عام آخر من: سيناريوهات متحركة وهدف ثابت

عادل سمارة

في ملاقاة عام جديد، وفي عالم يقوم على الصراع لا على السلام، من المحال أن يستقبل شعب في العالم عاما جديداً بمعزل عن وضع الثلاثي الإمبريالي أمام كل كلمة وسطر يكتبه، وفاتحة لكل لحظة تفكير.

إن وحدة وصراع الأضداد في هذا العالم على اشد وضوح ممكن:

·       هي كل الشعوب والطبقات المضطَهَدة والمقهورة إما باستعمار استيطاني مباشر كفلسطين أو استعمار عسكري كمعظم القطريات العربية وخاصة الجزيرة والعراق، أو باستعمار سياسي بالإنابة كالأنظمة التابعة العربية بالإجمال أو استعمار ارهابي بالإنابة كمناطق في سوريا والعراق.او باستعمار اقتصادي على اساس التبادل اللامتكافىء

·       كل هذه الشعوب والأمم في مواجهة عسف ووحشية الإمبرياليات الثلاثة. وخاصة الولايات المتحدة. كنت غامرت في كتابي Beyond De-Linking:Development by Popular Protection 2005، بتقسيم العالم في لحظة القطبية الواحدة، إلى ثلاث مستويات من السيادة:

·       الدولة المستقلة الوحيدة هي الولايات المتحدة

·       الاتحاد الأوروبي حكما ذاتياً ، لمن يود معرفة أكثر، فليقرأ كل المواقف السياسية للاتحاد الأوروبي التي قد تتخذ شكل استقلال نسبي عن الولايات المتحدة لكها تنتهي صاغرة متفقة بل داعمة لمواقف وقرارات الولايات المتحدة.

·       وبقية العالم مستعمرات بدرجة أو أخرى.

كان ذلك قبل صعود الدول الجديدة البريكس، التي تدخل بشكل أو آخر معركة مع الإمبريالية باسمها وباسم غيرها، وهي مرشحة لتكون الطباق أو النتيجة التاريخية لصراع الضدين أعلاه.  هل ستكون البديل القطبي الذي تطمح إليه البشرية اليوم؟ هذا أمر خاضخ لشدة الصراع وطبيعة الصراع الطبقي داخل القطبية الجديدة هذه وفي مواجهة الإمبريالية أيضاً.

ولكن الحكمة المستفادة، ان بروز هذه القطبية هو إلى الأمام وهو تخفيف، بهدف إنهاء أو تخفيف لقبضة الإمبريالية عن عنق العالم.

صعود هذه القوى الجديدة والمتجددة ليس مخاضا سهلاً، بل هو حتى اللحظة في مواجهة مشروع إجهاض شرس يقوم على تحالف:

·       القطبيات الإمبريالية الثلاثة بقيادة الولايات المتحدة

·       الطبقات الكمبرادورية التابعة في المحيط وخاصة انظمة الدين السياسي كالسعودية وأنظمة الريع النفطي العربية التي تقدم للإمبريالية فائضين:

o      فائض مالي لتمويل العدوان والتخريب في كل العالم وخاصة في القطريات العربية قومية الاتجاه، العراق سابقا وسوريا حاليا

o      وفائض بشري من خريجي التثقيف الوهابي المضاد للحداثة والعلمانية وخاصة المضاد للقومية العربية

·       الكيان الصهيوني بما يختزن من خبرات العدوان وإجهاض التطور والتخريب والاغتيال والتجسس.

·       قوى الدين السياسي من الأديان الثلاثة (المحافظية الجديدة ونظيراتها في أوروبا، وقوى الدين السايسي الإسلامية وقوى الدين السياسية اليهودية الصهيوية)، وهذه جميعاً تشكل جزءاً اساسياً من المثقفين العضويين لراس المال.

·       الطابورالسادس الثقافي،  في غالبه من مثقفين قوميين ويساريين وشيوعيين مرتدين، أو تم تأسيسهم لصالح الثورة المضادة وخاصة الكثير من الأجنحة التروتسكية.

وهكذا، فإن الإمبريالية مجسدة في إمبراطورية الولايات المتحدة موجودة بشكل ما وطريقة  ما وقتل ما ونهب ما في كل بقعة من هذا العالم. واي مدخل لعمل محلي في اصغر بلد سوف يصطدم بهذا الوجود الإمبراطوري شاهراً عليه سيفه وفاغراً له فاه.

وعليه، فاي نضال محلي لن يبصر  طريقه بوضوح ولن يتجذر ما لم يقرأ العلاقة بين القوى المحلية المرتبطة بالإمبريالية وبين القوى الوطنية والقومية والثورية المضادة لها.

