تونس: انتخابات 2014 بين المال الفاسد والإنتكاسة السياسية

الطاهر المعز

تعتبر الإنتخابات جزءا من منظومة “الديمقراطية البرجوازية” و”التداول السلمي والديمقراطي على السلطة” باسم “حرية اختيار ممثلي الشعب”، لكن هذه الحرية نسبية، يتحكم في دواليبها المال وأجهزة الإعلام (التي يمتلكها رأس المال) وأجهزة الدولة التي تشرف على العملية الإنتخابية، (الهيئة العليا للإنتخابات في حالة تونس)، إضافة إلى القوى الإمبريالية الأمريكية والأوروبية التي مولت المسار الإنتخابي في تونس وفرضت أول حكومة انتقالية (حكومة الغنوشي التي شكلها جيفري فلتمان) كما فرضت حكومة “الكفاءات التكنوقراطية” التي يترأسها المهدي جمعة، ممثل شركة “توتال” وتظم عددا من الوزراء الذين يحملون جنسياتها (ألمانيا، فرنسا، أمريكا…) ويمثلون مصالح شركات ودول أجنبية والمطبعين مع الكيان الصهيوني، واتهم أحد النواب زملاءه في المجلس التأسيسي ببيع تزكياتهم إلى رجال أعمال غير معروفين في المجال السياسي وأعلن ناخبون عديدون أنه تم تزوير توقيعاتهم لأغراض انتخابية، واتهم رئيس “الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات” ما لا يقل عن أربعة مترشحين للرئاسة بالغش والتزوير، وباسم الديمقراطية ترشح وزراء سابقون ساهموا في استغلال واضطهاد أبناء الشعب، دون محاسبة أو حتى مجرد اعتذار.

يعتبر عديد المواطنين، ومنهم من عانوا من القمع والإضطهاد خلال حكم الرئيسين بورقيبة وبن علي، عودة رموز النظام السابق للمشهد السياسي، وفوز التيار الذي ينتمون إليه باغلبية المقاعد البرلمانية وبرئاسة الجمهورية، انتكاسة كبرى للمسار الثوري في تونس الذي انطلق في 17 كانون الأول ديسمبر 2010 (وربما في كانون الثاني/يناير 2008 في الحوض المنجمي بالجنوب الغربي)، في حين لا يزال ذوو الشهداء والجرحى والمعوقين يطالبون بمحاكمة ومحاسبة الجلادين والقتلة، ولا زال شباب قفصة وسيدي بوزيد وسليانة والقصرين وبنقردان وغيرهم من الفقراء يطالبون بتحقيق العدالة الإجتماعية وجملة المطالب التي رفعها المواطنون قبل وأثناء الإنتفاضة…

يمنح الدستور الذي صادق عليه المجلس التأسيسي في 26 يناير/كانون الثاني 2014- سلطات كبيرة للبرلمان ولرئيس الحكومة، مقابل صلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية، وتنافست 1327 قائمة للفوز ب217 مقعد في البرلمان، واتسمت الحملة الانتخابية بإطلاق الوعود الخيالية والكاذبة، وانتشرت أخبار الغش وشراء الذمم وتزوير التفويضات الرسمية، وأعلن معظم المرشحين أنهم سيركزون على “النهوض باقتصاد البلاد المتعثر منذ ثورة 2011، ومكافحة الإرهاب”، وفاز بأغلبية المقاعد (أغلبية نسبية وليست مطلقة) حزب “نداء تونس” الذي أسسه في 2012 رئيس الحكومة الأسبق، والرئيس الحالي الباجي قائد السبسي، وهو الوريث الشرعي للحكم الذي أطاحت به انتفاضة 17 كانون الثاني/ديسمبر 2010 – 14 كانون الثاني/يناير 2011 وتلاه شريكه في الحكم”حزب حركة النهضة” (فرع الإخوان المسلمين في تونس)، وكان السبسي قد ترأس الحكومة خلال المرحلة الانتقالية الأولى التي أعقبت الإنتفاضة، من آذار/مارس 2011 إلى أواخر 2011 وانتهت بتنظيم انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي حصلت فيها”النهضة” على أغلبية نسبية

