“المصالحة» “!

ثريا عاصي

يمكننا أن ننعت ما يجري على الساحة الوطنية، في لبنان وسوريا وغيرهما من البلدان العربية التي إدعى أمراء الخليج وحكام تركيا أحقيتهم بالوصاية عليها، يمكننا أن ننعت ما يجري في هذه البلاد بالفضائح الأخلاقية . أما الذين إنكشف إنحرافهم وعيوبهم فلقد ظهر للعيان أن سلوكهم يتميز بالوقاحة فضلا عن إنعدام المنطق !
تتساءل وانت تسمع تصريحات بعض أصحاب النفوذ في بلاد الأرز من هم الناس سعداء الحظ، الذين من المفروض أن يتلقوا هذه التصريحات بالقبول وان يتفهموا المواقف المتقلبة التي يعبر عنها زعماء هم في أغلب الظن من الفصيلة الحربائية . ليس من شك في أن اللبنانيين، كمثل غيرهم من الناس في هذا العالم، وفي هذا الزمان تحديدا، لا يأخذون كلام الذين يمتهنون السياسة في بلادهم على محمل الجد. بمعنى أن في لبنان، نخبة تعرف ماذا يعني الإنتماء إلى جماعة وطنية. وبالتالي هي ترفض رفضا قاطعا، نظريا على الأقل، الخطاب نفسه الذي يردده وجهاء العائلات والطوائف منذ الإقتتال الذي وقع في الفترة 1840 ـ 1860 . الغريب في لبنان أن هؤلاء الوجهاء ينتقدون في مجالسهم الأوضاع التي أوصلنا إليها سلوكهم .
تتساءل أيضا عن المنطق، او بالأحرى عن الذهنية التي تجعل زعماء لبنان بوجه خاص، وحكام العرب بوجه عام، يستبدون بالسلطة، كأننا ما نزال في العصور الوسطى، قبل نشوء الدولة . هم يعرفون أن الدولة في لبنان هي مسخرة ومهزأة، وأن قصورهم وما عليهم من أبهة السلاطين تثير الغثيان !.
الناس جميعا، وليس النخبة فقط، يعتقدون أن الزعماء الذين يدينون ليل نهار، تفشي الفساد والرياء ومعاونة المستعمر الغربي والرجعي العربي، سلبوا وجمعوا أموالا طائلة، أودعوها المصارف في الغرب . هم أصل البلاء. لن يبدلوا وليكن من بعدهم الطوفان !.
أما عندما يقع بينهم، أي الزعماء والحكام، خلاف، فإنهم يتصايحون ويتلاعنون ويكشفون مساوئ بعضهم التي لا يجهلها الناس ولكن الكلام فيها يصير مباحا.
يتميز لبنان عن بلدان العرب الأخرى أن الزعماء فيه يتصالحون بعدد المرات التي يختلفون فيها . زعماء لبنان دائمون !.. إذا قتل أحدهم غيلة حل مكانه إبنه !. كان ضرب الأعناق ممنوعا في لبنان . مجمل القول أنك تعرف لماذا يختلف الزعماء، ولكنهم إذا تصالحوا بقيت بنود الإتفاقية مستورة بكلام ممجوج عن المصلحة الوطنية!.
من البديهي في هذا السياق، أن قادة المقاومة اللبنانية التي نهضت في وجه المستعمرين الإسرائيليين عندما إحتلوا سنة 1982 أجزاء من لبنان والعاصمة بيروت، ليسوا كمثل زعماء لبنان أو من فصيلتهم الحربائية كما أسلفنا أعلاه. ينبني عليه أن كل صلح يوقعونه مع أي طرف، سواء كان وطنيا أو أجنبيا، ينعكس سلبا أو إيجابا على الذين إرتبط مصيرهم بمصير المقاومة الوطنية، أي الذين يتضررون بالتراجع أمام العدو الإسرائيلي والإعتراف بوجود دولة للأخير تقوم على الإستعمار الإستيطاني، وتطبق فيها سياسة التمييز العنصري . إن شرعية المقاومة اللبنانية لا ترتكز على تسوية طائفية أو مذهبية، بينها وبين خصومها الطائفيين والمذهبيين، بل تتجسد بخروجها من قوقعة المذهبية والطائفية إلى المجال الوطني والقومي .
ليست المقاومة ضد الإحتلال مشروع تحرير وحسب وإنما هي مشروع بناء وطن أيضا يكون عصيا على الإحتلال .

::::

“الديار”