محاورات في الاقتصاد السياسي 9

امريكا: الاقتصاد كسلاح والسلاح كاقتصاد

عادل سمارة

إذا كانت بداية حقبة الإمبريالية وخاصة تطورات الاقتصاد في المركز قد تجاوزت المنافسة كقانون عام للرأسمالية لصالح راس المال  المالي وصولا إلى راسمالية الاحتكار، فإن تجربة وخبرة الحرب العالمية الثانية قد أوصلت السلطة الطبقية/المالكة والحاكمة  سياسياً والمهيمنة  فكريا بل إيديولوجيا  في الولايات المتحدة إلى أن راس المال الاحتكاري، وإن سيطر في الدولة القومية، ليس شرطا ان يمكنها من حسم السوق العالمية ومن ثم الاحتفاظ بل وزيادة حصتها  المسيطرة في السوق الدولي من حيث التدفق السلعي بشروط مناسبة لها تحقق معدلا مقبولا للربح. أي ان تنافس الاحتكارات على الصعيد العالمي يحتاج إلى آليات إضافية بل مختلفة وهي اقتصاد السلاح والحرب. ففي اعقاب تدمير اقتصادات اليابان واوروبا في الحرب العالمية الثانية، فإن حصة الولايات المتحدة من الإنتاج العالمي قد وصلت إلى 60 بالمئة[1]. وهذا اقتضى البحث عن آليات داخلية للحفاظ على قوة الاستهلاك الداخلي وعن آليات خارجية للحفاظ على تلك الحصة في السوق الدولي.

على المستوى الداخلي، لقد جادل بول باران وبول سويزي (من مجلة مونثلي ريفيو ذات التوجه الماوي إلى حد كبير) بأن سلطة راس المال  الاحتكاري في الولايات المتحدة كي تتلافى عجز/قصور  الاستهلاك  وجدت انها لا بد ان تدفع باتجاه تطوير آليات  لاستيعاب/تشغيل الفائض، واستمرار النمو، والتركيز على أنتاج السلاح، إلى جانب انفاق هائل  على دعاية الاستهلاك وزيادة الإنفاق الحكومي حيث ان هذه سياسة تحمي سلطة راس المال  من السقوط في ايدي الطبقات الخاضعة للاستغلال (وهذا ما سنراه طوال هذه الورقة) . وبهذه السياسة كسبت الإمبريالية داخل بلدها الطبقتين الرئيسيتين في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية: الطبقة البرجوازية التي هي القوة الاقتصادية والسياسية للدور الإمبريالي لسلطتها ودولتها، والطبقة العاملة التي هي قوة الإنتاج وليست قوة  القرار السياسي ولا الاقتصادي ولا الحقوقي، هي الطبقة المنتجة من جهة والتي تتعرض للاستغلال ومن ثم للتدجين الدائم من جهة ثانية. كما خدرت الوسطى وبالطبع أبقت عليها  لأن بقاء الوسطى مؤشر او ضمان أداء النظام بما هي قوة خدمات واستهلاك.

ومن هنا، فقد توافقا  (باران وسويزي) مع الاتجاه العالمثالثي ومدرسة النظام العالمي التي في توقعها  انبعاث الثورة ضد راس المال في المحيط ومن ثم تأزيم المركز عبر فك الارتباط او القطيعة مع المركز الراسمالي  او تجاوز التبادل اللامتكافىء مما يقلل الطلب على منتجاتها وهو ما يلحقه عجز الطلب المحلي عن تشغيل الصناعات التي تنتج للتصدير وبالتالي يقلل الدفوقات المالية إلى المركز بما هي مساهمة في تسكين الرفض الاجتماعي وبالتالي مما يحرك القوى الاجتماعية المستغلَّة في المركز نفسه.