شارك في الدورة الأولى للإنتخابات الرئاسية (23/11/2014) 27 مرشحا بينهم امرأة واحدة، وبلغ عدد التونسيين المسجلين على قوائم الاقتراع 5,236 مليون مواطن من إجمالي حوالي 8,4 مليون مواطن لهم حق الإقتراع (تتراوح الأرقام المعلنة بين 8,3 و8,5 مليون مواطن) ولم تتعد نسبة المشاركة ثلث هؤلاء، إذ اتسمت ردة فعل عدد هام من المواطنين بالإهمال واللامبالاة بسبب السطو على ثورتهم، وبسبب انتشار الفساد وشراء الذمم وتدهور الوضع الإقتصادي وبروز مشاكل جديدة مثل الإرهاب وغياب التباين بين مختلف الأحزاب بخصوص التبعية للامبريالية الأمريكية والأوروبية أو لأذنابها مثل تركيا وقطر، وعاد رموز نظام بورقيبة وبن علي إلى الواجهة، ما ينذر بانتكاسة قد تكون خطرا على المكاسب القليلة التي تحققت، في ظل الانتقال الديمقراطي، وعودة الوجوه القديمة وهيمنة الحزب الواحد على الدولة (وكانت النهضة قد مارست ذلك أيضا)، ودعا الحزبان الرجعيان (النهضة ونداء تونس) خلال لقاءاتهما العديدة في تونس وفرنسا والجزائر، إلى “تهدئة الوضع المتفجر” ودعت بعض قيادات “نداء تونس” (لزهر العكرمي على سبيل المثال) “إلى عدم تقسيم التونسيين وإقصاء جزء كبير منهم من بناء وطنهم” معترفين بان “الثوار الحقيقيين الذين أطاحوا بالنظام السابق هم فئات مهمشة في المناطق الفقيرة وشباب معطل عن العمل” (عن أ.ف.ب 04/10/2014 )

عودة سريعة لرجال بورقيبة وبن علي:

يبدو ان الناخبين التونسيين يتميزون بالكسل المبالغ فيه لأن عددهم يكون ضعيفا جدا خلال الفترة الصباحية، ثم يرتفع العدد بسرعة غريبة وبقدرة قادر في الفترة المسائية، للمرة الثالثة أو الرابعة على التوالي، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مصداقية البيانات الرسمية بخصوص نسبة المشاركة، وربما حول العملية الإنتخابية في مجملها، ومهما يكن من أمر فقد أعلنت الهيئات الرسمية احتساب 3,110 ملايين صوت (إضافة إلى 80 ألف ورقة ملغاة أو بيضاء) في الدور الثاني للإنتخابات الرئاسية يوم21/12/2014  من إجمالي 5,3 مليون ناخب مسجل (أي عزوف 2,2 مليون مسجل عن الإقتراع أو 40%  من المسجلين) ومنإجمالي 8,4 مليون مواطن يحق لهم الإنتخاب)، وفاز الباجي قائد السبسي بنسبة 55,68% من الأصوات أو1,73 مليون صوت)على منافسه محمد المنصف المرزوقي  44,32%  أو 1,37 مليون صوت)، ويمكن استخلاص بعض الإستنتاجات الأساسية من الإنتخابات والمحيط الذي جرت فيه

–  تميزت هذه الإنتخابات بعزوف فئة الشباب وسكان المناطق الفقيرة عن المشاركة وفي مقدمتها ولاية “سيدي بوزيد” التي انطلقت منها المظاهرات التي أدت إلى الإطاحة برأس نظام “بن علي”

–  لم تتجاوز نسبة المشاركة ثلث من يحق لهم الإقتراع، رغم التلاعب بالأرقام والنسب

–  ساهم المتنافسان في تحويل التناقض الحقيقي بين الأثرياء والفقراء، إلى صراع افتراضي بين مناطق البلاد أو بين فئات من نفس الطبقات الإجتماعية

