الديموقراطيات التابعة والسيطرة على النساء:

اﻷردن وفلسطين نموذجاً

أشجان عجور*

لولا ثورات النساء، لما تحرر العبيد
(نوال السعداوي)

ما جرى أخيراً مع النائبة هند الفايز تحت قبة مجلس النواب الأردني، وما جرى في برنامج على الهواء مباشرة حول تعيين الوزيرة خولة الشخشير في ما تسمى «حكومة الوفاق الوطني» في السلطة الفلسطينية؛ يصوران لنا الاستهزاء بوجود النساء ومكانتهنّ في الديموقراطيات العرجاء التي تُمارس في البلدان العربية، القائمة على عقلية ذكورية وموروث ثقافي غير مؤهل لممارستها. وهو موروث عميق في ثقافتنا مولد لعنف الأنظمة العربية واستبدادها، ولكنه تشابك مع الهيمنة الاستعمارية وعنف الحداثة المدمر لأي هوية وطنية مقاومة.

وسيبقى هذا الموروث طالما لم يتحرر المجتمع العربي من الاستهلاك والتبعية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمنظومة الرأسمالية. ولا يعني هذا أن التنمية الاقتصادية والاستقلال الوطني يضمنان تحرر المرأة. وهذا يطرح السؤال: هل هناك ممارسة ديموقراطية لسلطات بطركية تابعة للهيمنة الاستعمارية بلا سيادة وتفقد المكونات الذاتية الاقتصادية والسياسية للتحرر، أي في بلد يعاني درجة عالية من عدم الاكتفاء الذاتي، ودرجة عالية من ضعف الإنتاج؟ وهل هناك احترام لمكانة النساء وحقوقهنّ في ظل ديموقراطيات ذكورية تلعب دور الوسيط للرأسمالية العالمية؟ هذه الذكورة المضطَهَدة من النظام الرأسمالي، هي مضطَهِدة في العلاقات البطركية الداخلية. والسؤال أيضاً: طالما أن ما يحدث من إهانة وتهميش وعدم احترام لوجود النساء هو في أعلى مراكز الدولة، أي مكان التشريع والحكومة، (كوزيرة ونائبة برلمان)؛ فما هي الحال في البيت والمؤسسة والعمل والمجتمع بشكل عام؟ النساء يحتجن إلى أن يصرخن ألف صرخة مثل صرخة هند في وجوه هؤلاء الفحول من العبيد.
مؤسسات الدولة هذه في «ديموقراطيات» الوطن العربي متمفصلة من مبنى المجتمع العربي بنخبه الأبوية القائمة على العشيرة والقبيلة. وفي اللحظة الاستعمارية، اشتغل الاستعمار ليبني تحالفات مع هذه النخب على أساس ديني وطائفي لضرب الهوية الوطنية. في حالة الأردن، فهذه البنى الديموقراطية متراكبة على عقلية بدوية رجعية ما قبل رأسمالية، من حيث مصدر عيشها، قائمة على القانون العشائري وملتصقة بالبنى الاستعمارية، حيث يرى جوزيف مسعد أن تشكيل الهوية الأردنية منذ تأسيس الكيان الأردني (إمارة شرق الأردن) وطيد الصلة بالاستعمار البريطاني الذي صنع الهوية الوطنية، حيث اعتمدوا المؤسسات التقليدية المفروضة من قبل الاستعمار البريطاني بدلاً من تقاليد القبائل. كما يجادل مسعد بأن إنتاج هذه الثقافة والهوية الوطنية اللصيقة بالسياق الاستعماري صار يُنظر إليها نظرة جوهرانية، وكأنها قديمة وتقليدية وتمثل العمق التاريخي والتراثي للبلد. لذا، فإن البلدان العربية كالخليجية والأردن وبعض دول شمال أفريقيا، أُقيمت من أجل دورها الذي حدده الاستعمار، وليس لوجود مقومات ذاتية فيها، وهذا جوهر مشروع تجزئة الوطن العربي.
بالنسبة للحالة الفلسطينية، فإن السلطة الوطنية الفلسطينية جاءت من خلال مشروع تسوية مع الاستعمار، عندما تصالحت قيادة منظمة التحرير مع إسرائيل، حين عجزت عن إنجاز مشروع التحرر، فلجأت إلى اتفاق أوسلو، الذي هو تكريس للمشروع الاستعماري في المنطقة. وبالتالي، فهذه الديموقراطية ممنوحة من استعمار استيطاني اقتلاعي كامتداد للاستعمار الرأسمالي. وإلا، فما هي الديموقراطية في بلد بلا سيادة، ودولة بلا أرض، واقتصاد بلا مكونات ذاتية؟
في هذا الصدد أيضاً، يرى جوزيف مسعد أن عملية أوسلو تخدم المصالح الإسرائيلية والأميركية، بالإضافة إلى مصالح النخبة الفلسطينية السياسية كطبقات منتفعة. وفي الوقت الذي تخوض فيه الطبقات المنتفعة في السلطة الفلسطينية معركة الإبقاء على عملية أوسلو، لم يتوقف الطرف الإسرائيلي ليثبت أن العملية انتهت، فبالنسبة لإسرائيل، ليست أوسلو سوى خطوة ضرورية، الهدف منها اختيار قيادة فلسطينية، وإحكام السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وتطبيع وضع إسرائيل في الدول العربية وعلى الصعيد العالمي.
ولأن تشكيلة كلتا الحالتين هكذا، أي تتغاضيان عن المسألة الوطنية بسبب وجودهما وارتباطهما البنيوي مع الاستعمار، فكيف ستكون الحال مع المسألة النسوية؟
إن تحالفاً كهذا يتكون من قوى المركز الرأسمالي الغربي المتقاطعة مع الاستعمار الاستيطاني، لن يكون معنيّاً بتحرر المرأة، ومن الطبيعي ألا يكون هناك احترام لحق المرأة في بنية تفرط بالحق الوطني. إن هذه التشكيلة الذكورية الرأسمالية لن تتقبل الاعتراف بالمرأة، ولن تطيق دورها، بل إن إمساكها بقضية المرأة يؤدي إلى كارثة في مكانة دونية تظل فيها المرأة مجرد إلحاق وتهميش، وهذا ما شهدناه في حالة كل من النائبة هند من الأردن، والوزيرة خولة من فلسطين.

