مبارك السيسي …أم وضع ودور مصر ؟

عادل سمارة

 

أبلغ القول للتاريخ. والتاريخ بكل محتوياته من صُنع الإنسان. جوهر الإنسان انه منتجاً، وأرقى إنتاجه هي الثورات ليس لأنها للحفاظ على البقاء بل لأنها مقاومة، اعتراض: اعتراض على الطبيعة واعتراض على التسلط والملكية الخاصة, وأبغض الناس هو المفكر الذي يتحدث نقداً وينتهي خنوعاً وخاصة ما بعد الحداثيين أمثال فوكو الذي انتهى لموت السياسة. كمن يأخذ الحصان إلى الماء ويرده عطِشاً لأنه حصاناً، أي تحويل الناس إلى حصان. وأبغض منه فلول المثقفين العرب من الطابور السادس الثقافي الذين انتهوا لصالح الثورة المضادة بمضمونها الاقتصادي/ السياسي أي الرأسمالي الإمبريالي الصهيوني، وأدواتها الرسمية أنظمة الريع والعقيدية الوهابية  وقوى الدين السياسي.

قول التاريخ في الثورات واحد:  العنف الثوري الممنهج والموجه والواعي. وهذا يشتمل على بل يبدأ بقتل أعداء الشعب على عين المكان. ولكن لماذا؟ لأن أعداء الشعب لن يتخلوا عن ما نهبوه بالغزل والغرام وبوس اللحى. فما حصلوا عليه بالدم يجب ان يدفعوه من دمهم.

لذا، كانت الثورة الفرنسية عنيفة، وهي برجوازية، وكانت الثورة البلشفية عنيفة وهي شيوعية وكذلك الصينية، وحتى الثورة المضادة البرتقالية في رومانيا عنيفة وهي مرتبطة وتعاقدية وكثيرات غيرهن.

كتبت هكذا في نشرة كنعان الإلكترونية Kanaan Bulletin  منذ الأشهر الأولى لإرهاصات تونس ومصر وخاصة بعد ترحيل بن علي في طائرة خاصة بدل قتله فورا بمحكمة شعبية وبعد إرسال مبارك إلى منتجعه في شرم الشيخ حيث هناك كان يعقد مؤتمرات “ضد الإرهاب” أي ضد المقاومة. منذ تلك الفترة كتبت طالما نُقل الأمر إلى القانون فهذا يعني امرين:

·        أنه لن يخضع للعقوبة الحقيقية

·        وبأن ما حصل ليس ثورة وبأن ما حصل افتقر لأمرين هما جوهر العنف الثوري:

o       وجود قيادة ثورية منظمة

o       ووجود  عقيدة ثورية تناقض عقيدة النظام السابق تماماً

لكن هذا لا يعني أنني كغيري في الأيام الأولى لم أخطىء باستخدام كلمة ثورة حيث كان كل شيء ضبابياً.

لذا، جاء كتابي الذي نُشر في 2012 عن دار فضاءات في عمان وعن بيسان في رام الله (ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة)، جاء تأكيدا لما رأيته بأن ما حصل هي إرهاصات ومقدمات لثورة وليست ثورة لأكثر من سبب أوردتها. وكان السبب الأساس هو أن الثورة المضادة موجودة وراسخة وبقوة قبل هذه الإرهاصات فكان طبيعيا أن تنقض عليها وتمتطيها.

إذن الحكم على النظام السابق كان ببساطة فقط إزاحة الراس وليس قطعه، تغيير رأس الموتور. وهذه تعليمات قيادة الثورة المضادة اي الولايات المتحدة ومقاول الصرف عليها أي عائلة آل سعود أي نظام الدين السياسي. وهذا ما نفذه المجلس العسكري (طنطاوي وفريقه) ووافق عليه محمد مرسي وحزبه، وكذلك السيسي والخليط الحاكم معه ومن ضمنه فريق من اتباع مبارك نفسه. لأن الأنظمة الثلاثة (الجنرالات والإخوان والخليط) لها انفتاحات على الثورة المضادة بحسابات ودرجات.

من جهة ثانية، لم يعد المعيار قتل مبارك الآن أم لا. فطالما لم يتم ذلك في البداية، في الأيام الأولى، يصبح القتل الآن ثأريا وانتقامياً وبلا معنى ثوري .

 

 ماذا نريد ونؤسس لماذا؟

أصبح حكم الجنرالات وليس الجيش المصري وراء اللحظة وكذلك حكم قوى الدين السياسي. لذا يكون الجدل اليوم فيما يخص الخليط الحاكم الآن.

قد يعتقد كثيرون بأن الحاكم هو السيسي وحده. وهذا ليس دقيقاً. هو راس النظام. ولكن لنتذكر أن مبارك كان راس النظام، وذهب الرأس وبقي النظام. ولأنها لم تكن ثورة حقيقية، ولم تتطور باتجاه ثوري، فإن راس النظام يمثل طبقة او حتى تحالف طبقي واسع وقوي. نعم واسع  حتى رغم ان أكثرية الشعب اي الطبقات الشعبية ليست فيه.