–  عاد رموز النظام الذين ثار ضدهم الشعب إلى الواجهة باسم الديمقراطية وباسم الحرية التي حرموا منها الشعب طيلة عقود، وذلك بسبب عدم القطع مع أساليب الماضي وعدم إرساء قواعد العدالة الإنتقالية، كما اجتاح رجال الأعمال قوائم الإنتخابات التشريعية والرئاسية، ويملك بعضهم وسائل إعلام وقنوات تلفزيون ونوادي رياضة، قبل أن يؤسسوا أحزابا ناطقة باسمهم

–  تدخلت السفارات الأجنبية وممثلو الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مباشرة في العملية الإنتخابية سواء بواسطة المنظمات غير الحكومية أو المال أو بواسطة من يحملون جنسيات أجنبية

–  ساهم القضاء (العسكري بالأخص) في إشاعة الشك والريبة بخصوص العدالة الإنتقالية وإمكانية معاقبة المسؤولين عن قتل الأبرياء، بعد تبرئة القناصة ومسؤولي وزارة الداخلية والجيش من دم الفقراء وأبناء الشعب

– تميزت الدعاية الإنتخابية بهبوط مستوى النقاش حول البرامج السياسية والإقتصادية والإجتماعية، كما تميزت بعزل تونس عن محيطها العربي وبإهمال دور الإمبريالية والشركات متعددة الجنسية والمؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، التي فرضت نمط المجتمع ونمط “التنمية” وتوزيع الموارد والثروة

تميزت الفترة الإنتقالية التي بدأت يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011 بالإنقلاب على مطالب المتظاهرين والمنتفضين، وذلكبالإستنجاد بنفس القوى الإمبريالية التي ساندت النظام السابق وبصندوق النقد الدولي، وتميزت بزيادة إغراق البلاد بالديون ورهن مستقبل الأجيال القادمة، وتمثل عملية إجراء الإنتخابات ضمانا لاستقرار الوضع وتطبيق أوامر صندوق النقد الدولي بمباركة قيادات الإتحاد العام التونسي للشغل وبدفع من اتحاد أرباب العمل الذي أعلنت رئيسته ” لقد حان الوقت للعودة إلى العمل وزيادة الإنتاج ورفع الإنتاجية” (وكأن العمال في فترة استراحة منذ أربع سنوات!)

ساهم سقوط الإخوان المسلمين في مصر وتعثر حكومة الإسلام السياسي في تركيا وكذلك دويلة قطر، راعية حركات الإسلام السياسي العربي، في أضعاف سلطة حركة “النهضة” في تونس ووكيلها “المنصف المرزوقي”، وحسمت الدول الإمبريالية ذات النفوذ القوي في تونس أمرها (أمريكا وألمانيا وفرنسا) لتجعل من تونس نموذجا للإقتصاد الليبرالي بغلاف ديمقراطي، واختارت المراهنة على التيار الذي حكم البلاد منذ أكثر من 55 سنة وممثله الباجي قائد السبسي الذي تمكن من اجتذاب جزء هام من المواطنين الذين يتوقون إلى الإستقرار وعودة “هيبة الدولة”، وروجت معظم وسائل الإعلام خطابا مناصرا له “كممثل للمشروع الحداثي البورقيبي والدولة المدنية”، مع إهمال الجانب الإقتصادي وتجاهل ضرورة استقلال القرار الوطني وبناء مشروع اقتصادي وسياسي نابع من إمكانيات ومصالح أغلبية المواطنين (العمال والفقراء والشباب والعاطلين وسكان المناطق المحرومة) وغاب التركيز على المحيط العربي والدولي وإمكانية التكامل الإقتصادي العربي، بعيدا عن الخضوع لإرادة الدائنين وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، كما غاب النقاش حول أهداف التنمية: هل ننتج لتلبية احتياجات المواطنين أم لتلبية طلبات المستوردين الأجانب؟ وهل نواصل تصدير المواد الخام أم نعمل على تصنيع المواد الأولية وإضافة قيمة إلى منتوجاتنا؟

