فلسطين: إما يهودية أو جزء من وطن عربي موحد

عادل سمارة

ليس من السهولة بمكان استشرف مآل القضية الفلسطينية بمعنى دقيق وفي زمن قصير، ومن يحاول ذلك ببساطة كأنما يدخل مغامرة بحجم مغامرة العقل الأولى لما لهذه القضية من سمات أهمها  الشدة في المكان والامتداد في الزمان كقضية معولمة حتى قبل حلول مرحلة العولمة الحالية نفسها. ويزيد الأمر صعوبة واقع اللحظة الفلسطينية والعربية الحالي، واقع الانقسام الفلسطيني المتمترس تبادلياً والاقتتال المفتوح عربياً، مما آل الى استجداء حل للقصية دولياً. ومن أجل ماذا؟ من أجل قضية لن تُحل حلا إنسانيا  إلا إذا كان عروبياً.

وهذا يسمح بتناولها ببعدها المعولم لأن المقرر فيها هي الأبعاد المحلي والقومي والإقليمي(لأن الإقليمي غير العربي) ، والدولي.

يمكن البدء بالبعد الدولي ليس لمجرد كونها قضية دولية بل كذلك لأنها في اللحظة الجارية يتم تزجيتها في أروقة المؤسات الدولية. وهو أمر محير يتدافع فيه الإيجاب والسلب لدرجة تبدوان في وضع من التعادل! وهذا امر مدهش إذا ما قرأنا الحياة بين حق وباطل وليس من باب تداخلهما وصولا إلى حد التشابه أو التعادل.

وعليه يمكن الحديث عن المدى القصير وعن المدى الطويل ودور التحولات للتمكن من استشراف لعل في دقته ما يفيد الآتون ليقفوا على رؤية مضيئة لا عمياء.

 حين يصبح العامل المقرر في قضية صغيرة أو كبرى بأيدي مؤسسات الأمم المتحدة فهذا ليس أمراً مبشراً، ليس فقط لأن مؤسسات الأمم المتحدة هي في خدمة القوى التي أسست هذه المؤسسات وبالتالي تسيطر عليها، بل اساساً لأن الذهاب إلى هناك ورمي القضية في أحضان أهل السياسة الدولية يعني حالة كاريكاتورية تماماُ، مؤلمة جداً، يعني أن أهل القضية عاجزون عن الاضطلاع بقضيتهم والانتصار فيها ولأجلها.

قد يعترض قائل بأن العرب والفلسطينيين طالما اشتكوا الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة ولكن ، ورغم عدم جدوى التشكي، بقيت القضية حية.

وهذا القول يبقى صحيحاً، إلا إذا قارنا واقعه بالواقع الجاري. فالواقع الجاري يرتكز على شعار : “السلام خيار استراتيجي” أي لا مشروع صراع عنيف لتحرير الوطن مما يمحو مقولة الرئيس الراحل عبد الناصر: “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”. وأهمية هذا الشعار في ان ناصر لم يحاول التحرير بالقوة لأنه كان يفهم بوضوح بأنه يقاتل الغرب قبل مقاتلة الكيان (لكنه كان يبني الوحدة والقوة).

 كما  يمحو لاءات الخرطوم الثلاثة: “لا صلح لا مفاوضات ولا اعتراف” فاللحظة الجارية تذكِّرنا بان أكثر من صلح واعتراف ومفاوضات قد حصلت!

بكلمة موجزة، لقد خرج كثيرون من الفلسطينيين والعرب من مشروع المواجهة انظمة وقوى سياسية، وبقي على العدو إخراج الشارع العربي إي إخراج القضية من روحه، وهذا ما يجري العمل عليه اليوم بالحروب العربية البينية.

ليس من الصعوبة بمكان استشراف أين تتجه الأمم المتحدة بالقضية الفلسطينية سواء  بالقياس على الماضي أو تطورات الحاضر طالما تتحول القضية والصراع إلى شكوى؟ وهذا التحول لا يليق بقضية وطن وأمة، بل قد يليق بخلاف حدودي صغير أو بتصريح عنصري النزعة.

