لم يخترعوا البارود !..

ثريا عاصي

من البديهي أن للمستعمرين الإسرائيليين وللأمبرياليين الأميركيين دورا كبيرا في الأزمات التي تهز المجتمعات وتزعزع كيانات الدولة في بلاد المشرق العربي وفي البلاد المغاربية أيضا . بتعبير أدق وأوضح يمكننا القول أن لا سبيل إلى الخروج من هذه الأزمات ما لم نتوصل إلى إكتشاف النهج الذي يتوجب سلوكه نحو حل القضية الفلسطينية . الذي لا يتأتى إلا بمواصلة وتصعيد النضال ضد الإستعمار. «إذا مات الإستعمار، لم يعد يوجد مستعمَرٌ ومستعمِرٌ» (فرانز فانون: الثورة الجزائرية في عامها الخامس) .
لنتخيل أن اللبنانيين جميعا هم لبنانيون ينتمون على درجة واحدة إلى مجتمع وطني . بمعنى أنهم سواسية أمام القانون ولهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات . هل كانوا إنقسموا عموديا، طائفيا، ثم إحتربوا في نيسان 1975 ؟ هل كانوا إتخذوا مواقف متباينة من المستعمرين الإسرائيليين أثناء غزوهم وإحتلالهم لبلادهم؟ أم أنهم كانوا أجلوا منازعاتهم الداخلية، على إفتراض أنها كانت داخلية خالصة، وتكتلوا ضد الغزاة ؟
من هم الذين أضرموا شرارة الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975 ؟ لماذا تناسى متزعمو الأطراف اللبنانية المتناحرة في حزيران 1982، بعضهم البعض، فتصرف كل منهم تجاه المستعمرين الإسرائيليين كما لو كان الآمر الناهي والوحيد في بلاد الأرز ؟
من البديهي أنه نتج عن الحروب التي تتابعت منذ 1975، متغيرات ومتبدلات لا يمكن إغفالها في البحث عن أصل العوامل التي ما تزال تتفاعل في المكونات اللبنانية. إن الذين تعرضوا للعدوان وخاضوا حربا تحريرية ضد الإحتلال، يختلفون بالقطع عن الذين تفرّجوا على جحافل الغزاة وتباحثوا مع قادة المستعمرين المحتلين وتعاونوا معهم.
ليست المسألة في لبنان هل ان حزب الله إرهابي أم لا، أو هل أن الحوار مع هذا الحزب جائز ام ممنوع ؟ إنما الإشكال في أن المستعمرين الإسرائيليين إحتلوا أجزاء من التراب الوطني . يستتبع ذلك أنه توجب على جميع اللبنانيين أن يشاركوا في حرب تحرير وطني . هذا لم يحدث . لم يفعلوا . وحده حزب الله الذي نهض في سنة 1983، أي أثناء الإحتلال، نظم حراكا جماهيريا إندفع إلى مقاتلة المحتل حتى أجبره على الإنسحاب . عندما ينعت الأعداء المقاومة بالإرهاب، لا يخترعون البارود!
تأسيسا عليه، تبدل المقاومة ُ المقاومين . بتعبير آخر صار الناس بعد التحرير غير الناس قبل الإحتلال . هذا معطى لا يريد الذين لم يقاوموا أخذه بالحسبان . بل هو يغيظهم لأنه ينتقص ضمنيا من السلطة التي كانت لهم، قبل حرب التحرير. ولكن ما لا يدركه هؤلاء المغتاظون هو أنه لا عودة إلى ما كان قبل التحرير. وما لا يدركونه أيضا هو أن المحافظة على ما تحقق من إنجازات يتطلب الإستمرار في سيرورة نضالية حتى يموت الإستعمار ولا يبقى مستعمـِرٌ ومستعمَرٌ.
غني عن البيان أن المقاومين اللبنانيين لم يكونوا وحيدين في كفاحهم المستعمرين الإسرائيليين. لعل الدليل على ذلك أن الأخيرين بادروا إلى إغراق الشعوب التي وقفت إلى جانب المقاومة اللبنانية والتي لها مصلحة في هزيمة الإستعمار، في بحر من الدماء باسم شعارات دينية وثورية مزورة.