كان الرئيس الجديد (الباجي قائد السبسي) مدير الأمن الوطني، ثم وزيراً للداخلية لمدة 14 عاما لدى بورقيبة، وأنشأ الشرطة السياسية التي عذبت المناضلين الشيوعيين والقوميين وغيرهم، وغادر سنة 1970 ثم عاد ثانية بعد 1980 مع حكومة محمد مزالي، ليحتل عددا من المناصب الوزارية (منها الخارجية والدفاع)، قبل أن يطيح بن علي ببورقيبة في “انقلاب طبي” يوم 07/11/1987 وأصبح قائد السبسي رئيسا للبرلمان غير المنتخب حتى 1991 ولذلك يعتبر وجوده على رأس هرم الدولة إعادة احياء النظام القديم الذي ورث الاستعمارالفرنسي، والذي حارب كل حامل للفكر التقدمي والقومي والأحزاب والمنظمات ولاحق مناضليها الذين كان مآل العديد منهم السجن، والنفي والترهيب والملاحقة… أما الترويكا التي حكمت بعد الإنتفاضة فكانت مجرد غطاء لحكم «النهضة» التي عرفت تونس في عهدها العنف والاغتيالات ومراكمة الديون الخارجية، ثم استخلصت “النهضة” الدروس مما حصل للإخوان المسلمين في مصر، ففاوضت منافسيها لتبقى في مربع السلطة… واستفاد الباجي قائد السبسي من رجال الحكم السابق الذين عادوا بقوة ووقاحة بسبب عدم محاسبتهم أومحاكمتهم أو مصادرة أموالهم وممتلكاتهم التي حصلوا عليها وجمعوها بفضل قربهم من السلطة سواء في عهد بورقيبة أو بن علي، كما يفتخر الرئيس الجديد أنه ساهم (كرئيس للحكومة المؤقتة) في تسريب السلاح الأمريكي والأطلسي إلى المعارضة المسلحة الليبية ضد حكم القذافي، التي أعادت البلاد إلى العصر القبلي، أو ما قبل الدولة، ولا تزال تونس تعاني من آثار تخريب ليبيا، وتستضيف حاليا مئات الآلاف من اللاجئين الليبيين، إضافة إلى انتشار السلاح والإرهاب على الصعيد الإقتصادي، ارتبطت تونس باقتصاد السوق منذ نحو 45 سنة وأصبحت جزءاً هامشيا من الإقتصاد الأوروبي، على صعيد السياحية والفلاحة والصناعات الملوثة (كيمياوية) وذات القيمة المضافة الضعيفة (النسيج وتركيب الأجهزة الإلكترونية)، واستفادت من العقوبات والحصار ضد ليبيا طوال عقدين، ومن الحرب الأهلية في الجزائر طوال عقد التسعينات، واليوم لا يمكن فصل الوضع الإقتصادي للبلاد عن أزمة دول الاتحاد الأوروبي، منذ أزمة أواخر عام 2008، خصوصا بعد توقيع اتفاقيات الشراكة التي ربطت كافة حلقات اقتصاد البلاد بأوروبا، ما أدى إلى إغلاق مئات المؤسسات الصغيرة وخسارة قرابة نصف مليون وظيفة خلال 15 سنة، وفي المقابل أغلق الإتحاد الأوروبي حدوده في وجه مهاجري وطلبة المغرب العربي وافريقيا (مقابل فتحها أمام مواطني أوروبا الوسطى والشرقية) وأمام السلع التي لا تستجيب للمعايير التي حددها الإتحاد الأوروبي، وفي المقابل انفتحت حدود البلاد أمام منتوجات أوروبا المدعومة التي اجتاحت الأسواق وقضت على الصناعات والمنتوجات المحلية… ولم تنل هذه القضايا الأساسية حظها من النقاش خلال الحملات الإنتخابية التشريعية والرئاسية

