الوطنية والقومية والأممية بدلالات قيم الوجود

راديكال – محمد فرج

الوطنية هي المهمات المكانية لصالح ما هو أوسع، القومية التي نريد هي التعبير الاحتجاجي للمظلومين في البقعة الأوسع، الأممية هي التضامن العالمي، الأممي، وهي عولمة كذلك لكنها نقيض العولمة الرأسمالية. أي أنها عولمة الاشتراكية. الوطنية والقومية والأممية هي تعبيرات للدفاع عن قيم الوجود ، وفي هذه التعبيرات أهم ما يمكن البحث فيه، هو قيم وجود من؟ وبكلمات أخرى، السؤال الأكثر ديمومة، لمصلحة من؟

عن السياسة وقيمة الوجود

 

لوجودنا هنا قيمة، أو قيم، ولكننا نحيا في الأغلب دون إدراكها، أو دون التفكر الدائم فيها، ولكنها تبقى تحاصرنا، ، لأننا نحيا الحياة أكثر ما نفكر فيها. أما هؤلاء الذين يجتهدون في تفكر قيم الوجود، فهم يقتطعون من الحياة في أمثلتها (قيم الوجود)، هم يعيشون نصفاً داخل حياة، ونصفاً خارجها ، لكن النصف الثاني هو ليس الموت.

السؤال الدارج لقيمة الوجود، هو :”كيف جئنا هنا؟”، ولكن السؤال الأهم هو ليس البحث في علة الوجود، فسؤال العلة سؤال متأخر في التاريخ، كما أنه لا يشغل بال الكثيرين.

فهل هي الغاية من وجودنا إذن؟ الغايات المطروحة للوجود، ما هي إلا لدعم معناه وقيمته الأساسية، السعادة البشرية. نحن نبحث عن غاية الوجود حتى نبرر فعلنا اليومي و نؤكد معناه، لذلك يمسي السؤال الأهم هو : ماالذي يمكننا فعله الآن وهنا؟ والسؤال عن المستقبل إنما هو عجز الإجابة عن أسئلة الحاضر . ماالذي يمكننا فعله، هو السؤال الذي يخلق أعلى درجات الاشتباك بين الفلسفي والسياسي، أو بمعنى آخر يظهر حالة الوحدة بينهما أكثر وأكثر.

البحث في مسألة الوجود، العلة والغاية، بحث يطول، ما هو مطلوب من هذه التوطئة المختصرة هو: إن كنا نعتقد أن قيمة الوجود الأساسية تكمن في السعادة البشرية، فما معنى الوطنية والقومية والأممية في الدفاع عن هذه القيمة؟ وما معنى تظهرها (الوطنية والقومية والأممية) في أشكال أخرى، نشعر وكأنها لا ترتبط بصلة وثيقة بمعنى الوجود، السعادة البشرية؟ ونشعر بأن الوحدة بين الفلسفي والسياسي انفصمت، وحيز التشابك تلاشى !

الوطنية ، تشابك في الدفاع عن قيم الوجود

عمر توريخس، قائد بنما الوطني، منع الجنود الأمريكيين من ممارسة الجنس مع النساء البنميات في الملاهي الليلية، وسمح لهم بذلك مع أية إمرأة ليست بنمية. إنه تعبير فقط، تعبير دفاعي، إغتصاب الأرض في صورة ابتزاز إمرأة، تعبير احتجاجي في الدفاع عن قيمة وجود، حق الإنسان البنمي، وليس المرأة البنمية، في الحياة الحرة السعيدة، التي لا تعرف اغتصاباً للأرض من قبل الكاوبوي الأمريكي.

فلسطين انتفضت للأقصى، لقد نبشت في التاريخ الذي يعنى به المجموع الأكبر، نبشت لتستخرج أسلحة من الزمن الضائع، لكي تدافع عن قيم وجود الحاضر، هي تدافع عن أرضها وأهلها، تدافع عن قيمة السعادة البشرية في هذا الوجود، والحماية من القتل والاحتلال، لذلك ظهرت هنا الهوية الدينية التاريخية كتعبير احتجاجي فقط عن قيمة وجود ، وهذا هو حال الوطنية. وهذه التعبيرات تسقط كثيراً في فخ التأويل من جهة، وفخ إثارة التناقضات الثانوية وتصعيدها على حساب التناقضات التناحرية من جهة أخرى. لذلك، صحيح أن الانتفاضة تكون على أساس الدفاع عن قيمة وجود أساسية، لا علاقة مباشرة لها بالدين والوطنية كبناء فوقي، ولكن هذه التعبيرات تبقى موجودة ضمن ما تراكم فوق رؤوسنا من الأوهام والأساطير والخرافات.

