المرتدة

العميد د. أمين محمد حطيط 

وقف مندوب أل سعود في الأمم المتحدة ودون أن يرف له جفن خجلا أو حياءً مطالبا بأدراج حزب الله في لبنان على لائحة الإرهاب الدولية، بحجة أن رجال هذا الحزب يقاتلون في سورية إلى جانب الحكومة السورية. ولم يستطع ذاك المندوب طبعا أن يقدم حجة منطقية يمكن للسامع أن يتخذها مرتكزا لقبول مناقشة الطلب أو قاعدة ثابتة يبنى عليها قرار بالموافقة.

ورغم أن الموقف السعودي العدائي ضد المقاومة ليس بالأمر الجديد، خاصة وأن الالتحام البنيوي بين الحركة السعودية الوهابية والحركة الصهيونية العالمية التي يقاتلها حزب الله دفاعا عن حقوق العرب والمسلمين، وهو تماهي يقود السعودية بدون أدني شك لاتخاذ المواقف العدائية من كل كيان سياسي أو تنظيم عسكري أو حتى جمعية اجتماعية مدنية، بمجرد أن يكون في مواقف أولئك ما يؤلم إسرائيل أو يهددها في مشروعها الاستعماري الاحتلالي للأرض العربية والإسلامية في فلسطين.

وفي هذا السياق لا يمكن لمتابع أن ينسى الموقف السعودي من المقاومة في لبنان في العام 2006، الموقف الذي اتخذ في لحظة بالغة الحرج من تاريخ لبنان حيث كانت الطائرات الإسرائيلية خلالها تصب حممها على اللبنانيين في عملية تدميرية ممنهجة، فخرجت السعودية على العالم بموقف اقل ما يقال فيه بانه تشجيع لإسرائيل في حربها التدميرية وتحميل المقاومة التي يقودها حزب الله مسؤولية الحرب والتدمير إذ وصفت المقاومين بأنهم مجموعة من المغامرين الذين يتسببون للبنان بالويلات، ولم تكتف السعودية بقول ذلك بل أمرت الحكومة اللبنانية التي كانت آنذاك تعمل بتوجيهاتها، إمرتها بالتبرؤ من شرف المقاومة وعملها والعمل السريع على نزع سلاحها إلى آخر ما هنالك من مواقف يندى لها جبين كل حر وشريف.

وبما أن الموقف السعودي ليس بجديد ضد المقاومة فان السؤال البديهي والطبيعي الذي يطرح يدور حول سبب أثارة الموضوع هذا من قبل السعودية اليوم رغم أن السعودية تعرف أو كان عليها أن تعلم بان طلبها لن يستجاب له  خاصة و أن كثيرا ممن كانت تحدثه نفسه سابقا بطرح شيء مماثل ، طوى ملفاته وراح يتلمس الطرق لفتح قنوات الاتصال بحزب الله وبمكونات محور المقاومة من سورية إلى إيران، ما يعني أن الطلب السعودي جاء في توقيت يعتبر ببساطة بانه غير متواقف مع البيئة الدولة العامة، لا بل انه يعتبر طلبا عكس تيار المنطق والواقع.

فهو عكس المنطق العلمي، لان للإرهاب تعريف أكاديمي وسياسي لا ينطبق مطلقا على حزب الله لا من قريب ولا من بعيد. وهنا نذكر أصحاب الطلب اللامنطقي ذاك بان الإرهاب هو العمل الذي بمقتضاه يلجأ إلى العنف المادي أو المعنوي من اجل الحصول أو تحقيق هدف غير مشروع عبر الإطاحة أو المس بحقوق الغير المشروعة وانتهاك منظومة القيم القانونية والأخلاقية التي ترعى تلك الحقوق أصلا ووجودا وممارسة”. ويكون إرهابيا من أتى الفعل العنفي بنفسه أو حرض عليه أو ساعد الفاعل باي نوع من أنواع المساعدة المادية أو المعنوية، بما في ذلك العمل الإعلامي والتبرير الفكري أو الفقهي لأعماله.

وإذا طبقنا هذا التعريف الذي نعتمده وفقا لما يستقر عليه أكاديميا و يقر به رجال السياسة الموضوعيون غير المرتهنين لجهة استعمارية ترفض اعتماد أي تعريف للإرهاب حتى لا يقيدها وتستمر بالتمسك بالمفاهيم المطاطية التي تضيقها أو توسعها أو تحركها في أي اتجاه يخدم مصالحها، (نذكر كم كان إصرار الرئيس حافظ الأسد على اعتماد تعريف دولي قاطع للإرهاب وكم كان إصرار الولايات المتحدة الأميركية على الرفض) فاذا طبقنا هذا التعريف على الميدان السوري و مساهمة السعودية فيه مع مساهمة الآخرين نصل إلى نتيجة تعاكس الطلب السعودي تماما و هذا ما عنيناه بانه طلب عكس تيار الواقع .