كما تواجه البلاد نتائج الحروب في ليبيا وسوريا والعراق حيث التحق عدد هام من الشبان التونسيين بالقاعدة وداعش وملحقاتهما، ما لا يضمن الأمن، أو ازدهار السياحة والإستثمار الاجنبي (اللذان تعول عليهما الدولة لتحقيق نموذج التنمية التابع لرأس المال الأجنبي) كما أن قوانين الهجرة في أوروبا وتباطؤ النمو فيها يقلص فرص العمل أمام المهاجرين التونسيين (راجع “الحياة” – تمويل سعودي –  29/12/2014 )

بينت نتائج الإنتخابات التشريعية والرئاسية ان الحزبين الرئيسيين في البلاد هما حزبان يمينيان يتفقان في الجوهر (النظام الرأسمالي الليبرالي والتبعية للإمبريالية والتطبيع مع الكيان الصهيوني) ويختلفان في الوسائل والأساليب، ويعتمد “نداء تونس” على البرجوازية المصرفية وبيروقراطية الدولة والفئات الوسطى الحضرية، في حين يعتمد حزب “النهضة” على البرجوازية التجارية وقطاع الخدمات، وبعض أوساط البرجوازية الصغيرة المحافظة، ذات الأصول الريفية، وعقد الحزبان اتفاقا لتقاسم المهام في مجلس النواب(البرلمان)… أما ممثلو “الجبهة الشعبية” فقد حاولوا إرضاء كل الأطراف (وخصوصا القوى الإمبريالية) ليظهروا بمثابة الرصينين المتعقلين القادرين على قيادة دفة الدولة، فخسروا مساندة الفقراء والعاطلين والعمال والمهمشين في المناطق الفقيرة وسكان الأحياء الشعبية في  المدن الكبرى، ولم يجلبوا لصفوفهم الفئات الأخرى التي تعتقد أن اليمين الأصيل أقدر على تمثيل مصالحها من اليمين الدخيل، الذي كان يسارا ثم حاول تغيير جلده، باسم الواقعية

بعد تنفيذ الاغتيال الثاني لأحد قياديي الجبهة الشعبية (شكري بلعيد في 06/02/2013 ومحمد البراهمي في 25/07/2013) أصبحشعار “الوحدة الوطنية” أو “جبهة الإنقاذ الوطني” ذريعة للتنازلات المجانية التي نفذتها قيادات “الإتحاد العام التونسي للشغل”و”الجبهة الشعبية” لصالح أرباب العمل وللورثة الشرعيين لنظام حزب الدستور أو التجمع الدستوري الذي حكم البلاد من 1956 إلى بداية 2011 وأدت ممارسة “الوفاق الطبقي” إلى موافقة صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 1,74 مليار دولار وشكر ممثل الصندوق “القوى الحية في تونس على إنجاح مرحلة الإنتقال السياسي، رغم المناخ الإقليمي غير الملائم” وطالب الصندوق بتنفيذ “الإصلاحات الهيكلية الضرورية بعيدا عن الإحتقان والإضرابات والمظاهرات التي من شأنها تعطيل الإنتاج”، وهنا بيت القصيد، فقد اشتركت القوى السياسية التي شاركت في الإنتخابات التشريعية والرئاسية، بالإضافة إلى المنظمات المهنية (أجراء وأرباب عمل)وغير الحكومية، ذات التمويل الأجنبي (المجتمع المدني وحقوق الإنسان) في تهدئة الوضع السياسي والتمهيد لاستقرار الوضع، بهدف طمأنة المستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية الدولية (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي)،  وأهمل بعض اليسار (حزب العمال والوطد الموحد، بالأخص) قضية الديون الخارجية والهيمنة الإمبريالية والعلاقات غير المتكافئة مع الإتحاد الأوروبي والولاياتالمتحدة، وربطت مصير البلاد بتلك القوى التي تعاضد الكيان الصهيوني، وخربت ليبيا وسوريا والعراق ومالي وافريقيا الوسطى وغيرها، وتورط هذا اليسار مع الممولين الأجانب والسفارات الأمريكية والأروبية، ما جعله وديعا وذا خطاب ناعم إزاء الإمبريالية وممثليها وشرسا، متنكرا لمصالح الفقراء الذين ساندوه في السابق