 

النخب الخمس

تتكون الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة من مجموعة شرائح طبقية تشكل طبقة متماسكة وذات قبضة مزيج من السيطرة والهيمنة تُحكم قبضتها على المجتمع هناك وتعمل على تحويل العالم إلى امبرطورية تابعة لها بالمعايير نفسها.

وهي:

النخبة السياسية الإدارية في البيت الأبيض وأجهزته

نخبة المجمع الصناعي العسكري

نخبة المجمع الصناعي المدني

نخبة الأجهزة الأمنية

النخبة الإعلامية الثقافية ونخبة المؤسسة الدينية (المثقفون العضويون لرأس المال)

لعل اللافت أن هؤلاء جميعاً يمكن دمجهم بمعنى أن من يحكم الولايات المتحدة هي الدولة/الشركة أو دولة الشركات.

لخصت هذا بياترس إدوارد، المديرة التنفيذية لمشروع  الحوكمة: ” في الحقيقة، فإن ما حصل هو “إشراف مجمع حكومي-شركاتي “. ولكن اية شركات في المقدمة؟ هي شركات الصناعات التسليحية.

 

الانفاق العسكري لامتصاص الفائض

إذا كان الإنفاق التسليحي وتوسيع ماديسون افنيو المرتكز على البيع  هو من العوامل المضافة التي تسمح باستيعاب الفائض الاقتصادي في الخمسينات والستينات، فإن تاثيرها المحفِّز قد تضائل في الثمانينات وما بعدها، على الرغم من الزيادة الحادة في الاعتماد الاستهلاكي (بما فيه بطاقات الاعتماد) ، في تنشيط جهود البيع   وعلى الرغم من الحرب الباردة الثانية التي شنها ريغان أي تضخم الإنتاج التسليحي. كان لا بد من من حرب باردة أخرى بل ساخنة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

لم يكن ريغان خالق الاتجاه الحربي، بل هو تراث عميق في الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة.

كتب سكوت نيارينج في مجلة مونثلي ريفيو عام 1964 تعريفا بالدولة على انها : ” تستخدم الحرب او التهديد بالحرب كأدوات حاسمة في سياستها الخارجية. في دولة حربوية فإن المكر السياسي يوضع على راس قائمة نشاطات الدولة ، والتخطيط للحرب، والتحضير للحرب،  ومن ثم شن الحرب حين تتوفر الفرصة[2]“.

 تقوم الحرب الباردة الجديدة/الساخنة على ثلاثة حوامل:

الأول: خلق سلسلة حروب ضد المحيط هذه المرة باستغلال غياب اي قطب حقيقي آخر حيث تمكنت امريكا من احتلال دول مستقلة لم يكن ذلك في التصور خلال وجود القطب الاشتراكي، وهذا نشَّط الصناعات العسكرية من البندقية إلى الدبابة وراجمة الصواريخ.

والثاني: السيطرة على محيط الاتحاد السوفييتي السابق اي الدول التي كانت ضمن الكتلة الشرقية، وإشغالها بالتسلح والحروب لتكون سوقا وراس حربة ضد روسيا الاتحادية وليست جورجيا الحالة الوحيدة.

ثالثاً: العمل على تكسيح روسيا كي لا تنهض مجدداً وهذا ما نراه اليوم في إرغام اوروبا على فرض عقوبات اقتصادية على روسيا، عقوبات مكلفة جدا لأوربا نفسها.

طبعا لا حاجة للتذكير بالفيديو الذي تحدث فيه الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك عن قرار إدارة بوش المحافظية الجديدة لإسقاط انظمة 7 دول اكثرها عربية وكذلك إيران.

اكتشاف السحر في السلاح

قوة راس المال وحدها لا تكفي، والتفوق التكنولوجي المدني لا يكفي، فهناك مئات الملايين من العمال الذين يمكن ان يعملوا بأجور  لا تذكر مقارنة مع   اجرة العامل الأمريكي حتى لو كان اسودا او غير شرعي اي فتات ادنى الأجور. وهناك ايضا بلدانا يمكن ان تنافس ليس فقط اعتمادا على اجور عمال متدنية بل كذلك بمتسوى تكنولوجي مواز.