ألمانيا النازية حاربت العالم بأكمله، لتدافع عن قيمة وجودها في السعادة التي امتصتها بنود معاهدة فرساي عام 1919م، المعاهدة التي نزعت قيمة السعادة للألمان وأذلتهم، فكان التعبير الاحتجاجي لكل ذلك تصعيد شعار أفضلية العرق الآري على الأعراق جميعاً.

لبريطانيا المنتصرة والمهزومة وطنية احتجاجية، منذ أن بدأت استعمارها، عرضت سلطاتها عام 1895م خيارين إثنين: الحرب الأهلية أو الامبريالية. اختار شعبها الامبريالية للدفاع عن قيم الوجود في السعادة، في المملكة المتحدة تحديداً. وعندما دكت النازية أسوارها، انتفضت على مقولة تشرتشل “ليس لدي ما أعدكم به سوى المزيد من العرق والدماء والدموع”. إنها التعابير الاحتجاجية الوطنية للدفاع عن أو تملك قيم الوجود. الإنجليز الذين اختاروا الامبريالية عن قيم وجودهم كمستعمِرين ، يصعدون شعار الدفاع عن الوطن من موقع المستعمَر هذه المرة.

هنالك وطنية أردنية جبانة تدافع عن قيم الوجود في الأمن، لذلك تنأى بنفسها عن أي مشهد للصراع، ولكنها من السهل أن تقدم نفسها وطنية بالمناسبة. والوطنية الأردنية الشجاعة، تبحث عن قيم الوجود كذلك، ولكنها مستعدة للتضحية في المتاح منها( التي تطالب بها الجبانة) من أجلها (قيم الوجود الأبعد والأعمق)، هذا هو معنى هتاف “الموت ولا المذلة”.

كلتاهما تلجآن إلى المنسف والثوب والحطة والعقال، كتعبيرات عن رفعها لشعار الوطنية. ولكن كلتاهما لا تعني هذه الأشياء في ذاتها، بل توظفها في الدفاع عن قيم وجود معينة، وتستفز الجمهور المحيط بها لغايات هذه القيم. ليس من الصعب توظيف كل ذلك، ودفع الشعوب للتضحية بحياتها من أجل شعار لم تهتم بالكشف عما خلفه.

لم تخطىء السوريالية عندما سألت سؤالاً بريئاً: لماذا تريدوننا القتال من أجل هذه الحضارة؟ هل تريدوننا أن نموت في تلك الحرب لنعود إليكم ونرضخ من جديد تحت قوانينكم أنتم (قادة الحرب)؟ كانت تود أن تسأل ما هو الدفاع عن قيمة الوجود في هذه الحرب؟ كانت تود النبش في السبب الأعمق، وهي التي رفضت الأصالة في كل شيء حتى في الفن.

الوطنية شعار خلفه أبواب مفتوحة على احتمالات كثيرة، وفي هذه الحالة، لا يكمن الحل في إصدار الصكوك، هذا وطني وهذا غير وطني، ونقطة ! وهذا لا يعني أننا لا ننحاز لشعار محدد، ونعتبر الشعار الآخر رؤية تستحق الاحترام! ولكننا نقول أن هذا الشعار قابل للتورية والمواربة للتعبير عن الدفاع عن قيم وجود محددة، ولصالح فئة محددة، تضيق وتتسع، وفي الغالب تجد لها جمهوراً كذلك . يبقى عليك أن تكشف ما يخفي هذا الشعار خلفه، وإلى أي مجموعة يصنفك موضوعك وذاتك مجتمعين .