والارتباط بالامبريالية على مستوى البلد الواحد هو ضمن ما ورد أعلاه، ولكن لتحديد أدق فهو في البلد الواحد مكون من خاصرتين ضعيفتين:

·       النخبة السياسة الحاكمة (وهي طبعا اقتصادية مالكة)

·       والنخبة (الخاصرة) الثقافية أي مختلف انواع المثقفين الذين يصوغون للنخبة السياسية رؤيتها ويروجون تلك الرؤية والمثقفين الذين يخدمون السلطة أية سلطة أي كانت. لعل اوضح تمثيل على هؤلاء (المعارضة السورية غير المسلحة التي ترى الحل ليس سوريا بل إقليميا ودوياً،(أي ان تشترك في الحل السوري السعودية وقطر والكييان الصهيوني وتركيا). عجيبة هذ الإهانة للتارخ والحاضر!  ناهيك عن امريكا.

من يقرأ جيداً خريطة الصراع في العالم، أي المعارك الدائرة في هذا العالم وخاصة في الوطن العربي، يرى أن هناك معارك متحركة تطبيقا لسيناريوهات متحركة او متغيرة، ولكنها جميعاً تنتظم في التحليل الأخير لصالح هدف واحد هو السيطرة على العالم بالقوة المفتوحة وبأقصى عسف ممكن.

قد لا يتقبل هذا القول كثيرون ولا سيما الذين يزعمون من المحللين على الشاشات بأن الإمبريالية تتهاوى، أو بانها راحلة لقتال الصين، أو بأن سياسة الولايات المتحدة في هذا القطر العربي او ذاك تتخبط.

طبعاً، ليست الولايات المتحدة وكل الإمبرياليات ومعها أدواتها التابعة من تمفصلات الثورة المضادة، ليست هذه هي القدر المطلق. ولكن كثيرا من مؤسسات الإعلام صحف وملات ومراكز “بحث” وتلفزة وإذاعات وفضائيات عربية وعبرية وغربية خاصة وهي تفتح وقتها لمحللين يستقون معلومة من سفير أو رئيس او أمير أو عميل فيبنون عليها قناعات بعيدة، إنما لا يفرقون بين السيناريو المتحرك وبين الهدف الثابت. وهذا يضع المواطن في ارتباك.

الهدف الثابت لأعداء الأمة العربية هو تدمير ما هو قائم سواء انظمة تقدمية او بنى اقتصادية أو تماسك اجتماعي أو حتى بنية تحتية وعمرانية وسكنية وصولا إلى استدخال الأمة العربية للهزيمة بشكل طويل وحتى مؤبداً إن أمكن.

في السعي لإنجاز هذا الهدف، ودونما عودة لقرون سابقة، يكفي التذكير بأن تدمير العراق كان بسبب استعادته الكويت وهي ولاية عراقية وصولا إلى احتلاله كليا وتقسيمه طائفياً، ووصوله اليوم حالة:

وجود احتلال امريكي وعدم وجود احتلال امريكي أي تحالف سلطة بغداد وواشنطن لمواجهة داعش(أمر مضحك لا شك)، وجود دول طائفية وعدم وجود دول طائفية، ووجود كيان صهيوني على كردستان العراق، ووجود دولة داعش بصيغة صهونية كذلك. إذن باختصار لا فرق بين تحول امريكا من احتلال فعلي إلى حليف شكلي، لأن النتيجة تخدم الهدف دمار العراق.

تغزل كثيرون باحتلال العراق لأن امريكا  خلعت نظام البعث الديكتاتوري، إلى أن جاء دور معاقبة سوريا بحجة لا ديمقراطية النظام، بينما الأمر على دعمها للمقاومة العراقية بعد احتلاله عام 2003. واستكمال هدف التدمير، عبر أدوات محلية عربية وإسلامية ودولية، وها هو المشروع مستمراً. وكان تدمير ليبيا كذلك، وتدمير اليمن لم يتوقف ايضا.

ليست مصر مستثناة بل هي الأقدم بالاستهداف منذ الحقبة الناصرية حيث دور نظام الكمبرادور من السادات إلى مبارك لتصبح البلد مئة مليون من الخراب. وحين حصلت انتفاضة يناير تحرك السيناريو الأمريكي ضد مبارك ودعم حكم الجنرالات الذين مهدوا لحكم الإخوان المسلمين الذين امتطوا الحراك فأُجهض فعلا وبالطبع دعمتهم امريكا. ثم تحرك السيناريو الأمريكي لصالح حكم الخليط الحالي في مصر. لكن الهدف لم يتغير وهو دمار مصر.

  خلاصة القول، بأن من تحرر أي بلد في العالم يبدأ من فهم ومعاداة المركز الإمبريالية ومنه وصولا إلى توابعه في كل بيت.