الحالة الأردنية: ثورة هند

المشادة الكلامية بين النائب يحيى السعود والنائبة هند الفايز حين صرخ «اقعدي يا هند»، وهي تصرخ في وجوه رجال البرلمان، وأنهاها السعود بالدعاء على من استحدث نظام الكوتا في قانون الانتخاب الأردني: «الله ينتقم من اللي جاب الكوتا النسائية على مجلس النواب»، وردت عليه الفايز قائلة: «الكوتا أفضل من البسطات»؛ هذه المشادة جاءت على هامش ما شهدته جلسة لمجلس النواب الأردني، وانطلقت من وقفة هند ضد صفقة الغاز مع الكيان الصهيوني، ومن ثم انتقلت إلى أمور أخرى وصلت إلى شتائم متبادلة بين نواب قوميين وآخرين من التيار الإسلامي، فعبرت هند عن غضبها بالقول: «لا يحق الحديث عن القوميين الذين ملأوا السجون في فترات سابقة جراء نضالاتهم». حينها طلب النائب يحيى السعود الكلام، لكن هند لم تتوقف عن الحديث.
اللافت في ثورة هند ليس فقط موقفها الوطني الرافض لاتفاقية استيراد الغاز من الكيان الصهيوني كتمرد على خدمة المستعمر، ولكن موقفها الجريء كامرأة واجهت الرجال ورفضت دور العبدة التابعة الضعيفة التي لا تجرؤ أن تنطق بكلام مغاير لآراء الرجال، بل انفجرت وصرخت عالياً في وجوههم، رافضة آراءهم. المقاومة الذاتية الكامنة داخل هند تفجرت؛ لأن الاحترام الذاتي لكرامة الإنسان والانتماء الوطني/ القومي للهوية هو ما يعطي الإنسان القوة لأن تخرج الصرخة. وما هي الثورة سوى صرخة وانفجار؟ هذا ما يذكرنا بالمرأة التي صرخت صرخة مدوية عندما علا عمر المختار مشنوقاً، ووصفها الاستعمار الإيطالي بالمرأة التي كسرت جدار الصمت. حينها، أصدرت قوات الاستعمار الإيطالي أوامر شديدة بتعذيب وضرب كل من يبدي الحزن، ويظهر البكاء عند تنفيذ الحكم، فقد ضرب أحدهم بسبب بكائه عند إعدام عمر المختار. صرخة هذه المرأة هي بذرة المقاومة الثائرة للمرأة. الواقع خلق موقف الإعدام، وفرض موقف الصمت، ولكن قوة المقاومة الكامنة في الداخل تفجرت بالتفاعل مع الحدث والواقع المادي، فكانت جرأة الانفجار والثورة.
صرخة هند في وجوه فحول القبيلة في البرلمان هي صرخة ضد الذكورية والاستعمار معاً، وقد فجرها اضطهادهم وتهميشهم للنساء وتواطؤهم مع الرأسمالية الاستعمارية للحفاظ على أماكنهم ومصالحهم. وكما ثارت هند على الموقف الوطني، ستثور وسترفض عبودية الرجل، فالذكورية والاستعمار هما وجهان لعملة واحدة. لذا كان الاعتراض من النائب السعود الذي لم يستوعب هذه الثورة، لأنها تشكل خطراً على موقعه في المجتمع الأبوي، وعلى موقعه كوسيط وعبد للاستعمار، أي تهدد سلطته كرجل القبيلة، ودوره كوكيل للاستعمار الذي يحمي أساساً عرشه ويدعمه. خطر هذه الثورة ليس أنها تحرر هند، ولكنها ستحرر عبوديته.