مثلت عودة رجال النظام السابق إلى الحكم في الرئاسة وفي مجلس النواب، انتكاسة للمسار الثوري، وانتصارا للفساد والرشوة وشرعنة لمنظومة الإستبداد والقمع الأعمى والإرتباط بالقوى الإمبريالية، وتزامنت هذه العودة مع إعادة هيكلة الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع وساهم هذا الإعلام في إعادة تدوير (غسيل) رجال النظام السابق وإعادتهم إلى الحياة السياسية للهيمنة على مفاصل الدولة، مع ترك مكان صغير لبعض قادة اليسار المنتمي للجبهة الشعبية، وأصبحت بعض القنوات التلفزيونية والإذاعية منبرالعدد من رجال الأعمال ورجال السياسة لنشر رؤيتهم السياسية والاقتصادية، وساهمت بعض وسائل الإعلام في نشر خطابمتخلف، ما قبل الدولة الوطنية، يقسم سكان البلاد على أسس مذهبية أو جهوية، ومثلت قناة “نسمة” التلفزيونية الخاصة نموذجاً للانحياز وسخرت إمكانياتها لخدمة حزب “نداء تونس” ومرشحه الباجي قائد السبسي، وبعض المرشحين الآخرين من زبائن صاحب القناة الذي يملك شركة “اتصالات سياسية”، وفي المقابل انحازت قناة “المتوسط”  وقناة “الزيتونة” اللتين تمتلكهما حركة النهضة إلىتيار الإخوان المسلمين ووكيله المنصف المرزوقي

بينت الإنتخابات التشريعية والرئاسية متانة الإرتباط بين المال والسياسة، بين الشركات الرأسمالية والأحزاب السياسية، وبالأخص تيار برجوازية المدن الساحلية العريقة، الحاكمة من 1956 إلى 2011 من جهة والبرجوازية الصاعدة للإسلام السياسي وحلفائه من جهة أخرى، ولم تكتف بعض الشركات العائلية بالتمويل بل رشحت عددا من ممثليها وأفرادها (بعضهم يحمل عدة جنسيات إلى جانب التونسية) ضمن قائمات الإنتخابات التشريعية للحزبين الرئيسيين (نداء تونس والنهضة) وهناك أحزاب أخرى، أسسها رجال الأعمال واصطفت في النهاية وراء أحد الحزبين، بالإضافة إلى المال القادم من أوروبا بواسطة منظمات “غير حكومية” أو بواسطة مزدوجي الجنسية، وكذلك المال القادم من أثرياء النفط، أفرادا وشركات وحكومات، وفي الحالتين، تميزت رؤوس الأموال بتبعيتها إلى الخارج وارتباطها بشركات متعددة الجنسية، بواسطة التعاقد من الباطن، في قطاعات الإتصالات والخدمات والغذاء وتجارة التجزئة والمصارف التقليدية أو “الإسلامية” الخ، ما يجعل منها برجوازية “كمبرادورية”، أي ممثلة المصالح الأجنبية (الإمبريالية) في البلاد

نظرا لارتباط الحزبين الرئيسيين بمصالح الشركات المحلية والأجنبية، دافعت برامجهما عن الإقتصاد الرأسمالي الليبرالي، والتبعية للخارج (الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) وللمؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية…) وخصخصة القطاع العام وتطبيق برامج التقشف وخفض أو إلغاء دعم الطاقة والمواد الأساسية وإلغاء ما تبقى من مكاسب للعمال والأجراء، وإلغاء الرسوم الجمركية على دخول البضائع الأجنبية، وورد ذلك تحت عبارات مضللة مثل “الإصلاح الضروري للإقتصاد” أو “تحديث الإقتصاد” أو “تحفيز الإستثمار” الخ من عبارات التضليل المتعمد، التي يتقنها بعض من استقطبتهم هذه الأحزاب من مناضلين سابقين في صفوف اليسار والنقابات وما سمي “المجتمع المدني” والمنظمات غير الحكومية