وطنية توريخس لم تكن شاملة، لأنها لم تحمي نساء غواتيمالا! لذلك لم يستنهض توريخس القارة اللاتينة كما فعل تشافيز، مع أنها كانت وطنية معادية للامبريالية، وكانت وطنية تشجع التأميم وترفض التعاون مع المؤسسات المالية الكبرى، ولكنها فشلت في إدراكها حجم الإقليم، فشلت في بناء العلاقة اللازمة بين حدود بنما ومحيطها. فماتت، مع أنها مخلصة نقية !

وطنية الألمان أو قوميتهم في الحرب العالمية الثانية كانت شعاراً فعالاً، وإن قادها مجرم بحجم أدولف هتلر، فقيمة الوجود التي يدافعون عنها، هي الافتكاك من بنود معاهدة فرساي، لذلك كانت وطنية دفاعية تظهرت في أشرس أشكال العدوان والاحتلال والهجوم.

وطنية الإنجليز في انتقاء خيار الامبريالية، كانت محض دفاع عن قيمة وجود أكبر على الأرض الإنجليزية من خلال إذلال من يعيش خارجها، وتحديداً في بلداننا، لذلك لم يكن غريباً أن يتشكل تأييداً شعبياً لهذا الهجوم في بريطانيا نفسها.

وطنية الأردن الجبانة التي تشدد على خطاب الأمن والأمان موجودة، ولها جمهور يؤيدها كذلك ، ومقتنع تماماً بها، وتحديداً الطبقات التي تمثل لها هذه القيمة الهاجس الأساسي، كون باقي القيم حاضرة بشكل أو بآخر. هذه الطبقة لا تعنى كثيراً بقيم الكرامة المهدورة أو جوع الطبقات الأخرى.

لا يمكن المقارنة بين وطنية الأردن الجبانة ووطنية عمر توريخس، مع أن كلتاهما إنعزالية عن المحيط، فالأولى تنأى بنفسها لصالح الأقلية، فهي لا تشمل حدود هذا الوطن مع أنها ترفع شعار الوطنية، وفي هذا الانحياز للأقلية تبني تحالفاتها مع نظام دعم الأقلية الطبقية في العالم، وهي الامبريالية العالمية، وهذه الخصائص لم تحضر في تجربة عمر توريخس أبداً، بل كان الحاضر فيها هو نقيضها.

وطنية الأردن الشجاعة، تدافع عن كرامتها من جهة، وضد جوعها من جهة أخرى، هي سوريالية إلى حد كبير، فهي ترفض النأي بالنفس، لنفس السبب الذي رفضت السوريالية الحرب لأجله، من أجل من نقاتل؟ أو من أجل من نصمت؟

القومية، في نسختيها، التحررية والسادية!

 

كذلك القومية انطلقت بشعارات الوحدة على أسس العادات والتقاليد والدين واللغة، لتحمِّل عليها برنامجاً سياسياً، والبرنامج السياسي استند إلى قيمة أو قيم وجود ما، وتعددت أهدافه وتباينت بين هذه المشاريع القومية. فمشروع هتلر تسميه الناس مشروعاً قومياً، وكذلك مشروع بسمارك، وكذلك مشروع جمال عبدالناصر. فهل جميعها حملت نفس الجوهر وإن استندت صورياً لشعارات متشابهة، كاللغة والتاريخ والحضارة؟

بسمارك وحّد الألمان تحت شعار الحماية من النفوذ النمساوي، بعد أن تحالف مع النمسا نفسها ضد الدنمارك، وعزز الشعور البروسي ضد النمسا، كي تتفرد بروسيا بالأهمية الأولى في الاتحاد الالماني. وهذا ما فعله كذلك في الدعوة لتوحد الألمان ضد الفرنسيين. مشوار بسمارك في توحيد ألمانيا، لم يكن مشروعاً واحداً، بضربة واحدة وإلى الابد، بل كان على مراحل، من الاتحاد الألماني الشمالي فقط، إلى الاتحاد الألماني الواسع. وكل مشروع، وكل خطوة، كان برنامجاً سياسياً، له أهدافه، المَلكية في الأغلب، ولكنها كانت تعد بقيمة وجود للشعوب المعنية، تمثلت في الحماية من النفوذ النمساوي والتهديد الفرنسي. ما وهبه بسمارك القومي لأمته، جيشاً عظيماً أجاب على أسئلة التاريخ بالحديد والدم، ولكنه أجبر العمال على العمل لإثنتي عشرة ساعة يومياً بما فيها الآحاد. يمكن القول بأن مشروع بسمارك كان قومياً سادياً، لا يختلف كثيراً عن مشروع أدولف هتلر.

