حتى يتوحّشوا فلا يُقاومون

 ثريا عاصي

 

لعلّ أحدا لا يشك بأن مجلس التعاون الخليجي وحكومة أردوغان، بالإضافة طبعا إلى الولايات المتحدة الأميركية والقوتين الإستعماريتين، قديما، فرنسا وإنكلترا، تؤدي جميعها أدوارا ملحوظة في الحروب التي تتعرض لها في الراهن، سوريا والعراق ومصر وتونس واليمن . أخشى ما يخشى أن تصل نارها إلى الجزائر . ما صبغ هذه الحروب التي سميت إعتباطا «الثورات» بالعدوانية والوحشية العنصرية .

من نافل القول أن قطاعات من المجتمعات في البلاد المشار إليها، ترفض العيش في ظل سلطة غير وطنية . ربما يكون هذا الرفض عاملا أساسيا في الأزمات التي تعتمل في صميم هذه المجتمعات . هنا لا بد من الإتفاق على تعريف السلطة الوطنية التي تفترض بداهة وجود وطن . ولكني لست الآن، بصدد البحث في هذه المسألة . ما أود قوله هو أن الناس في سوريا لن يتقبلوا، بأكثريتهم تسلّط مجلس التعاون الخليجي عليهم، لأنه ليس معروفا أن أعضاء هذا المجلس وطنيون حتى في الإمارات والمشيخات والمملكات الواقعة تحت سلطانهم، حيث أن الدلائل التي بين أيدينا تثبت جميعها أن مفهوم الوطن والجماعة الوطنية ما تزال بدائية، هلامية، في بلاد يحكمها أمراء وأبناؤهم من بعدهم، وتحتل القواعد العسكرية الأميركية مساحات واسعة من أراضيها .

من البديهي أيضا أن العنجهية التي يظهرها رئيس تركيا «السلطان» أردوغان، تذكر بالماضي العثماني . بالتالي فإن السوريين لا يرغبون بالعودة إلى التبعية العثمانية .

مجمل القول، أن سلطة جماعة الخليج غير مقبولة، لأنها غير وطنية بإمتياز . بمعنى أن أمراء الخليج يمارسون السلطة لحساب المستعمرين، مثلما انهم يقومون بدور نواطير النفط والغاز . « ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن» … صار الأمير الخليجي يملي شروطه على السوريين : نحن من ضعف بنينا قوةً لم تلـِن للمارد الملتهبِ ـ كم لنا من ميسلون نفضت عن جناحيها غبارالتعب !.

أما إذا لم يكن الناس في بلادنا بالخيار غير العيش تحت استعمار أمراء الخليج، فإن النخبة أقدر من الأخيرين على إيجاد وطن بديل تتمكن به، حتى في بلاد أسيادهم، في أميركا وأوروبا، فتتحرر من الإرهاب بالوكالة وتواصل دورها ضد الإرهابيين بالوكالة والإرهابيين الأصيلين معا .

يحاول أمراء مجلس التعاون الخليجي قهر الشعوب بواسطة معطيات يزعمون أن أصلها في ما وراء التاريخ وما وراء الشأن المجتمعي، تتمثل بتأويل النص الديني الإسلامي بما يلائم سلطتهم (القرضاوي : «لو كان محمد حيا لوضع يده بيد أميركا» ) . هذا التحريف مرفوض أيضا من الناس . فيه الدليل القاطع على استيلاب وارتهان، هؤلاء الأمراء للمستعمرين والامبرياليين . من المحتمل أن مقاومتهم، وجها لوجه، مواجهة عنفهم صعبة وباهظة الثمن، فطاقاتهم العسكرية لا حدود لها .

ولكن ما يجهله أمراء مجلس التعاون الخليجي هو أن حاجة أسيادهم المستعمرين والامبرياليين لهم تقتصر على التجهيل والتهديم والتفريق، بقصد شلّ قدرات الناس على الإحتكام إلى العقل والأخلاق والمبادئ الإنسانية حتى يتوحّشوا فلا يقاومون من أجل الحرية والعدالة وتحرير الأرض واستقلال الأوطان . أما إذا تحقق ذلك إنتفت الحاجة للأمراء . لن يجد هؤلاء عندئذ من يدافع عنهم باسم العروبة والإسلام . إنهم يقطعون فرع الشجرة الذي يجلسون عليه . وحسنا يفعلون !.

:::::

“الديار”