صحيح ان كثيرا من الشركات الأمريكية رحلت إلى بلدان الأجور الأدنى في ظاهرة تصدير راس المال العامل الإنتاجي (في ستينات وسبعينات القرن العشرين)، خاصة وأن إحدى سمات راس المال الأساسية هي البحث عن الأجور الأدنى. ولكن هذا تفشى كمرض في جسد المجتمع الأمريكي حيث عجز الاستهلاك لقلة مداخيل الطبقات الشعبية عبر تدني الأجور وارتفاع معدلات البطالة، إضافة إلى مشكلة التهرب الضريبي للشركات الكبرى . وهذه من مسببات أزمة 2008 سواء هي ازمة رهونات عقارية او اقتصادية مالية شاملة.

إدراكاً لأهمية الإنتاج العسكري، رفع مجلس الأمن القومي باكرا شعار إمكانية التوسع العظيم للاقتصاد الأمريكي مرتكزا على تجربة الحرب العالمية الثانية التي زادت فيها بالتوازي الإنجازات العسكرية وديمومة الاستهلاك المحلي حيث كانا منسجمين  تماما في سياق عمالة اقتصادية كاملة، لكنها لم تستمر لأسباب اخرى[3]

في هذا السياق والتوجه  طرح مجلس/وكالة  الأمن القومي قيام الولايات المتحدة بتكريس 50 بالمئة من الإنتاج القومي الإجمالي للنفقات العسكرية والمساعدات الخارجية والاستثمار، أو خمسة إلى ستة أضعاف ما هي عليه حاليا[4]ً.

وكانت وكالة الأمن القومي قد أُُنشئت بموجب فقرة في قانون الأمن القومي عام 1947 (وهي نفسها التي نصت على إنشاء ال سي.آي.إيه)[5]،

وصية ايزنهاور

 

يُنسب التركيز الأمريكي على اعتماد اقتصاد السلاح إلى الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت إيزنهاور والذي  كان من جنرالات امريكا  في الحرب العالمية الثانية بما هو مؤسس المجمع الصناعي العسكري، ناهيك عن تمييزه لدورشركات السيارات على حساب القطارات حيث اقيمت في عهده اوسع وأطول شبكة طرق عرفتها امريكا.

في جولته الوداعية بتاريخ 17 كانون اول 1961، توجه للأمة حول ما اسماه “مجمع الصناعات العسكرية”. وفي رسالته فإن الجنرال ايزنهاور قد ركز على ضرورة وجود علاقة تعاقدية قوية ومتواصلة بين العلماء المدنيين والعسكريين، والتقنيين والصناعة والجامعات. وكتب بأن المستقبل الأمني للأمة: ” يتطلب ان تكون جميع الموارد المدنية التي إما بالتحويل إو إعادة التوجيه تشكل الدعم الرئيسي لنا بأن تكون لصيقة جدا مع نشاطات الجيش في حالات السلم. واضاف ايزنهاور بأن هذا يتطلب إعطاء العلماء أعلى حرية ممكنة لإجراء أبحاث ولكن ضمن شروط تتم صياغتها بشكل متزايد على ضوء المشاكل الأساسية للمؤسسة العسكرية.

وأكد أيزنهاور عام 1964 على التكامل العضوي بين العلوم العسكرية والمدنية، والتكنولوجيا والصناعة ضمن شبكة واسعة متداخلة والتي لا تكون مناقضة كثيرا، بل مكملة، لرؤية اقتصاد الرفاه، مرتكزة على الكينزية السلاحية النابعة من إدارة ترومان الرئيس الأمريكي في نهاية الحرب العالمية الثانية  والمعترف فورا  بالكيان الصهيوني. بكلام آخر، فإن حرص كينز المثقف العضوي لراس المال يتقاطع مع تقدير ورؤية أيزنهاور كرجل عسكري وسياسي واستراتيجي رأسمالي[6].

