نحلم بالأمس وليس الغد !

د. أحمد الخميسي

يتمنى الناس لو تحققت أحلام المستقبل، ونحن نتمنى لو تحققت أحلام الماضي! مازلنا نبتغى العدالة الاجتماعية، والاستقلال، والتصنيع، والتطور، والازدهار الثقافي، والحرية بأكمل معانيها، وكلها آمال قديمة بزغت منذ قرن مع ثورة 1919. الماضي وليس المستقبل كل ما ننشده ! في عام 1929 أسس المفكر المستنير إسماعيل مظهر حزبا أسماه ” حزب الفلاح”، وكان مظهر قد ترجم” أصل الأنواع” لداروين ونشره عام 1918، كما أنشأ المجمع العلمي المصري مع سلامة موسى. اختار مظهر لحزبه أن ” يضم في صفوفه الفلاحين والعمال”. وحدد حينذاك أهداف الحزب ونظرة علي تلك الأهداف التي انقضى عليها مئة عام ستريك أنها أقصى ما نرجوه الآن! والأهداف التالية وهي بعض مما جاء في برنامجه مأخوذة بنص كلماتها، اقرأها وفكر ما الذي حققناه منها؟ وماذا مازال طي أحلامنا منها؟ :

– المساواة بين المرأة والرجل فى الحقوق السياسية والاجتماعية

– سنّ قوانين جمركية لحماية المنتجات الوطنية الأساسية من زراعية وصناعية وحث الشعب والحكومة على تفضيل المنتجات الوطنية

– قيام الحكومة بإصلاح أراضيها البور وتوزيعها على صغار المزارعين

– فرض ضرائب متدرجة على الدخل والميراث

– حماية الأولاد بمنع تشغيل الذين دون الرابعة عشرة

– القضاء على حركة التبذير السارية فى أكثر مرافق الحكومة

– فرض ضرائب جمركية خاصة على الكماليات ومواد الزخرف والرفاهية

– تحرير الطبقات العاملة فى مصر من عمال وفلاحين معتقليل الفوارق بين الطبقات الاجتماعية

– جعل التعليم مجانياً بجميع درجاته

–  نشر الثقافة ومحاربة الأمية وفتح مدارس ليلية للطبقات العاملة.

وبعد انقضاء مائة عام على تلك الأحلام، سنجد أن حقوق المرأة لدينا مازالت منتقصة أو مهدرة، وأننا نفتقد لسياسة جمركية تحمي المنتجات الوطنية، وأن أراضينا البور أكثر بما لايقاس بما يزرع، وأن استغلال الأطفال في الأعمال الشاقة قائم على قدم وساق، أما عن تبذير الحكومة الذي طالب مظهر بوقفه فيكفي أن نذكر أن لدي حكومتنا الحالية شريحة كاملة من المستشارين الذين لا يفعلون شيئا ويتقاضون سنويا مليارات!وبينما خايل إسماعيل مظهر وزملاؤه من رواد النهضة الحلم بتقليل الفوارق بين الطبقات فإن تلك الفوارق تصبح صارخة كما لم تكن من قبل! أخيرا يحدد مظهر هدفا سياسيا كبيرا لحزب” الفلاح ” ألا وهو ” استقلال مصر التام”، و أيضا ” التكاتف مع الأمم المستعبدة ولا سيما الأمم الشرقية والعربية على محاربة الاستعمار”. لكن استقلالنا بعد مئة عام مازال مقيدا بمعاهدة كمب ديفيد التي حولت سيناء إلي أرض وقف لا نستطيع أن نحرك عليها جنودنا من دون موافقة الجانب الآخر. أما عن ” التكاتف مع الأمم المستعبدة ولاسيما الشرقية والعربية” فإن أقصى ما يسعنا تقديمه للقضية الفلسطينية هو الدعم اللفظي مع الإقرار بشرعية الاحتلال. قس على ذلك ما تحقق ومالم يتحقق إلي الآن من برنامج 1929 ! أحيانا تتأخر الأحلام زمنا طويلا وأحيانا قرنا كاملا، لكن قلما تسخر الأحلام بأصحابها، كما تسخر بنا أحلامنا. أليس استهزاء بأمنيات وكفاح شعب بأكمله أن يصدر الحكم بتبرئة الرئيس الأسبق مبارك من جريمة قتل نحو ألف شاب في يناير 2011؟. خرجت يارا سلام مظاهرة فسجنت ثلاث سنوات، أما مبارك فقتل مظاهرة كاملة وخرج براءة! يتطلع الناس إلي الأمام أما نحن فأحلامنا كلها في الماضي! نحلم بالأمس وليس الغد !

***

أحمد الخميسي. كاتب مصري