دكتاتوريّة الطائف !

ثريا عاصي

«الإنتخاب يوم السقيفة : فقد كان تنازعا تمده العصبية بأسبابها، وأي واقف على الخبر لا يخفى عليه جانب العصبية في هذا النزاع» (الشيخ عبد الله العلايلي : مقدمات لفهم التاريخ العربي).
إرتجعتْ أمامي سياسة قطع الأعناق التي تمارسها جماعات إسلامية إرهابية في عرسال وغيرها، ما حفظته عن المنازعات على السلطة، على الخلافة والإمارة، التي جعلت التاريخ السياسي الإسلامي تاريخ عراك دائم ودام.
ليس أمراً عاديا أن تـَعيشَ في بلاد، تـُكرر فيها جماعات إسلامية إرهابية أعمالا إجرامية تتمثل بإلقاء القبض على رهائن ثم تقوم بإعدامها ذبحا، ابتزازا، رهينة بعد أخرى، أمام عدسات التصوير، فترى الأم رأس إبنها مقطوعا ويرى الصبي رأس أبيه بين يدي سفاح يكبّر ويهلل. تتساءل ماذا يعني لبنان الذي تعبث فيه جماعات الإسلام السياسي، بأرواح الناس وبمصير العائلات، دون رأفة أو ذرة من إيمان. إنها شريعة الغاب !
توصلك مداورة ذلك في الذهن إلى خلاصة تفيد بأن لبنان يوجد تحت سلطة ديكتاتورية تأسست في 30 أيلول 1989، في يوم الطائف. تخيل أن جميع أعضاء المجلس النيابي اللبناني إنتقلوا في هذا اليوم المشهود إلى مدينة الطائف في بلاد الحجاز ونجد. نتج عنه كالعادة في التاريخ السياسي العربي، إتفاقية.. سميت بالمناسبة إتفاقية الطائف التي أسست في لبنان لديكتاتورية «رئيس الوزراء »!
أكتفي بهذا الإستطراد لأذكْر بالفترة التي إستمر أثناءها رئيس الوزراء في الحكم، بشكل منفرد إلى حد ما، رغم إستقالة عدد من وزرائه في سنة 2006، حيث قاطع رئيسَ الجمهورية اميل لحود، وإتخذ عددا كبيرا من القرارات والإجراءات طالت المجال الأمني على وجه الخصوص. من المعروف أن تمادي رئيس الوزراء وطغمة مقربة منه، أدى إلى أحداث 7 أيار 2008 التي كانت بمثابة التحذير من الحاكمِ في لبنان، إذا طغى وتجبّر. ولكن يبدو أن جهل السعوديين والقطريين يمنعهم من فهم الأوضاع في لبنان. لذا نلاحظ أنهم يعاودون كمثل المقامرين الذين تهمهم المقامرة ولا يخافون الخسارة.
إليك مثل السياسة البدائية، التي تسير عليها الحكومة اللبنانية الحالية، وهي من ثمار إتفاقية الطائف. ليس من حاجة للإشارة إلى العلاقة الوثيقة التي تربط بينها وبين السعودية. علما أن هذه الأخيرة تعتبر حزب الله إرهابيا. نحن لا نعرف ما هي حيثيات هذا الحكم السعودي. ما نعرفه ان الحزب ممثل في الحكومة وأن السعوديين توكلوا أو بالأحرى أوكلوا إلى الشيخ سعد الحريري، المقيم في باريس او الرياض، مهمة شراء سلاح للجيش اللبناني من الحكومة الفرنسية، من أجل محاربة الإرهاب. يجدر التذكير هنا بسياسة الحكومة الفرنسية في المنطقة التي تكاد تكون مطابقة للسياسة التي يرسمها المستعمرون الإسرائيليون.
أما في موضوع الإرهاب فان الناطقين باسم تيار المستقبل، الذي يتزعمه الحريري نفسه، لا يفوتون فرصة دون أن يرددوا لازمة تمجها الأسماع عن المساواة في نظرهم بين حزب الله من جهة وبين «داعش» وجبهة النصرة من جهة ثانية. هم لا يعترفون كما يبدو بجميل الذين حرروا الشريط الحدودي من إحتلال الإسرائيليين!