 في العامين او الثلاثة القادمة سوف تتقاذف القضية الدول الغربية الكبرى خاصة الولايات المتحدة، وسوف يستمر تقسيم العمل المتقن بين هذه الدول. فالولايات المتحدة تلوح بالفيتو، وفرنسا تقوم بدور التهدئة وإعادة قراءة المقترح العربي المحمول باليد الأردنية، وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا مثابة خلية تفكير Think Tank. لا بل إن معظم برلمانات الاتحاد الأوروبي قد دخلت مناورة ماهرة  حيث اعترفت بدولة فلسطينية، اعترافا لا يُلزم أحداً مقابل الاعتراف بيهودية الكيان أي شطب حق العودة وطرد فلسطينيي 48؟ أيهما العملي!. الاعتراف بفلسطين جميل كلغة وبالدولة اليهودية عملي وقوي كقنبلة. ومع ذلك يزعم الكيان غضبه من هذا الاعتراف لاستخدام غضبه كتغطية دخانية يصوره كمكسب هائل للفلسطينيين مما يجعله غطاء لمشروع التسويف الفرنسي العربي (الأردني).

ويكفي ان نشير هنا إلى لحظتين متعلقتين باوروبا:

في تقسيم العمل أخرج المستوى الحقوقي في الاتحاد الأوروبي حركة حماس من قائمة الإرهاب. ومتى؟  بعد ايام من ترطيب علاقات حماس مع إيران! ذلك لأن الموقف والهدف الحقيقيين هما اجتثاث جذوة المقاومة ضد الكيان وليس ابداً البحث عن حل ودولة لأن تقويض المقاومة هو حقيقة تقويض حتى مشروع دولة صغيرة.

وفي نفس الأيام تتواجد وفود فرنسية وبريطانية وألمانية في الحسكة لشق الأكراد السوريين عن سوريا.

ليس الأمر هنا أنك مع سوريا أو ضدها، بل الأمر أن الغرب هو عدو ممنهج التفكير، وعدائه للأمة العربية منهجيا، ينظر إليها كأمة واحدة بينما أكثر ساستنا ينحصرون في قطريات وحتى كيانات. ليكن في سوريا من يكن، فتقسيمها هو حجر الزاوية في إنهاء القضية الفلسطينية، بمعنى  تجهيز اللحظة لإعلان دولة يهودية ناهيك عن ما سيلحقه من دول دينية وطائفية في الوط نالعربي، وهذا جميعه يساهم في تصفية القضية الفلسطينية.

إذن، هذا يعني أنه طالما سلاحك هو الشكوى، فأنت قد وكلت القاضي ليكون هو القضاء والقدر، فكيف وهو يتصرف معك كعدو علني أو كسيد على الأقل؟.

وهكذا، يدور النقاش حول تقنية التفاوض في السنوات الثلاث المقبلة.

ولكن، وبمنظور فكر وتجربة التفاوض، فإنه حتى ثلاث سنوات ليست طويلة إذا كان مجلس الأمن سيقف وراء قراراته تجاه فلسطين كما وقف وراء قراراته في كثير من الأماكن الأخرى في العالم اي بقوة التنفيذ حتى لو بالسلاح. ولا حاجة لتعداد عدم متابعة مجلس الأمن  لقراراته بشأن فلسطين.

إذن نحن أمام تمطيط دبلوماسي للقضية لسنوات ثلاث أخرى سوف تتولد من خلالها أطروحات وتفسيرات دبلوماسية تعطيها فرصة التجديد لنفسها. كيف؟هل ننسى أن قرار 242 حتى الان بعد 47 سنة لم يتم الاتفاق على تفسيره؟ لقد غدت كل القضية…مفاوضات؟ باختزال مطلق، إن الوصول بالقضية إلى “الحياة مفاوضات” هو ضوء كاشف تماماً على خَوَر الوضع العربي والفلسطيني. وهو (بتواضع مواطن) ما رددت عليه منذ عشر سنوات، أن الحياة مقاومة.

على المدى القريب وربما أبعد بكثير، فإن قرار اقوياء العالم ليس لصالح القضية الفلسطينية، أي بكلام آخر هو لصالح العدو حتى بلغته الدبلوماسية، اي لا تغيير يذكر، بل ربما ورطات وألاعيب دبلوماسية معقدة.

 لا يحصر الغرب تخندقه لصالح الكيان فقط في المستوى الدبلوماسي وطبعا العسكري، فهو منشغل بملفات المنطقة/الإقليم وخاصة المتقاطعة مع القضية الفلسطينية، ولذا، تبذل الولايات المتحدة جهدا هائلا لتحييد إيران تجاه الملف الفلسطيني، وربما ان موقف إيران من الكيان هو في مستوى قلق الغرب من النووي الإيراني.