إن التوجه التسليحي الراسمالي للولايات المتحدة عدواني بالضرورة لسببين رئيسيين:

الأول: لأن الولايات المتحدة بعيدة عن أي عدوان خارجي محتمل مما يجعل قلقها من عدوان خارجي ضعيف التبرير

والثاني، لأنها هي دولة امبريالية معتدية على غيرها بالضرورة.

لذا، بناء على الشهية الإمبريالية، كانت تتم إزاحة غير المتحمسين للكينزية السلاحية لصالح المتحمسين. حينما كان ليون كيسرلنج نائب رئيس وكالة الأمن القومي كان اشد المتحمسين للكينزية التسليحية في الولايات المتحدة. وفي عام 1949، استقال نورسي وحل كيسرلنج محله ليركز هذه السياسة .

 

بناء على ما تقدم يمكننا التوصل إلى فهم بأن الولايات المتحدة هي دولة رأسمالية إمبريالية عظمى تقودها حوافز السيطرة على العالم. وهذه السيطرة يفهمها استراتيجيو تلك الدولة بأنها حربا مفتوحة على صعيد عالمي مما يخدم نزعة التحول الأمريكي إلى دور أمبراطوري.

من يستعرض سياسات الولايات المتحدة الخارجية يجد بان هذا الوصف حقيقي ودقيق اي كتطبيق لوصية ايزنهازر في مستويين اساسيين:

الأول: وهو اعتماد المجمع الصناعي العسكري كعمود فقري للاقتصاد الأمريكي (كما اشرنا اعلاه) وهذا المجمع يضغط بطبيعته نحو توفير اسواق للتصريف وهذا بدوره يجعل الحروب مهنة لصيقة بالنظام الحاكم.

والثاني: اندفاع الاقتصاد التسليحي للسيطرة على العالم عبر إقامة قواعد  في مختلف بلدان العالم التابعة للولايات المتحدة.

تشير اللوحة التالية إلى حجم الإنفاق الأمريكي على وجودها العسكري في الدول العشر الأولى المدرجة في اللوحة من حيث استقبال هذا الوجودالحربي الأمريكي  للسنوات من 2002 إلى نيسان 2013

Top Ten Countries by Pentagon Spending, Funds Fiscal Year 2002–April 2013

Country Total (billions)
1. Iraq 89.1
2. Afghanistan 69.8
3. Kuwait 37.2
4.Germany 27.8
5. South Korea 18.2
6. Japan 15.2
7. United Kingdom 14.7
8. United Arab Emirates 10.1
9. Bahrain 6.9
10. Italy 5.8

Source: http://usaspending.gov.

Note: Canada and Saudi Arabia would have also made the top ten; however, those contracts are for the most part unrelated to the limited U.S. military presence in each country, and thus are excluded them from this list.

 

ملاحظة: اما العربية السعودية وكندا ففي موقع متقدم على  الدول العشرة، وهذه التعاقدات هي في معظمها  ليست متعلقة بالوجود العسكري الأمريكي المحدود ولذا تم استثنائهما من القائمة)))

طبعا تبين هذه النفقات الهائلة أمرا ابعد منها مما يجعلها مثابة قمة جبل الجليد. فهي نفقات استراتيحية (قد يسمونها دفاعية) على شكل استثمارات اقتصادية فعلية وذلك ليس فقط بمعنى ان هذه البلدان، أو أغلبها على الأقل ، كما هو معلن بخصوص كوريا الجنوبية والسعودية، تدفعان كلف الوجود العسكري الأمريكي فيهما كحماية لهما. ولكن هذه القواعد هي ضمان تبادل تجاري مدني وعسكري بين تلكم البلدان والولايات المتحدة وهو تبادل لا متكافىء. وبالطبع فإن جيوش هذه البلدان تعتمد شراء الأسلحة الأمريكية وتتبنى المدرسة العسكرية الأمريكية. كما لا يقتصر الأمر على هذه البلدان بل مؤكدا على كثير من جاراتها إضافة إلى ان هناك 700 قاعدة عسكرية امريكية في العالم وهذا يعني انها تغطي الكرة الأرضية.

