لما الترويج الغربي ل “التوازن الاستراتيجي” في سورية؟

العميد د. أمين محمد حطيط 

 انطلق العدوان على سورية متوخياً أسقاط النظام المقاوم فيها مع كل ما يتصل به من أشخاص أو مؤسسات أو سيساسات و استراتيجيات  و تحالفات ، إسقاطا يمكن من تحقيق ما يصبو اليه أرباب المشروع الصهيو أميركي في واحد من وجهين: أما تشتيت الدولة ومنع قيامها على غرار ما يحصل الآن في ليبيا التي فقدت معظم المقومات اللازمة لان تكون دولة، أو إقامة دولة واهنة مملوكة القرار كليا من الخارج تديرها أميركا بمفتاح التحكم عن بعد كما هو حاصل في دول الخليج التي ليس لها من القرار والاستقلال إلا الاسم والشكل.

لكن سورية مدعومة بحلفاء صادقين، صمدت وواجهت بصلابة، ما فرض على أرباب العدوان أن يدركوا ويسلموا ولو بطريقة ملتوية بان بلوغ هدفهم امر مستحيل التحقق لا بل كما عبروا هم مؤخرا بانه “ضرب من الخيال” على حد قول أوباما.

ولكن وخلافا لما هو متبع في الحروب والصراعات عادة، فان أميركا يقودها تعنت ومكابرة من يعتد بقوته ويرفض الاعتراف بالهزيمة، أميركا هذه اصرت على العدوان وتقلبت في التنفيذ  من خطة إلى خطة ومن نهج عدواني إلى آخر مؤملة تعويض الخسارة والخروج من الفشل الذي افضت اليه خططها، و كانت عند كل فشل تبتدع صيغة جديدة لاخفائه و للانطلاق في مشروع هجوم جديد و بصيغة او استراتيجية جديدة

لكن اميركا فوجئت اخيرا بحقيقة مرة تمثلت بامتلاك سواها نوعا من المبادرة و الانتفال من ردة الفعل الدفاعي الى المبادرة الهجومية في معرض الدفاع ، الامر الذي اخل بكل الحسابات الاميريكية ، و كانت المبادرة الروسية للبحث عن حل سياسي للازمة السورية احدى هذه المفاجآت .

 ويبدو ان اميركا لم تكن تتوقع ان تنجح روسيا – اقله حتى الان – في السعي لحوار سوري – سوري يفضي الى الخروج من الازمة بطريقة تحفظ الثوابت السورية من حيث السيادة و الوحدة و رفض التدخل و الاملاء الاجنبي ، خلافا لما تريد اميركا من عدوانها اصلا . فتابعت اميركا بعناية بالغة الحركة الدبلوماسية الروسية التي نجحت حتى الان في حشد التأييد للمبادرة التي يمكن ان تشهد النور في جلسة حوار سورية بين الحكومة و من يمكن وصفه بالمعارضة الوطنية بعيدا عن فصائل الارهاب و الاجرام التي ترعاها اميركا .

و يبدو ايضاً ان اميركا و على عادتها في التصرف بالعمل على خطين ، تتجه الان لوضع سقف للمبادرة الروسية في حال نجاحها ، في الوقت الذي تعمل فيه على تقويضها ان استطاعت ، و على هذا الاساس نقرأ آخر ما تفتق عنه الفكر الغربي في هذا المجال ،و هو  إشاعة صورة ما هو قائم الان في الميدان السوري و القول بان “الصراع وصل إلى ارساء نوع من التوازن الاستراتيجي بين  القوى ، توزان يصعب كسره ” ، ما يمكن من الدخول في حوار يفضي إلى “مخرج سياسي للازمة القائمةعبر توزيع السلطة بين المتصارعين اي الحكومة و المعارضة بالمناصفة بينهما ” ، مناصفة قبل بها بعد العجز عن  الحصول على كل شيء  و هي مناصفة يرى الغرب بانها تحقق القدر الأعلى الممكن من مصالحه .

ومع هذا الادعاء و الترويج  له تطرح الأسئلة حول صوابية القول وخلفيته والأهداف التي يرمي إلى تحقيقيها، لأن تداول الإعلام المتحرك في الفلك الغربي لمقولة التوزان الاستراتيجي كما يبدو يشكل وجها من وجوه الحرب النفسية التي تهدف إلى تثبيط العزائم لدى الجيش العربي السوري وسعي إلى إفراغ الإنجازات السورية الكبرى من محتواها والتهويل على الفرقاء لحملهم على احترامه و الاخذ به في اي حل متقبلي ،كما  وقطع الطريق على تنامي قدرات محور المقاومة الذي بات كما هو مسلم به رقما أساسيا صعبا في معادلة النفوذ الإقليمية.