أي ان الغرب معني بتجريد القضية الفلسطينية من كافة اسلحتها أو حلفائها. لذا لجم إيران هو هدف كبير. وتثبيت علاقة تركيا بالكيان ايضا هدف كبير، وتمكين تركيا من التأثير على العرب من مناخ علاقتها العميقة بالكيان هو أمر هام…وهكذا. فهم يقدمون تركيا المسلمة كنموذج للقبول بالكيان. أو إشغال الدول العربية المركزية إما بإشكالات داخلية أو مع قوى إقليمية. فليس أفضل لإهلاك مصر من إشغالها مع إثيوبيا بشأن النيل. باختصار، يحاول الغرب إما فك الأمم القديمة الثلاثة المحيطة بالأمة العربية عن التعاطف مع القضية وإن أمكن تجنيدها ضد القضية.    إذن على المستوى الإقليمي فإن الشغل في السنوات المقبلة هو على أشده لتجريد القضية من دور وحلفاء إقليميين.

وهنا يدخل البعد الروسي بشكل خاص، صحيح أن روسيا قوة عظمى ومشروع قطبي كتفا لكتف مع الغرب، ولكن تأثيرها فيما يخص القضية الفلسطينية هو في الإقليم أكثر مما هو في أروقة الأمم المتحدة كمؤسسة “أمريكو-أوروبية وحتى يابانية”.

 على الصعيد القومي هناك إشغال ذاتي داخلي هائل للحواضر العربية الثلاثة ذات الدور الأساس تجاه فلسطين (القاهرة ودمشق وبغداد) ، إشغال عن فلسطين. و كما اشرنا أعلاه، لم يعد من ناحية رسمية اي موقف عربي موحد أو حتى متقارب، وهذا أفقد العرب ثقلهم النوعي حتى تجاه أقل القضايا شأناً.من اللافت أنه لا يقوم موقف عربي مشترك من القضية الفلسطينية سوى فيما يخص التنازلات. ودون تعداد تدرجها، فالمشروع المقدم الآن لمجلس الأمن، بغض النظر عن مصيره، هو تكريس للاعتراف بالكيان الصهيوني بشكل جماعي، يجد جذره على الأقل في “السلام خيار استراتيجي”.

وهنا لعل أخطر ما حصل هو في الخطاب. هناك إصرار واضح وهائل مفاده بأن “إسرائيل حقيقة واقعة والمحتل 48 حق لليهود”، محظور نقاش هذا أو التفكير فيه. وبعد هذه المسألة، لك ان تتحدث في حقوق الإنسان وعسف الجيش الصهيوني في غزة ، وتعذيب المستوطنين لمحمد ابو خضير…الخ.

  لذا، فعلى المدى القريب، فإن الواقع العربي الرسمي في معظمه، سواء المنشغل  داخليا أو المشتبك قُطْرياَ، بما يحعله اسير الموقف الرسمي الغربي ، اي لا مساس بالكيان ، وأن فلسطين هي الضفة والقطاع ناقص! وأن على السياسة والإعلام والثقافة والتربية والتعليم والقانون والحقوق وكافة البنية الفوقية أن تشتغل على تكريس هذا الخطاب التقويضي لحق الشعب الفلسطيني في العودة. أما البنية التحتية فحدث ولا حرج عن تشاركات اقتصادية فلسطينية وعربية مع الكيان مباشرة أو مداورة.

إذن، ماذا يقول الاشتباك الحالي؟

الاشتباك الدبلوماسي في الأمم المتحدة بعيداً عن جوهر القضية كقضية وطن مغتصب. هو عملياً استكمال لاتفاق أوسلو.

وهذا يثير السؤال: إذا كان هكذا، فلماذا يعترض الكيان والغرب؟ ماذا يريدون بعد الإقرار ببقاء الكيان و”مشروعيته”؟

هذا يدفعنا لجرأة في القول أبعد من الاستشراف. إنهم يريدون ما أرادوا دائماً، بأن كامل فلسطين التاريخية، على الأقل، هي  “أرض إسرائيل”، وبأن قرائتهم لاتفاق أوسلو على أنه ضم تدريجي للضفة الغربية تحديداً إلى المحتل 48. إنه تمرير تلك الجرعة القوية باقل وجع ممكن.