لعل من اهمية هذا الانتشار الأمريكي عالمياً، أنه مثار تعبئة عامة وحروب في العالم. وماذا يعني هذا؟ هذا يعني جعل العالم سوق طلب على السلاح عموما الأمريكي والمنافس لأمريكا وهي عملية توليد حروب وشراء أسلحة على صعيد عالمي لا يتوقف بل يتسع. هذه عسكرة وحروبية العالم. هذه صورة العالم اليوم وربما غداً. هي فوضى السلاح والتي تحول دون ان تقوم دولة باعتماد سياسة سلام لأن جارتها محفوزة بسيطرة ما عليها. هذا هو شيطان الإمبريالية. وهو الاتجاه الذي لن تتخلى عنه بل هي اليوم مع مأزقها الاقتصادي تفتح له باب تناسل الحروب وتواصل المبيعات.

الطلب والاستهلاك

 

الطلب أو بوضوح الاستهلاك هو المحرك الأساس للاقتصاد الراسمالي وخاصة الولايات المتحدة حيث يحظى باهتمام رسمي كبير. وفي هذا الصدد، فإنه إلى جانب محفزات الطلب المذكورة أعلاه، كان لا بد من إعطاء دور للإنفاق السلاحي كوسيلة لخلق واجتراء طلب فعال كان واضحا في كل من الاقتصاد والأعمال[7]. لعل  أوضح مثال على ذلك أنه حينما حصلت تفجيرات 11 ايلول ضد البرجين “القتيلين” في نيويورك، صرح ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي حينها، بأن الوطنية الأمريكية تتجلى بأن يقوم المواطن بالاستهلاك!

فالاستهلاك ليس فقط للحفاظ على معدة محلية واسعة للاقتصاد الأمريكي بل للحفاظ على قوة السوق هذه لاستهلاك منتجات دول اخرى تتدفق الى السوق الأمريكية مقابل تدفق مضاد للمنتجات الأمريكية إلى اسواق تلك الدول وبهذا يبقى السوق او الاقتصاد الأمريكي اقتصاد الملاذ الأخير. وفي نهاية النهايات فإن  حراك السوق هذا هو في خدمة الطبقة الراسمالية وهو بالطبع يلقي ببعض التساقط على الطبقات الأخرى.

في معالجة او مقاومة الركود الاقتصادي لا تبقى في وجه الطبقة الحاكمة في الأنظمة الرأسمالية اية محرمات، فهي تضع يدها على كافة ثروات ومدخرات الطبقات الأخرى من المجتمع.

“…اكد الرئيس بوش ان ارصدة الضمان الاجتماعي لن تستخدم الا عند الحرب او الركود. اما الآن فالبلاد في الوضعين معا . (لوس انجلوس تايمز 17-9-2000). وقال لبرنامج  واجه الصحافة: “… اننا بوضوح في حرب ضد الإرهاب، واذا ما دخل اقتصادنا في ركود لربعي عام متتاليين ، هو ما يبدو الآن ممكنا  فان هذا يساوي ركودا … ان الصندوق المقفل  اي صندوق التامين الاجتماعي  بغض النظر  عن كيفية استعمال الفائض الموجود فيه  فنحن اليوم لم نخفق في دفع اية ديون منذ كان الكسندر هاميلتون  وزيرا للخزانة  لذا لن تكون هذه مشكلة في اي يوم”(لوس انجلوس تايمو 17-9-2001[8]).