اعتراضه عبر لعن من أوصل النساء إلى الكوتا يعكس نظرة عنصرية ذكورية رافضة لوجود النساء في هذا الحيز الذي يراه حكراً على الذكور، لا بل هي أكثر مهانة، وكأنه يتعجب: من أوصل هؤلاء العبيد إلى هذا المكان! وعندما كرر شتيمة الكوتا، أرفقها بحديث نبوي بأن صلاة المرأة في مخدعها خير من صلاتها في المسجد، ما جعل جميع النائبات النساء يغادرن القاعة أثناء كلامه، ليعلق على الأمر: «روحوا تمكيجوا لجوازكو ولقطوا ملوخية أحسنلكو». هنا، هو يبرر كلامه بحديث نبوي في محاولة لاستخدام النصوص الدينية لاستعادة السيطرة، ما يوضح لنا كيف يتم استخدام الدين لتبرير هذه السيطرة. وغالباً ما تقترف أبشع الانتهاكات باسم النصوص المقدسة والشعارات والخطابات الجميلة؛ لأنها تشكل حماية ما. هذا يطرح سؤالاً على ذهنية أعضاء البرلمان الأردني كافة الذين لم يخرجوا من البرلمان، إن لم يكن تضامناً مع النساء اللواتي خرجن، فعلى الأقل لأن النائب لم يعتذر بعدما وجّه شتائم شخصية أسرية للنساء ولأزواجهن.
لو ذهبنا منحى آخر في التحليل حول قوله: «الله ينتقم من اللي جاب الكوتا»، فإن من أحضر هند بالكوتا هي منظومة ليبرالية رأسمالية من حقوق المرأة، وهي نفسها من جاءت به في هذا الكرسي تحت اسم الانتخابات. هذه المنظومة الليبرالية الديموقراطية عند ممارستها في المجتمعات البطركية، ستكون النتيجة ديموقراطيات مشوهة، لأن تجسيدها بالمنطق العشائري يصبح أداة لصالح المنظومة الذكورية، ولأن منطقها الداخلي عشائري جاهل، ولكن تم تغليفها بقناع الليبرالية. لذلك، فإن تطبيق الانتخابات والكوتا، كأداة من أدوات الديموقراطية الليبرالية، حتى لو كانت أداة لتحرير النساء؛ يغذي البطركية ويضطهد النساء أكثر مما يحررهن. وما يزيد الأمر سوءاً هو أن تطبيق الكوتا لبلد كالأردن أو السلطة الفلسطينية لا يخرج عن كونه محاولات الظهور بأن هذه الأنظمة تطبق ما يتبناه الغرب الرأسمالي، كي تبدو أنظمة حضارية، وما أكثر المعاهدات التي وقعت عليها هذه الأنظمة وبقي الأمر مجرد توقيعات، وحبراً على ورق.