للقومية العربية، ظروف مختلفة عن شروط قومية بسمارك، فمن المبكر جداً الحديث عن قومية سادية عربية، في اللحظة التي تعنى فيها في التحرر من تبعيتها. ولذلك يمسي التحرر والانعتاق من الاستعمار والسيطرة هي قيمة الوجود الأساسية التي سندت الشعارات القومية في الوطن العربي.

لقد سهلت الكثير من الشروط ظهور المستعمر الداخلي ووكيل المستعمر الخارجي المتمثل في الأنظمة التي رفعت نفسها الشعارات القومية بعد انسحاب الاستعمار منهكاً من تكاليف الحرب العالمية الثانية، واشتعال الثورات في البلدان العربية. لقد كان من السهل على تلك الأنظمة ترويج قيمة الانسحاب العسكري للاستعمار، على أنها القيمة الأساسية، لتحجب القيم الأهم لاحقاً والمتمثلة في البناء والنهضة. والأخيرة كانت برنامجاً واضحاً للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الذي حمل برنامجه القومي في جوهره نقيض ما حملته الأنظمة التي رفعت نفس الشعارات القومية صورياً. لقد كان مشروع عبدالناصر في الجوهر أقرب إلى مشروع محمد علي باشا، الألباني الأصل، الذي لم يكن مشروعاً قومياً أصلاً، ولكنه كان مشروعاً تحررياً مستعداً لضم اسطنبول لو مكنته الظروف من إسقاط أعدائه فيها.

تجربة حزب البعث في العراق، كانت قائمة على تأجيج الناس ضد الفرس أحياناً، وضد الغرب أحيانًا أخرى، وانتهت بسقوط النظام في أيدي المحتل دون أن يدافع عنه أحد !

وحزب البعث في سوريا (ومنعاً للبس مع التأكيد على موقفي الرافض لتدمير الدولة السورية على أيدي التكفيريين والامبريالية العالمية)، فهذا الحزب تخلى عن الإيجابيات التي قدمها سابقاً (القيمة الأساسية له إلى جانب الموقف الرافض للسلام مع الكيان الصهيوني) ليدخل لعبة الانفتاح الإقتصادي ويضع الشرائح الأوسع من الناس تحت خط الفقر .

قيمة الوجود التحررية التي حملها مشروع سيمون بوليفار تمثلت في التخلص من الاستعمار كذلك، لذلك كان من السهل ولادة “غراند كولومبيا” على أنقاض التحرر من الاستعمار، وكان من الصعب استمرارها على أطلال ذلك التخلص فقط.

المشروع القومي، حاله حال المشروع الوطني، يعرف بما خلف الشعارات، بالتحديد الأهداف والبرنامج السياسي. فالقومية البسماركية ذات نزعة سادية، والقومية الناصرية والبوليفارية ذات نزعة تحررية.

الأممية، انتشلها التاريخ من الالتباس

 

لم يحدث التشابك المذكور في حالتي القومية والوطنية، في حالة الأممية، ويعود السبب في ذلك لارتباط المصطلح التاريخي بحركة سياسية محددة، تمتلك وحدة قياس واضحة ومحددة كذلك.

الأممية هي شعار الماركسية المتمثل في وحدة الطبقة العاملة عالمياً، واستبدال الاحتكار الاقتصادي العالمي، بتضامن اقتصادي عالمي، وهذا التضامن يتمثل في تبني النموذج الاقتصادي الاشتراكي، ولا شيء غير ذلك.

ليس من السهل تسمية حركة سياسية ما، أممية، إن لم تكن تؤمن بهذه المبادىء الأساسية غير القابلة للتورية. فكما أن هناك “وطنية” تعني النأي بالنفس، هناك قومية تعني الجيش العظيم والشعب المضطهد، وكما أن هنالك وطنية اشتراكية فهنالك “وطنية” تابعة، وكما أن هنالك قومية اشتراكية، فهنالك قومية احتكارية، ولكن ليس هنالك أممية احتكارية، وإنما هناك نقيضها بمسمى آخر، وهو العولمة الرأسمالية.