الغريب أن حزب الله، صامت. كأنه جزء من التناقضات التي تطفو على سطح المستنقع اللبناني. بل من المرجح أنه يتبع خطة دفاعية، بمعنى أنه يدافع عن مواقعه. بالضد من سلوك جماعات «داعش» و«جبهة النصرة»، الهجومي. حزب الله صامت حيال التصريحات العدائية التي تتناوله من جانب أفرقاء لبنانيين، وأجانب لهم حضور على الساحة اللبنانية، في مقدمتهم السعوديون والقطريون.
بالإضافة إلى ذلك أغلب الظن ان الجيش اللبناني مقيّد، او ممنوع عن التحرك إنقاذا لعناصره المحتجزين في عرسال وجرودها الذين يقتلون ذبحا الواحد تلو الآخر. هل أن المبرر هو إنتظار السلاح الذي سيأتي من حكومة هولاند، أم هو إنتظار العثور في صفوف الجيش على رئيس توافقي!
مهما يكن انه لمن البديهي أن «داعش» و«جبهة النصرة» هما من العوامل المؤثرة في لبنان، إستنادا إلى أن خصوم حزب الله يستخدمون وجود هذه الجماعات كورقة ضغط في إدارة الأزمة اللبنانية، إلى حد ان البعض لا يتوقف عن المطالبة بالمقايضة، مقايضة الإرهابيين الإسلاميين الذين حوكموا وأدينوا يجرائم إرهابية، بالعسكريين المخطوفين. نعم هذا يحدث في لبنان الذي ينتظر سعد الحريري ليشتري له سلاحا فرنسيا بأموال سعودية، لمحاربة الإرهاب. لا حل إلا بالمقايضة. الدولة لا تسيطر على سجن رومية، يقول أحدهم. رحم الله الذي قال أن قوة لبنان في ضعفه.
وماذا بعد المقايضة، أو بتعبير آخر، لماذا دخل الإرهابيون إلى لبنان بسيارات ملغمة، وبحقائب الدولارات، واختبأوا في مخيمات اللاجئيين الفلسطينيين، وفي فنادق بيروت ؟ الإجابة لدى حلفاء الأميركية كوندوليزا رايس أثناء حرب تموز 2006، رد فعل على ذهاب حزب الله إلى سوريا التي تتعرض لحرب عدوانية!
لكن التسليم بأن الدفاع عن سوريا ضد العدوان التركي والأطلسي والرجعي العربي، صار محرّما، لا يعفي من السؤال، لماذا التجييش والتحريض المذهبيان؟ قبل الأزمة السورية، وقبل ذهاب مقاتلي حزب الله إلى سوريا تلبية لواجب نصرة من نصرهم على المستعمرين الإسرائيليين، كيف نفهم المواجهات الدامية التي وقعت في جرود الضنية سنة 2000، وفي مخيم اللاجئيين الفلسطينيين في نهر البارد، وفي داخل مخيم اللاجئيين الفلسطينيين في عين الحلوة وفي محيطه. ألا يعني هذا أنه توجد أطراف سياسية إسلامية سنية، تريد فرض معادلة تقوم على مقايضة جماعات إرهابية سنية، «قاعدة»، «داعش»، «نصرة»، «فتح الإسلام»… بمقاومة شيعية تصدت للاحتلال الإسرائيلي في لبنان، بمساعدة سوريا وإيران ؟ إنهم يريدون فرض صراع نهائي يسفرعن فناء الطرفين، بين المقاومة من جهة و«القاعدة» و«داعش» وأخواتها من جهة ثانية.
مجمل القول اننا حيال فاجعة عنوانها «داعش ضد مقاومة المستعمرين الإسرائيليين»، ُمختصرُها أن المستعمرين الإسرائيليين لا يرضيهم أن يكون في حيازة حزب الله سلاح يستطيع بواسطته ضرب المستعمرات والمدن في فلسطين المحتلة، فيعطل ذلك فعالية الطيران الحربي الإسرائيلي ويبدل قواعد المواجهة.

:::::

“الديار”