الحالة الفلسطينية: الوزيرة الشخشير ومكانة المرأة في سلطة تحت الاحتلال

بالنسبة للحالة الثانية، وهي المشادة التي جرت على الهواء مباشرة في برنامج تلفزيوني بين رامي الحمد الله رئيس الوزراء، وعزام الأحمد، رئيس كتلة فتح البرلمانية، حول تعيين خولة الشخشير وزيرة للتربية والتعليم، كان فيه الأحمد ضيف اللقاء، فباغته المذيع بسؤاله: على أي أساس تعين شقيقة زوجتك وزيرة للتربية والتعليم في حكومة الوفاق؟ وكانت إجابة الأحمد أن رئيس الوزراء رامي الحمد الله طلبها بالاسم، وهو من اقترح اسمها، لكن الحمد الله اتصل هاتفيّاً بعد دقائق ينفي ما جاء على لسان الأحمد قائلاً: «أنت الذي أتيت بالأسماء ومن ضمنها الشخشير، على أنها مقبولة من حركة حماس». وواصل الحمد الله يقول: «جاءني الأخ عزام والأخ ماجد فرج (مدير المخابرات الفلسطينية) وقدما لي قائمة من ضمنها الأخت خولة، وقلت له بالحرف الواحد: «أشفق عليها من هذا المنصب»، وطلبت منه أن يسألها. فعاد في اليوم التالي وقال لي إنها وافقت، وقال لي أيضاً: «هذه حكومة وفاق وطني، وليس عليك إلا أن تقبلها، وأنا قبلتها بالفعل».
إن عملية التلاسن والردح هذه حول المناصب والتعيينات تكشف ما يجري وراء الكواليس في المؤسسة الرسمية الفلسطينية من تقاسم على مزرعة الوطن، وهذا يثبت مقولة جوزيف مسعد التي أشرت لها في بداية المقال أن هذه السلطة هي مشروع استثماري لمجموعة من المنتفعين، ولا تحمل أي أفق أو برنامج وطني. ويمكن الإضافة إلى ذلك أن وجود هذه السلطة هو ما يشكل عائقاً أمام أي مشروع شعبي ثوري.
وعلى صعيد مكانة المرأة في مشروع أوسلو، فإن تنصل رئيس الوزراء من المسؤولية عن تعيين الوزيرة، هو تلميح إلى أن تعيينها جاء بسبب علاقة قرابة مع الأحمد، ويصور لنا أن النساء هن منتفعات من هذا المشروع، إلا أن هذا الوجود المنتفع يسيء لهن ويضطهدهن أكثر مما ينفعهن. إن هذا الموقف الذي وضعت الوزيرة فيه مسيء، يظهر لنا أن النساء في هذه السلطة تحولن إلى أداة بأيدي الرجال.
بكلمات أخرى، حتى لو كان هناك دور للمرأة في هيكلية السلطة والمجلس التشريعي، فإن هذا الدور ظل مكبوحاً لصالح الدور الذكوري الذي يحكم المؤسسات والجماعات. ومقارنة بمكانة المرأة ودورها في المقاومة والمشروع الوطني قبل مشروع أوسلو، فإن السلطة لم تعطِها دوراً كما أعطتها المقاومة، حيث ظل دورها بعيداً عن أية مناكفات ترسمها لها السلطة. ورغم الانتقادات النسوية لذكورية الأحزاب في المشروع القومي، إلا أن ما بعد أوسلو لم يكن أفضل، وخاصة في ظل أجندات كانت تحاول سلخ المرأة عن همها السياسي الأساسي بالتحرر من الاستعمار الذي يحظى بأولوية في حالة استعمارية. وكان هذا النقد للدور الوطني هو بحجة ألا يتم إلحاق المرأة بالرجل في النضال القومي، وتحذير من السقوط في البطركية الثورية. ولكن يمكن القول إن النضالات القومية، على أهميتها وأساسيتها، لا تنفي الفكرة النسوية، وخاصة أن من الصعب فصل المعركة من أجل مساواة وحرية المرأة عن المعركة ضد الهيمنة والاستعمار. لذا، وكما نرى من هذا الموقف، فوجود المرأة في السلطة لم يكن أكثر تحرراً! وكون النساء يقبلن بأن يكنّ في هذه البنية الذكورية الوسيطة للاستعمار، فذلك لعدم وجود مشروع ثوري تحرري، حيث يبقى انتفاعهن من هذه المكانة نوعاً من التواطؤ.
من الجدير بالذكر أن الوزيرة الشخشير تعرضت للانتقاد لأنها لبست الحجاب عندما ذهبت إلى غزة، ما يعبر عن تواطؤ مع بنية الحكم الدينية في غزة، حيث أشارت هذه الانتقادات إلى أنها كوزيرة للتعليم يجب أن تكون مثالاً للرفض والثورة، وليس للتواطؤ، وخاصة أن التعليم في سياق استعماري يحتاج إلى ثورة ضد الاستعمار والبطركية.