الأممية أجابت بدون أية مواربة عن سؤال الوجود الذي طرحت الوطنية والقومية المتسقة معها أسئلة خارجية قبله، التحرر من السبب الأساسي لصيغ الاضطهاد المتعددة، الحرب الطبقية الاقتصادية العالمية.

فمن الأممية الأولى التي شكلها كارل ماركس عام 1864م، إلى الأممية الثانية التي كان سؤال الوطن وتحرر الطبقات راهناً فيها، إلى الأمميات الأخرى حتى وقتنا الحالي، بقيت الأهداف المركزية هي هي.

فك الاشتباك

الاشتباك في هذه المفاهيم يتنوع، فمن الاشتباك داخل حدود المفهوم نفسه (الوطنية أو القومية أو الأممية)، إلى الاشباك بين المفاهيم الثلاثة. الوطنية والقومية ليست العادات والتقاليد، وتعريفها عادة يظهر في سياق تعريف الآخر وليس تعريف الأنا، فتكون وطنية أو قومية تحررية للشعوب المضطهدة، وتكون سادية للأمم المستعمِرة.

استنهاض المشاريع الوطنية والقومية في سياق مشاريع التحرر ممكن، بل ومطلوب، ولكن ليس أبعد من ذلك، فالأبعد هو الأممية . الأممية لا تتحقق دون ظهور هذه الوطنيات والقوميات، وهذه الوطنيات والقوميات تتوه إن نسيت الإجابة الأساسية لسؤال قيمة الوجود الذي أجابته الأممية. الأممية لها أذرعها الوطنية والقومية، والعولمة الرأسمالية كذلك، لها الأذرع من ذات الطابع الصوري.

في العودة إلى ذلك الكراس الصغير، البيان الشيوعي، هنالك فكرة ما زالت راهنة، لا لشيء سوى لأنها تناولت شأن متعلق بالوجود، أن تاريخ الصراع في هذا العالم هو صراع طبقي وليس أي شيء آخر، وهذا لا يعني تجاهل العوامل الأخرى كالدين والقوميات والأعراق، وإنما يعني قراءتها في سياق الصراع الأساسي وتشكله.

يتم استقراء الصراع الطبقي في المشاريع الوطنية والقومية من زوايا متعددة، ومنها أن لا مشروع قومي يمكنه الاستمرار دون الأخذ بالاعتبار العناصر الطبقية الداخلية ومسألة العدالة الاجتماعية بمعناها الاشتراكي، لذلك تجد أن مشروع تشافيز في الأطراف نجح، والمشروع القومي للدول الأوروبية التي نزعت نحو الضمانات الاجتماعية العالية نجح إلى حد كبير كذلك. قومية الأطراف تتطلب الافتكاك عن المراكز واتفاقيات التجارة الحرة، بينما تتطلب قومية المراكز تعزيز التجارة الحرة في اتجاه واحد.

في الانتقال من وعي العائلة إلى وعي العشيرة إلى وعي العرق والإقليم والقومية إلى وعي الطبقة والأممية متطلبات عديدة. لن يتضامن معك قوميو فرنسا وألمانيا، نظراً للفرق في جوهر قومية الأطراف عن قومية المراكز، ولكن سيتضامن معك الأمميون فيها، وفي هذا بعد المثقف الثوري أو بعد الطبقي أو كلاهما.

قد يكون من المفيد انطلاق قوميات ووطنيات في أمم مضطهدة، لتخوض مشاريع تحرر طبقية بعناوين قومية ووطنية، ولكن يبقى هنالك عامل لا بد من الالتفات إليه، هو الكشف عن المحتوى الطبقي لتلك القومية والوطنية، وعلاقاتها مع الدائرة الأوسع وهي الأممية، ودراسة هذه العلاقة قد تفتح الباب على شكل جديد من شعارات المواجهة، لربما تكون واحدة منها، أممية الأطراف!

:::::

العدد السابع والخمسين 01-31 كانون الأول 2014

http://radicaly.net/falling-body/