والآن، سواء كانت تفجيرات 11 ايلول من القاعدة وبمعرفة وتسهيلات السلطة الأمريكية[9]، أو كانت دون تسهيلات، فإن الأزمات الاقتصادية التي تقود لها فوضى الإنتاج الراسمالي، أو العدوان العسكري الهادف لتشغيل الصناعات العسكرية كل هذه يدفع ثمن عواقبها المجتمع نفسه وليست الطبقة المتسببة في ذلك. وبالطبع لا يعدم البيت الأبيض تفسيرا او تبريرا لوضع يده على صناديق التأمين والمدخرات للطبقات الشعبية.

لا بأس، كل اختراع، و كل استثمار محفوز وموجه باتجاه التسلُّح والحرب كمدخل لتحقيق الربح اللامحدود. ففي الاحتفالات بإنتاج القنبلة الهيدروجينية، عام 1954، ورد في تقرير اخبار الولايات المتحدة والعالم: “…ماذا تعني القنبلة الهيدروجينية للأعمال. تعني فترة طويلة من …الطلبيات الكبيرة. ففي السنوات القادمة، فإن آثار القنبلة الجديدة ستحافظ على تزايدها. وكما وضعها أحد مادحيها: : “… إن القنبلة الهيدروجينية قد نسفت التفكير في الركود والقت به من النافذة”.

إذن كل شيء للسوق، للاستهلاك لفتح اسواق جديدة بالبندقية، لا مشكلة، لأن المهم عدم الركود، ولكن كحد ادنى أما الحد الأقصى للربح فلا سقف له.

 

تهرب ضريبي

 

الاقتصاد بأكمله في خدمة راس المال. الطبقة الراسمالية تُطبق على مجمل العملية الاقتصادية، لكنها تديرها إدارة نهب ولصوصية. هي إدارة من يصر على دفع أقل التكاليف والحصول على أعلى الأرباح. ومن هنا اسماها ماركس راسمالية الأجر الأدنى.

يتجلس هذا التوجه في المسألة الأساس من حيث السيطرة والقوة في الأنظمة الراسمالية، وهي مسألة العلاقة بين الدولة والشركة، بمعنى هل السيطرة بيد الدولة ام الشركة؟ أم هما متداخلتين متكاملتين في لحظة ما بين الاندماج وتقسيم العمل.

ما تأخذه الدولة من ضرائب يُفترض إنفاقه على المجتمع. وبهذا المعنى فإن من يملك اكثر يستفيد من الخدمات أكثر. ومع ذلك تحاول البرجوازية إلقاء العبء الضريبي على الطبقات الشعبية وحدها عبر:

  • التهرب من الضريبة او الحصول على إعفاء ضريبي
  • إ خراج الدولة من اي دور اجتماعي، قطاع عام (ان وجد) دعم سلع اساسية نفقات تعليم… بما هي لصالح الفقراء ايضا. وهي عامود اساسي في النيولبرالية يسمونه De-regulation او عدم التضبيط بمعنى عدم تدخل الدولة لضبط الاقتصاد كي يبقى كما يرددون “حُراً”.

لقد حفز ريجان الكينزية السلاحية الفعلية، حيث قلل الضرائب بشكل اساسي على   الشركات الكبرى والإغنياء إلى جانب إعطاء دفعة قوية للأنفاق التسليحي. ولتغطية هذا تم إرجاع مسترجعات ضريبية بفلوس ضئيلة لدافع الضريبة العادي بينما طبعا أُعفيت الشركات الكبرى من المليارات وبالطبع خسرت الطبقات الشعبية أكثر من جراء سياسة عدم التضبيط بتقليص النفقات الحكومية على الصحة والتعليم…الخ

ولكن، بقدر ما صيغت النيولبرالية لتوسيع هامش الاستغلال، وبقدر ما حققت الشركات ارباحا من تصدير راس المال العامل الإنتاجي، فقد انعكس هذا على ضعف في الاستثمار الداخلي، ومن ثم في شكل بطالة اعلى وضعف استهلاك داخلي. وهنا لجأت الرأسمالية إلى المضاربات التمويلية حيث تقلصت فرص الاستثمار في قطاعات الإنتاج الحقيقي، وظهر البترودولار.