ما بين ثورة هند وموقف الشخشير هو استحقاق الوجود

رغم أن هند الفايز جاءت بالانتخابات والكوتا، والشخشير جاءت بالتعيين، كونها من أقارب من هم بالسلطة، كما لمح رئيس الوزراء، إلا أن المشترك هو أن كليهما عُينت من قبل الذكور، وكلاهما تظل أداة في منظومة ذكورية. المقصد هنا هو أن الكوتا في جوهرها تعيين أيضاً من قبل المجتمع الذكوري، لأن تطبيقها في الثقافة البطركية القائمة على العشيرة إشكالي. ثقافة العشيرة والزبائنية أبعد ما تكون عن الديموقراطية، وقد استفاد كثيرون، بحكم العشيرة، وليس فقط نساء، لأن أقرباءهم في السلطة. لذا، فالكوتا والانتخابات مغلفة بقناع الليبرالية كأدوات للديموقراطية وتحرير المرأة، ولكنها لا تساعد ضد بنية ذكورية، لأن هذه الأدوات تعيد إنتاج الاضطهاد وليس التحرر. فالكوتا، رغم أنها نظريّاً أداة مساعدة، فرضت من منظومة رأسمالية ليبرالية لتحرر المرأة. منطق الليبرالية هذا قناع جميل وجوهره متوحش، رغم ادعائه أنه تحرري. لذا، تبقى الكوتا، بالمنطق العشائري، إحدى الأدوات الداعمة للأنظمة الذكورية. هنا، تعيد الذكورية إنتاج نفسها من خلال أدوات ليبرالية جديدة. ولكن، من الضرورة نقد الكوتا نفسها، لأنها تفصل المجتمع على أساس الجنس. وعليه، إذا كان لا بد من ذلك، فإن الكوتا في مولدها الغربي وجذورها الليبرالية لم تعط المرأة حقها وهو 50% من المقاعد.
لذلك، استفادت هند من عشيرتها بالكوتا، والشخشير انتفعت أيضاً لأن لها عشيرة في بنية السلطة، ولكن العبرة كانت في السلوك والفارق في الموقف الذي يثبت الاستحقاق للمكانة، بمعنى أن هند في ثورتها أثبتت وجودها بالندية بمواجهة الذكور، وهنا تجاوزت منطق العشيرة والليبرالية وانتزعت حقها بالوجود. بينما الشخشير بقيت قريبة فلان، والغريب أنها لم تعطِ رأيها في ما تراشقه الإعلام حول تعيينها وموقعها في الوزارة، بعدما أعلن رئيس الوزراء تنصله من مسؤولية تعيينها، وأنها جاءت إلى الوزارة في سياق علاقة قرابة تربطها بالقيادي الأحمد، وخاصة أن هذه الإساءة تستدعي موقفاً. وحتى عندما قررت أن تستقيل، كان هناك ضغط من الذكور عليها لسحب استقالتها. الفرق هنا أن هند تخطت واستحقت وجودها بالمواجهة، والشخشير بقيت قريبة فلان، وأداة تراشق، ولم تأخذ موقفاً لتجاوز المهانة، وهذا ما أنجزته هند.

خاتمة

الطموح الليبرالي الذي يختزل النضال النسوي بالمساواة البائسة والوصول إلى مرتبة الرجل في البرلمان والحكومة لا ينجز تحرراً، ولكنه يعيد إنتاج السيطرة الذكورية. بينما التحرر هو بالموقف الثوري الذي يؤكد الوجود. لا تتحرر المرأة فقط بالموقف الوطني برفض ونقد خدمة المستعمر، فقد يُنقد لصالح خطاب وطني محلي ذكوري. ولا تتحرر المرأة بتحرر الوطن، ولا بالتنمية الاقتصادية، كل هذه تؤول إلى الذكورية في غياب خطاب ومشروع ووعي نسوي ثوري. العبرة في حدود وعي المرأة أن عليها الاحتفاظ بمسافة بينها وبين السلطة القائمة بصفتها ذكورية، سواء سلطة الدولة أو سلطة الحزب السياسي أو سلطة البطركية في العلاقات الاجتماعية، إلى أن تُغير هذه جميعاً وتتخطاها. وصرخة هند الفايز في البرلمان الأردني كانت بداية هذا التخطي.
وبعيداً عن قضية المرأة، فإن هذه المشادات في الديموقراطيات الذكورية التابعة هي دليل على الاشتباك في معارك واشتباكات داخلية لتحقيق انتصارات صغيرة، وهذا ما أشار إليه فرانز فانون بأن المستعمَرين يتشبكون في معارك ذاتية جانبية من أجل عدم مواجهة المعركة الحقيقية، وللشعور بتحقيق نصر ما. لقد قام فانون بتحليل نفسي معمق للمجتمع المهزوم، ووضح لنا كيف ينشغل المستعمرون بالصراعات بينهم. هي حالة بحث المهزوم عن معارك صغيرة لينتصر فيها بسبب رغبة الإنسان بالشعور بالنصر في انتصارات صغيرة ووهمية ليعوض عن الهزيمة الكبرى في المشروع الأكبر وهو المقاومة.
كاتبة فلسطينية

:::::

“الأخبار”