أما في المضمون فإننا نرى الواقع مغايرا لما يصورون. إذ يدعي أصحاب نظرية ” التوازن الاستراتيجي ” بان الحكومة السورية – كما يظنون أو يتصورون – ستكتفي في الأشهر المقبلة بالاحتفاظ بدمشق مع قطاع يصلها بالساحل وممر يربطها بحلب،دون التقدم الى المناطق التي تسيطر عليها “المعارضة” – على حد وصفهم المغاير للحقيقة طبعا – على ما تبقى من البلاد في الشرق والجنوب والوسط وبعض الشمال.

وفي مناقشة لهذا الادعاء نقول إننا لو سلمنا جدلا بصحة التصور (وهو أصلا غير صحيح على ارض الواقع)، فإننا نرى انه بذاته يشكل ترجيحا للدولة يفرغ التوزان المدعى من مضمونه ، وهنا نسأل: هل يعلم من أطلق هذا الكلام بان المنطقة التي أشار اليها تشكل أكثر من ثلثي المنطقة المأهولة في سورية ويقطنها بالأصالة أو بالهجرة أكثر من ثلثي السكان السوريين، وهي تشمل المدن الرئيسية الكبرى في التي هي مراكز الثقل الاستراتيجي للدولة؟

هذا في تفسير ما قالوا أما في الحقيقة فالأمر يتعدى تصورهم بأشواط ، خاصة و أننا نرى أن الحكومة السورية تمكنت خلال الأشهر الأخيرة من المواجهة مع الإرهاب من تأكيد وجودها العسكري الفاعل في كل مناطق سورية ، حيث أنها بالإضافة إلى المناطق التي أشارت اليها الدراسة ، فان عمل الجيش العربي السوري في جبهة الجنوب اجهض سعي العدوان لإقامة “الحزام الأمني الإسرائيلي”  و اكد فعالية الأعمال العسكرية التي تقوم بها الوحدات العسكرية السورية لمنع الإرهابيين من الاستقرار في أي منطقة ، و الأمر ذاته يحدث في الشرق حيث أن الوجود العسكري للجيش العربي السوري و القوات الرديفة في دير الزور و الحسكة قائم بشكل يسفه أصحاب مقولة “التوزان الاستراتيجي” المزعوم .

هذا من جهة ومن جهة أخرى فان معظم المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة، ليست حتى بالتوصيف الأميركي المعلن بيد ما تسميه أميركا معارضة معتدلة بل انها بيد جماعات أكد مجلس الأمن الدولي على طبيعتها الإرهابية، وتدعي أميركا ذاتها محاربتها وأنها أنشأت التحالف الدولي بقيادتها لتنفيذ هذه المهمة.

 وعلى هذا نصل إلى رسم صورة تفضي إلى القول بان في سورية طرفان على ارض الواقع: طرف شرعي متمثل بالحكومة السورية الشرعية التي تعمل لاستعادة الأمن والاستقرار إلى المناطق التي أفسد الإرهابيون امنها، وطرف إرهابي يرفضه العالم كله – على الأقل علانية – ولا يمكن الاعتراف له باي مكسب وأي حق في سورية وأن الواجب يقضي بالاستمرار في قتاله حتى اجتثاثه. أما ما يسمى “معارضة معتدلة” بالعبارة الأميركية فلا وجود لها أو نفوذ على الارض.

و على هذا الأساس نرى أن الترويج لفكرة “التوزان الاستراتيجي” التي تريد منها أميركا استباق التحرك الروسي الهادف إلى حل سياسي حقيقي  يحترم سيادة سورية و وحدتها و قرارها المستقل ، كما و الضغط من اجل تمرير خطة دي مستورا في حلب بشروط أميركا بما يحول دون استكمال تطهير المدينة من الإرهاب على يد الجيش العربي السوري ، أما في الحقيقة فلا توازن و لا تعادل يعول عليه بل أن هناك قرار سوري سيادي اتخذ لمحاربة الإرهاب و استعادة الأمن إلى سورية بكل مناطقها و هو جاري التنفيذ و يحقق عبره الإنجاز تلو الإنجاز ، و يبقى للمخلصين الباحثين عن الحل السياسي دور رئيسي في إنتاج بيئة تمكن الوطنيين السوريين غير العاملين بإملاء خارجي ، تمكنهم من تلمس طريق يخرج سورية من أزمة فرضت عليها و يقفل باب الإرهاب التي دخلت منه نار العدوان .

لكن و رغم ما في هذا الزعم (“التوازن الاستراتيجي ” ) من خبث ظاهر فاننا نرى ايجابيات هامة يمكن استخراجها منه ، اذ ان فيه تاكيد واضح باقرار غربي بان مشروع اسقاط سورية سقط ، و ان هناك حاجة للتعامل مع الحكومة السورية القائمة بصورة شرعية نتيجة لما افرزته صناديق الاقتراع التي رفضتها المنظومة الغربية سابقا ، و تأكيدا على هذا الاقرار تسعى بعض الدول الاروبية لاعادة فتح سفاراتها في دمشق ، في عودة تنبئ بان هناك افقا جديدا بدأ يرتسم في عنوانه الرئيسي وان الصمود السوري غير المعادلات الاقليمية و الدولية.

:::::

“الثورة”، دمشق