غيبت الإنتخابات الرئاسية صوت اليسار، رغم حصول ممثل “الجبهة الشعبية على نسبة 7,8%  من أصوات المقترعين، إذ دعا مؤسس حزب العمال وكذلك حزب الوطد الموحد إلى انتخاب ممثل البرجوازية الحضرية، بتعلة  “حرمان الإسلام السياسي من العودة إلى الحكم”، في تناغم مع رجال الأعمال، ممثلي مصالح البلدان الامبريالية (الأوروبية بالخصوص) والشركات متعددة الجنسية

 جسدت الحملة الإنتخابية الرغبة في تهميش القوى الثورية وسكان المناطق المحرومة والشباب المعطل عن العمل، وكذلك الفقراء والعمال والمنتجين، بمباركة النقابة العمالية (الإتحاد العام التونسي للشغل) ونقابة أرباب العمل ومنظمات ما سمي بالمجتمع المدني الممولة من الخارج وغابت من النقاش السياسي بعض المواضيع الهامة مثل قضايا الإستعمار الجديد واحتلال فلسطين والتضامن بين الشعوب وكذلك قضايا الإستقلال الإقتصادي وبناء اقتصاد وطني والتخلص من الديون ومن هيمنة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي على السياسة الداخلية بفرض نموذج الإقتصاد الرأسمالي الليبرالي المشوه، إضافة إلى العلاقات غير المتكافئة وبالأحرى علاقات التبعية مع الإتحاد الأوروبي والمتمثلة في ما سمي علاقات الشراكة أو مجموعة 5 + 5 أو الإتحاد من أجل المتوسط، وغيرها من التسميات التي تغيرت عدة مرات منذ “مسار برشلونة” (1995)

القادم أعظم!

ستنفذ الحكومة القادمة ما أعلنه صندوق النقد الدولي منذ أيلول/سبتمبر 2014 وما بدأت الحكومات السابقة تنفيذه مقابل قرض بقيمة 1,74 مليار دولار :

–  “إصلاح الوظيفة العمومية والقطاع العام” أي تجميد التوظيف والرواتب وخفض الإنفاق ورفع سن الإحالة على التقاعد مع خفض قيمة جراية المعاش، ويقدر صندوق النقد الدولي عدد الوظائف التي وفرتها النهضة لأنصارها ب75 ألف وظيفة جديدة بين 2012و 2014 منها حوالي عشرة آلاف في مناصب قيادية عليا، ما جعل رواتب القطاع العام تستحوذ على 30 % من الإنفاق العام وعلى60 % من الموارد الجبائية، ويطالب صندوق النقد الدولي كافة دول العالم بخفض الوظائف والإنفاق في القطاع العام وإلغاء القوانين التي تحمي بعض مصالح الأجراء

– خفض قيمة الدينار (رغم وجوده في الحضيض) و”تحرير” التجارة الخارجية (أي فتح الباب على المنتوجات الخارجية) والإكتفاء بتصدير المواد الخام غير المصنعة (بقيمة إضافية ضعيفة) والتركيز على الخدمات والسياحة، وإيلاء الأهمية للمشاريع المشتركة مع القطاع الخاص الأجنبي الذي وجب منحه حق تملك الأراضي والقطاعات الحساسة، ليهيمن رأس المال الأجنبي على ما تبقى من القطاعات خارج هيمنته

– إلغاء كافة أشكال الدعم للطاقة (المحروقات والكهرباء) وضخ الأموال في خزائن المصارف التي تساهم الدولة في رأسمالها، قبل بيعها (330 مليون دولارا سنة 2014 و200 مليون دولارا سنة 2015 ) وإقراض الشركات الخاصة بفوائد منخفضة، مع خفض الضرائب على الشركات وأموال المضاربة، ورفع الضرائب غير المباشرة – على الإستهلاك – التي يسددها الغني والفقير بنفس القدر