 “… لقد غدا النظام الضريبي اضحوكة لدى الشركات القائدة للاقتصاد، التي بوسعها تجنب الضر ائب. وحسب التقديرات فإن 30 بالمئة من الشركات متعددة الجنسية  تكلف دافع الضريبة في الولايات المتحدة 255 بليون دولار سنويا من خلال مناطق التهرب الضريبي.. وهذا يتضمن ليس فقط ضرائب الدخل على الأفراد بل كذلك ما هو اكبر بسبب الضرائب المفقودة المستحقة على الشركات الكبرى  (مرتكزة على التقديرات الخام من قبل مكتب التقدير/المحاسبة الحكومي عام 2008 وذلك من خلال شركات فرعية تابعة لأكبر مئة شركة كبرى في الولايات المتحدة موجودة في الخارج وخاصة في مناطق الأمن الضريبي). فشركة سيتي جروب وحدها لها 400 شركة فرعية في مناطق الأمن الضريبي، منها 91 في لوكسمبرغ  و 90 في جزر كايمان.  إن شركة آبل هي إحدى الشركات ذات الربحية العالية وهي شركة لها تقييم عال، قد نقلت ارباحها إلى البلدان التي تضع ضرائب منخفضة. إن آبل هي شركة مبدعة في مناطق الضرائب. فهي التي اخترعت الخدعة المحاسبية المسماة “إزدواج ارلندي وساندويش هولندي”. والمستخدم على نطاق واسع الآن حيث يتم تسييل مسارات الأرباح، عبر توابع ارلندية وهولندية، ومنها إلى منطقة الكاريبي[10]“.

 2014Volume 66, Issue 03 (July-August) / Surveillance Capitalism

امريكا تفاوت اجتماعي

 

في تقرير من سي آي إيه يصنف الدول في درجات بناء على عدم تساوي الدخل وجد انه لدى  الولايات المتحدة أعلى درجة من عدم المساواة حتى من مصر او تونس، وكما أفاد في فترة مبكرة فإن 1 بالمئة يملكون ثروة في الولايات المتحدة اكثر من  90 بالمئة ممن هم ادنى بدءا من قاع المجتمع. وأفاد مكتب  ميزانية  الكونجرس في عام 2011 بأن الحصة التي يكسبها  أل1 بالمئة العليا ، من دخل الأمة، قد تضاعفت خلال العقود الثلاثة الماضية. ومعظم هؤلاء من قطاع التموُّل[11]

 

 

كتب هاري ماجدوف في كتابه عصر الإمبريالية متهكماً: ” وحيث ان الحرب ضد الشيوعية تساعد في البحث عن الأرباح،  فبنفس القدر فإن البحث عن الأرباح يساعد على الحرب ضد الشيوعية[12]

تلخص هذه العبارة العملية التبادلية بين الربح والحرب حيث يدفع كل منهما الآخر بتغذية راجعة تبادلياً، وهي على اية حال، اختلاق الحرب الإيديولوجية لتفتح الباب للحرب العسكرية وصولا إلى الربح بما هو نهاية الأرب.

بناء على بنية الاقتصاد الأمريكي السلاحية وعلى مصالح التحالف الحاكم الاقتصادية، وإلى جانب الأزمة الممتدة منذ سبعينات القرن الماضي والمشتدة منذ 2008، يكون من الطبيعي ان تذهب هذه الدولة باتجاه تفجير حروب على اوسع نطاق ممكن لترويج منتجاتها السلاحية من جهة والسيطرة على مناطق آمنة بقواتها او قوات حلفائها وادواتها لجعل بلدانهم مناطق سوق آمنة لها من جهة ثانية. بهذا يمكننا فهم مضمون الفوضى الخلاقة التي خصصتها الولايات المتحدة كبداية للوطن العربي.