في هذا النظام النخبة الجنرالاتية باقتصادها ذي الاستقلال الذاتي داخل الاقتصاد المصري، ، والبرجوازية المدنية  الكمبرادورية والطفيلية ورجال الأعمال، وكلها سياسيا وعقيديا امتدادات للنظام السابق الذي أهلك مصر تماما بما اسميته (التجويف والتجريف:  تجويف الوعي بالقمع من أجل تجريف الثروة). وبالطبع نظام مبارك هو نظام خائن وطنيا وقوميا بلا مواربة. هذه الشرائح الطبقية جميعها من الثورة المضادة ومتحالفة مع الولايات المتحدة وخارجة على العمق القومي ومتصالحة مع الكيان الصهيوني. يجب ان ندرك أن اية طبقة برجوازية إذا لم تكن ذات توجه إنتاجي تنموي هي لا وطنية ولذا فهي بلا مواربة لا قومية.

لكن هذا الخليط أنجز ثلاث قضايا رئيسية:

·        أسقط حكم الإخوان المسلمين كقوة دين سياسي كانت ستصل بمصر إلى نمط في احسن أحواله باكستانياً اي أقل حتى من تركي .

·        حمى المرأة المصرية من الأفغنة

·        حفظ الوطنية المصرية من أن تتحول إلى أداة عدوانية ضد الأقطار العربية الأخرى وخاصة سوريا. قد يكون هذا موقف غير قومي ولكنه ليس ضد قومي

صحيح أن الرفاق في مصر يعرفون أكثر مني، ولكنني اعتقد أن السيسي يمثل الموقف المصري من المسألة السورية ويحاول ما يلي:

·        وقف تآكل مصر لأن ما بها من خراب هائل.

·        عدم تحويل مصر إلى أداة للثورة المضادة ضد الأمة العربية

·        المناورة مع انظمة الدين السياسي للاقتراض

·        مهادنة الإمبريالية والصهيونية لأن المعركة معهما لا هو بحجمها ولا اللحظة هي هي لحظتها.

هذا الحال الوسطي للنظام وخاصة السيسي نفسه، لا يضعه في مرتبة الخيانة ولكنه يخرجه من دائرة الثورة. وهذا قد يعني بانه يمثل الجناح البرجوازي القومي في الخليط الحاكم. ولأنه كذلك إن صح ذلك، فهذا يتضح من عدم لجوء النظام إلى الشعب في مسألتين:

·        عدم إعطاء دور للشباب الذي قام بالانتفاضات وخاصة توفير الشغل والدخل لهم وإعادة القطاع العام والأرض…الخ.

·        عدم التوجه إلى التمويل الذاتي للدولة ومشاريعها بدل الاقتراض المشروط من دول الريع النفطي والمؤسسات المالية الدولية. وعدم استرداد الأموال المنهوبة والمهربة للخارج والممتلكات المشتراة بأبخس الأسعار ناهيك عن مصالح رأس المال الأجنبي…الخ. وبالطبع عدم وضع برنامج اقتصادي إصلاحي على الأقل كتحديد الأجر الأنى وتقنين نهب الطاقة وما يحصل عليه جيش المستشارين…الخ.

ناصر أم بونابرت؟

لو صح التوصيف أعلاه، فإن السيسي ليس لا ناصر ولا بونابرت، وإن حمل بعض الشبه بهما.

فقد بدأ ناصر عسكرياً، وكذلك السيسي، ولكن ناصر كان ذا خلفية قومية وحتى اشتراكية وهو ما حمى توجهاته وتاريخه وحمى مصر. بينما السيسي وسطي بين القومية والدين السياسي. لم يبدأ ناصر موقفا نقيضا للغرب الإمبريالي لكنه حمل مشروعا نقيضا للغرب وحين رفضه الغرب، واجه الغرب. أما السيسي فليس لديه نفس المشروع مما يبرر له عدم الصدام مع الولايات المتحدة.

بدأ ناصر بلا حزب، لكنه حاول تشكيل حزب سياسي وإن كان النجاح في هذا محدوداً، وكذلك بدأ السيسي بلا حزب، وليس واضحا إن كان سيسعى إلى ذلك أم لا وإن كان ذلك ممكنا أم لا.

لويس بونابرت حل البرلمان واعتقل المفوضين ونفى الاشتراكيين والجمهوريين ومنع حرية الحديث والصحافة وكل ذلك لحفظ مصالح الراسماليين و مواجهة الاشتراكية. السيسي أسقط مرسي ووعد بالانتخابات وأجلها وحاصر الصحافة والحريات إلى حد كبير وحافظ على التحالف مع الرأسمالية المصرية  لكنها ليست تنموية وقومية كالبرجوازية الفرنسية في زمانها. كما ان السيسي ليس اشتراكياً مما يزيده بعدا عن الطبقات الشعبية وعن شباب الإرهاصات الذين يشاركونه عدم الاشتراكية ربما اكثريتهم، ولكنهم يناقضونه من حيث بحثهم عن العمل والدخل والحياة الكريمة إن كانت ممكنة في هذا العصر.