خاتمة

إن المحدد في نظرة كل منا وموقفه من الأحداث الجارية في تونس منذ أربع سنوات، هو الموقع الطبقي والإجتماعي، فمن كان في صف الفقراء والعاطلين والمهمشين الذين أشعلوا نار الإنتفاضة واحترقوا بنار شرطة وجيش الدولة يحاول تقييم المكاسب التي حصل عليها هؤلاء من التغيير الحاصل، ومن كان في صف البرجوازية الصغيرة يمكنه ان يكتفي ببعض المكاسب (الحقيقية والهامة) مثل حرية التعبير والإجتماع والتنظيم، وتنوع المشهد الإعلامي، ومن كان في صفوف البرجوازية الكمبرادورية سيرى ماذا كسب من عقود مع الشركات الأجنبية والدول الإمبريالية، وبشكل عام، يرى كل منا ماذا كسب وماذا خسر…

تقول البيانات والأرقام أن فئة الشباب وسكان المناطق المحرومة كانوا أقل اهتماما بالإنتخابات، وقد نختلف في تأويل هذه البيانات، لكن بالعودة إلى خطاب الباجي قائد السبسي والمنصف المرزوقي حول الإضرابات والمظاهرات والحركات الإجتماعية نستنتج أنهما عبرا بوضوح، طيلة السنوات الأربعة عن عدائهما لكل فكر تقدمي ولليسار وللعمال والفقراء والمهمشين، ولا يمثل أي منهما مصالح هؤلاء، بل هما في حالة عداء طبقي مع كل هذه الفئات…

لقد كانت المطالبة بالشغل والحرية والكرامة أكثر الشعارات ترديدا أواخر 2010 وبداية 2011 قبل أن يضاف لها شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، ولئن سقط رأس النظام فإن رؤوسا أخرى عوضته وانتعشت الفئات التي يمثلها، وعادت لتكتسح الأحزاب ووسائل الإعلام والهيئات المنتخبة وغير المنتخبة، باسم “الثورة” و”الديمقراطية”، وباسم الوحدة الوطنية، أو “الإجماع الوطني” أو ما شابه ذلك من تزييف الوعي ومن الوفاق الطبقي الذي باركه رموز اليسار الناعم، الذي تخلى عن مساندة العمال والمنتجين والفقراء والمظلومين، ويلهث وراء بعض المقاعد النيابية والمراكز التي يستفيد منها بعض مناضليه الذين استغل بعضهم جزءا من ماضيه النضالي قبل أن يرتد إلى سفارات الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ومنظماتها غير الحكومية ومراكزها الثقافية…

لا زالت مهام استكمال أهداف الثورة قائمة وملحة ولا زال إسقاط النظام مشروعا ملحا وضروريا ولا زال النضال خارج دائرة “الدساترة والإخوانجية” (بل ضدهم) أمرا ضروريا، من أجل إحداث تغيير في البنية الطبقية للنظام، ومن أجل تحقيق مطالب العمال والكادحين والمعطلين والفقراء، وهم أغلبية في كل المجتمعات، ومن المنطقي أن تطمح الأغلبية (المنتجة والفقيرة) إلى الحكم في مواجهة الأقلية (الثرية وغير المنتجة)، من أجل إعادة توزيع الثروة، لتلبية حاجات الناس أولا، على قاعدة “من كل حسب جهده وقدراته، ولكل حسب حاجاته”

لا يمكن اعتبار الوضع في تونس معزولا عن الوضع في الوطن العربي، فالإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة (التي يجتمع سفيرها مع من يمثل اليسار الإنتهازي في تونس) تستهدف كافة شعوب وبلدان الوطن العربي، ولا يقتصر الإحتلال الصهيوني على فلسطين بل اعتدت طائراته (الأمريكية) على تونس ولبنان والعراق وسوريا والسودان الخ، كما لا يمكن عزل تونس عن بقية البلدان والشعوب الفقيرة والتي تهيمن عليها القوى الإمبريالية العالمية وأدواتها، من مجلس الأمن إلى الحلف الأطلسي، مرورا بصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، لذلك وجب التفكير في حلول تتجاوز الحدود الضيقة للوطن الصغير “تونس”