لا نريد هنا قراءة ما يسمى الربيع العربي، ولكن الإشارة إلى الوجه الإرهابي فيه.

إن نشر وتجنيد مئات آلاف الإرهابيين في الوطن العربي من قوى الدين السياسي من العراق لسوريا للبنان لمصر للجزائر واليمن …الخ، هذا العدد الضخم والمتزايد هو بحد ذاته مشروع اقتصادي هائل سواء من حيث كلف التدريب والتجنيد والخدمات اللوجستية والأسلحة من المسدس إلى الدبابة وراجمات الصواريخ…الخ.

وفي المقلب الآخر، فإن الدول المبتلاة بهذا الإرهاب هي نفسها مضطرة لشراء السلاح وفي احيان كثيرة من الولايات المتحدة كالعراق ومصر واليمن التي تحولت من السلاح الشرقي إلى الغربي.

كما ان الدول المجاورة للدول المبتلاة بالإرهاب هي ايضا مضطرة لشراء السلاح والكثير منه امريكي. هذا إضافة إلى الأسلحة والذخائر وكلفة تشغيل الطائرات  التي تستخدم في مسرحية مقاتلة المنظمات الإرهابية سواء بشكل (نسبي ومؤقت وتأديبي)  او بالتلاعب لإدامة الصراع هي جميعها تصب في تنشيط السوق السلاحي الأمريكي لأن الولايات المتحدة بهذا الدور هي شرطي مدفوعة تكاليفه.

حسب الكاتب البريطانى روبرت فيسك (الإندبندنت البريطانية 22 اكتوبر 2014) فإن السفن الحربية الأميركية أطلقت صواريخ توما هوك تقدر بـ 65.8 مليوندولار يوميا فى حربها على تنظيم داعش بسوريا والعراق.

وقال إن أسعار الأسهم ترتفع فى أمريكا للشركات التى قامت بإنتاج قنابل وصواريخ التحالف والطائرات بدون طيار، والطائرات المشاركة فى هذه الحرب، وهىالأحدث.

ارتفعت أسهم شركة لوكيهد مارتن الأمريكية، المصنعة لصواريخ هيلفاير، 9.3% فى الأشهر الثلاثة الماضية، بينما شركة رايثيون التى لديها ذراع إسرائيلى كبير،قد ارتفعت أسهمها 3.9% وكذلك ارتفعت أسهم شركة نورثوب جرومان فوق 3.8%، وارتفعت أسهم شرطة جنرال ديناميكس 4.3%.

وتصنع شركة لوكيهد مارتن الصواريخ التى تحملها طائرات رايبر بدون طيار، والتى اشتهرت بتدمير حفلات الزفاف فى أفغانستان وباكستان، وتحملها أيضاالطائرات العراقية.

ويتابع فيسك قائلا، إنه عندما قرر الأمريكيون مد القصف الجوى إلى سوريا فى سبتمبر، حصلت شركة رايثون على 251 مليون دولار مقابل عقد لإمداد البحريةالأمريكية بمزيد من صواريخ تومهوك كروز.

ويمضى الكاتب قائلا، إنه بعيدا عن التكلفة السياسية للحرب، فإن كل عضو يخسره داعش، يوفر بدلا منه ثلاثة أو أربعة، ولو كان داعش هو الشر المروع الذى يمثلنهاية العالم كما قيل لنا، فإن كل زيادة فى أرباح شركات السلاح الأمريكية تخلق المزيد من مقاتلى داعش”

ربما يكفي هذا التوثيق لتبيان العلاقة الحميمة بين الشركة والدولة. ايهما في خدمة الآخر؟ إنها الدولة لا شك.

وهنا يبقى السؤال الكبير المعلق هو: هل ستتمكن الإمبريالة الأمريكية من مواصلة السيطرة بآليات السلاح؟ لهذا حديث آخر.