كانت الرأسمالية الفرنسية  مقسمة بين ملاك الأرض  والراسمالية المالية الصناعية مما حال دون وحدتها بوعي طبقي مما قوى مركز بونابرت ليخدمها بطريقته. لكن البرجوازية اللاوطنية في مصر موحدة وقوية في الاقتصاد والسياسة.

حاول ماركس تبيان ان الدولة ليست  مجرد انعكاس للقوى الاجتماعية  بل بالأحرى نموذج على فصل الدولة عن المجتمع تحت حكم بونابرت حيث  حاولت البونابرتية ان تكون فوق الطبقات لتركيع الطبقات لكعب البندقية. لكنها بالطبع خدمت البرجوازية. وبغض النظر عن استخدام السيسي للبندقية أم لا، فإن الخليط في خدمة البرجوازية.

تحتاج سلطة الدولة الى قطاع عريض  من موظفيها البيروقراط والجيش حسب ماركس، وهذا متوفر في مصر السيسي.

البونابرتية هي حالة دولة لا تستطيع فيها البرجوازية الحفاظ على السلطة بالطرق الدستورية والبرلمانية  بينما كذلك الطبقة العاملة غير قادرة على تأكيد هيمنتها. أي تبقى الهيمنة وحتى السيطرة للبرجوازية.

في حالة مصر، حتى الآن هناك من ينوب عن البرجوازية وهناك دستور لكن ليس هناك برلمان بعد. وبالطبع أتى السيسي للحكم بالانتحاب ولكن بعد أن ضمن نفسه قبل الانتخابات حيث بدا كالمسيح المخلص للطبقات الشعبية. لكنه لم يتقدم في هذا الاتجاه بعد.

كما ان السيسي لا يعتمد على حزب سياسي وفي هذا يتشابه مع البونابرتية، ولكن قد يكون الخليط هو حزبه، بل ربما من يوجهه.

هُزمت البونابرتية في الحرب مع بروسيا، ومصر السيسي ورثت هزيمة مصر في كامب ديفيد، وليس واضحا بعد كيف ستتعاطى لاحقا مع هذه الهزيمة.

هنا يصح قول إنجلز بأن البونابرتية حالة توازن قوى طبقية تكون الدولة وسيطا  ظاهريا له استقلالية عن كليهما. كان بونابرت يزعم أنه فوق الطبقات ومن أجل الجميع، لكنه كان حقاً أداة للبرجوازية وهذا قريب من وضع مصر.

لقد تمكنت ألمانيا بسمارك من هزيمة فرنسا بونابرت. ولعل ما تحتاجه مصر ان يتحول السيسي إلى بسمارك على صعيد عربي. هل يُفلح؟ والمقصود هنا أن بعض توجهات السيسي ناصرية.

بدأ ناصر وانتهى مدعوما من الطبقات الشعبية لموقفه القومي والوطني، ولكنه كان يريد لمصر ان تتحول إلى الطبقة الوسطى التي هي حصان يزوغ عند المعركة. وكان يريد لمصر قيادة الأمة العربية الأمر الذي انتهى برحيله.

هل السيسي مرحلة وسطى تعديلا لمبارك بمعنى ان الانتفاضتين قويتا الطبقات الشعبية لتعادلا راس المال  وليس لتهزمانه.

كان لويس بونابرت يمثل صغار الفلاحين كثيري العدد ويزعم أنه يمثل الطبقات الشعبية  بينما هو يوفر فرص تطور الراسمالية  وهذا ما حصل أما السيسي فيتحدث عن الغلابا ولكنه لم يقدم لهم شيئا بعد وأقله إعادة الحيازات الصغيرة لهم.

أما السؤال المتبقي فيقول بأن ما حصل في مصر حتى الآن هو لا شك خطوة إلى الأمام. هناك قوم طبقية مؤيدة لما حصل وأخرى متضررة مما حصل. لكن الفيصل هو:

إن ما حصل حتى الآن، لم يعط الطبقات الشعبية التي يتحركت وانتفضت في الانتفاضتين لا ما تستحقانه ولا ما تطالبان به.

وهذا يضع مصر او ينقلها إلى صراع طبقي أوضح. ففي فترة النظام العميل من السادات إلى مبارك كانت الطموحات متواضعة بمعنى المطالبة بوطنية مصر. أما اليوم بالمسألة هي رفع المطالب إلى عروبة مصر وإلى إعادة بناء مصر لصالح الأكثرية الشعبية.

هذا يفتح على برنامج اليسار العروبي في مصر بمعنى موقف معارض للنظام بصرامة ووطنية وطبقية معاً. موقف يحمي الوطن والجيش والدولة وفي نفس الوقت يرفض الانضواء تحت لواء السلطة الحاكمة. موقف يطالب بالثروة للمنتجين وليس للطفيليين، موقف يدفع باتجاه مصر إلى القطاع العام ومن ثم الاشتراكية. موقف مضاد للاتفاقات مع الكيان الصهيوني ، موقف ضد الثورة المضادة بثلاثيتها.