وللتوضيح أكثر، فان نعود للتأكيد و كما بات مسلما به ، بان ما يجري في سورية هو دفاع مشروع عن النفس تمارسه السلطة الشرعية المنتخبة من قبل الشعب السوري ضد عدوان مسلح غير مشروع تشنه قوى خارجية وتستعمل فيه أدوات محلية وغير محلية، تساهم  فيه السعودية بشكل مباشر أو غير مباشر بمد القوى المعتدية بالكثير مما تستعمل أو تحتاجه في عدوانها  ويكفي أن نذكر هنا بأن الجماعات المسلحة التي تقوم بهذا العدوان تمارس من العنف المادي و المعنوي ما جعل الأمم المتحدة ذاتها تدرجها على لوائح الإرهاب الدولية ، و هي الجماعات نفسها التي تلتزم العقيدة الوهابية التكفيرية ، و التي تشهر السلاح ضد الشعب السوري و الحكومة الوطنية السورية وفقا لما تريده السعودية ، كما أن تمويل هذه  الجماعات يتم بأموال خليجية و من السعودية ذاتها و من دول و هيئات تتحكم السعودية بقرارها ، و أخيرا و قد يكون الأهم مما ذكر هو الأعلام السعودي التحريضي ضد الدولة السورية و مؤسساتها الوطنية الشرعية الأعلام الذي يخدم هذه الجماعات بشكل يقيني واضح .

إذن وببساطة نجد على ارض الواقع جماعات مسلحة قررت الأمم المتحدة اعتبارها إرهابية وهي كذلك لما تقوم به في الحقيقة من أعمال تعتبر صورة نموذجية للإرهاب، ونجد أن السعودية تمد هذه الجماعات بالعقيدة والمال والأعلام فضلا عن التجهيز والأشخاص، وبهذا يدرك العاقل من هو الإرهابي الفاعل والأداة ومن هو الإرهابي بالتحريض والدعم، ولن يغير هذه الصورة قيام السعودية بملاحقة إرهابيين اعتدوا على الشيعة في المنطقة الشرقية لديها.

أما حزب الله فهو على العكس مما ذكر فهو قاتل إسرائيل فطردها من ارض احتلتها في جنوب لبنان في العام 2006 وحاز بجدارة عنوان المقاومة التي لا يناقش فيها عاقل، وقاتل إسرائيل في العام 2006 فمنعها من احتلال ارض في لبنان وأكد صفته المقاومة، ويقاتل الجماعات الإرهابية التكفيرية التي وصفها مجلس الأمن بالإرهاب، هو يقاتل على الأرض السورية لأنه في حلف استراتيجي مع سورية في محور المقاومة، ما جعل قتاله من طبيعة القتال الذي تمارسه الحكومة السورية أي قتال دفاعي في وجه الإرهاب.

 ففي سورية إذن إرهاب تدعمه السعودية وتشارك فيه، وقتال ضد الإرهاب تقوده الحكومة السورية وإلى جانبها حزب الله الحليف لها في محور المقاومة.

وبعد هذه الحقائق والوقائع نعود إلى البحث في السبب الذي حدا بالسعودية لإطلاق قنبلتها الدخانية في مجلس الأمن، القنبلة التي لم تدمع عيون أحد سواها فنجد انه برأينا عائد إلى خطوط بالغة الأهمية في المشهد العام في المنطقة، حيث تراقب السعودية بألم:

1)  الحديث الإسرائيلي الأخير عن قوة حزب الله وتقدمه في معادلة توزان الردع إلى الحد الذي بات الحديث عن نزع سلاحه أو تقييده كلام هراء أو ضرب من السخف والخيال.

2)  الإنجازات الميدانية التصاعدية التي يحققها الجيش العربي السوري والذي كما يبدو أو تتخوف القوى المعتدية، يتحضر لمعركة حلب التي ستكون نقطة الانعطاف الاستراتيجي المفصلي في مصير العدوان على سورية، والتي لن يكون بعدها امل لأعداء سورية في تحقيق شيء مما يصبون اليه.

3)  النقطة التي وصلت اليها المفاوضات في الملف النووي الإيراني والتي بات الحديث عن عمل عسكري أجنبي ضد إيران أو تشديد في العقوبات امر فارغ المضمون، لان العكس هو المنتظر، ولم تعد المسألة هل يتم الاتفاق وهل تنتصر إيران بل باتت السؤال متى يوقع الاتفاق وما هو حجم الانتصار الإيراني خلافاً لما تريده السعودية باي حال.

4)  وأخيرا الخرق السياسي وغير السياسي الذي أحدثه حزب الله وحلفاؤه في المعادلات الداخلية اللبنانية، وفشل الخطة السعودية في لبنان في إنشاء ودعم جماعات إرهابية تطرحها لمقايضة وجودها وسلاحها بحزب الله وسلاحه، فسقطت الجماعات الإرهابية تلك وتألق حزب الله أكثر بشكل أحرج السعودية واتباعها، وهي تريد الآن أن تعطي اتباعها ورقة ضغط ما قد تفيدهم في مواجهتهم أو حوارهم إن حصل مع حزب الله وهو حوار تراه السعودية مرا قد يكون لا بد منه في لحظة معينة.

لهذه الأسباب جاءت السعودية بقنبلتها الصوتية لتقول إنها حاضرة، ولتختبر فعالية الأموال التي تدفعها لهذه الدولة الأوربية أو تلك، وهي أموال تدفع ثمنا لمواقف ضد محور المقاومة بكل مكوناته، أما النتيجة فهي كما شهد الجميع صفرا لا يغير معادلة ولا يؤثر على ما خطه الرجال في الميدان، وحسمه القادة في الأروقة والردهات السياسية…فحزب الله مقاومة، وركن في محور المقاومة، يقاتل الإرهاب الأصلي المتمثل بإسرائيل، والإرهاب التكفيري المبتدع باسم الإسلام المترعرع في الحضن السعودي، و الذي يخوض الحرب البديلة عن إسرائيل ، و بذلك تكون السعودية في طلبها أنتجت فرصة لتعري مواقفها و ترتد عليها في التوصيف .

::::

“البناء”، بيروت