لذا، يبخل الغرب والكيان حتى على تسمية الحكم الذاتي دولة. ويؤكدون على مفاوضات ستطول أكثر مما مضى.

بغير هذا يكون السؤال: إذا كان هناك اعتراف عربي وفلسطيني رسمي بالكيان، وباتفاق أوسلو، فماذا يفعل اليهود في الضفة الغربية؟

ويصدمنا الجواب  الواضح: إنهم يضعون ربما الرتوش الأخيرة على إلحاقها بالمحتل 48.

ما الذي نستشرفه من التهاب الدفىء الدبلوماسي في أروقة الأمم المتحدة بينما على الأرض تشتعل محركات البلدوزرات في اقتلاع الزيتون، وهدم البيوت وإقامة وحدات سكنية للمستوطنين، واشتعال ومصادرة يومية لمئات إن لم نقل آلاف الدونمات؟ هل يحتاج كل هذا لاستشراف؟ وهل الرد عليه بمزيد من الأوراق إلى الأمم المتحدة؟

ولكن، لنضع السيناريو التالي: لنفرض أن مجلس الأمن اتخذ قراره بدولة فلسطينية عام 2017، وإخراج الاحتلال.

بداية، فإن حق الشعب الفلسطيني والعربي هو في استعادة وطنه. ولكن لنذهب مع الدبلوماسية لبعض الوقت والخطى. ما هي آليات التنفيذ إن لم يشرع الاحتلال في التنفيذ الفعلي ولو التدريجي للقرار؟ كما أن نظرة إلى التاريخ، وهذا فقط يفهمه من يؤمنون بالتاريخ ولا يسمحون لنشوة لحظة بأن تنسيهم التاريخ، نظرة كهذه تعلِّمنا بأن لا شيء سيُعجز الكيان عن خلق عراقيل تبدأ من مناورة أو فن فهم القرارات.

بل وأبعد، هل يحق لنا استشراف بأن الكيان سيواصل الاستيطان والضم؟ في الضفة الآن 700 ألف مستوطن ينتشرون على كامل جسدها. فلماذا لا يصبحون مليونا بعد 3 سنوات؟ من قال أن امريكا لن تعطيهم ضمانات قروض لاستجلاب مستوطنين؟

لقد كتبت منذ عشرين سنة، بان الكيان سوف يواصل الاستيطان والضخ الديمغرافي (البشري) بحيث نصل إلى لحظة يصبح من المحال فك التشابك البشري  والعمراني والأرضي وطبعا البنى التحتية بين العرب واليهود؟ وها نحن أمام الصورة كما توقعت؟

سوف يترتب على هذا الكثير، ومنه، استمرار التطبيع، واستمرار المشاريع والمفاوضات لتقطيع الوقت بينما يواصل العدو تقطيع الوطن. وبالطبع سيواصل العدو سياسته غير المباشرة ايضا اي الضغط على الفلسطينيين بالإزاحة ليصلوا إلى الانزياح الذاتي (انظر الاستيطان من الطرد للإزاحة إلى الانزياح الذاتي، عادل سمارة في مجلة كنعان العدد 94 كانون ثان 1999 ص ص 87-100). ورغم الأزمة العالمية فهناك من يشجع رحيل الفلسطينيين وأعتقد أن هذا سوف ينشِّط في السنوات الثلاث القادمة، اي نزيف هجراتي فلسطيني وتدفق استيطاني صهيوني.

ما ورد يفتح على أن القادم مفاوضات مديدة، لا دولة فعلية في المحتل 1967، تنفيذ يهودية الدولة عمليا على الأقل. بروفات لمشاريع الوطن البديل و/أو كونفدراليات …الخ. يقابلها حراك شعبي فلسطيني تحاول سلطتي غزة ورام الله لجمه، محاولات لبلورة قوة ثالثة تحوي الجهاد والشعبية وفرق من القوى الأخرى، مع فتح نافذة على معسكر المقاومة لعرقلة مخطط التصفية إلى أن يتغير الوضع العربي.

وعليه، فالدرس المستفاد بأن وجود الكيان لن يسمح بوحدة عربية، وتحرير فلسطين لن يكون بلا وحدة عربية! معادلة غربية ربما، قد يفسرها ما يلي:

إما كل فلسطين دولة لليهود بلا مواربة

أو فلسطين محررة كجزء من الوطن العربي المتحرر.  أي ان المشوار طويل، لا يتحمله إلا من رحم ربي.

:::::

“الشروق” الخليجية