“اوسلو ستان” و”أمم” ليندسي غراهام!

عبداللطيف مهنا

هَزُلت، وربما لا ادل من بلوغها هذه الحال، اكثر مما يعكسه بعض مما سمعناه من تفسيرات اعقبت سقوط مشروع القرار العربي المقدَّم لمجلس الأمن الدولي لتصفية القضية الفلسطينية. ولأن غالبها قد تعد العودة اليه الآن نوعاً من لغو لمجافات الحدث أصلاً للمعقولية السياسية، فليس هناك ما يستوجب منا توقفاً عندها، لكنما يهمنا هنا فحسب الإشارة الى بعض منها كاستدلال منا على ما ذهبنا اليه، ذلك، من مثل ابداء البعض لغير قليل من الاندهاش من اصرار السلطة الأوسلوية، الغير المفهوم لدى هؤلاء المندهشين وحدهم، على توقيت طرح مشروعها على المجلس، والذي كان، وبعملية حسابية بسيطة، لاتوفِّر تركيبة عضويته غير الدائمة والمشرفة على التبدُّل مع نهاية العام نصاباً لصالح مناقشته…يقول هؤلاء باستغراب لايخلو من منطق، إن السلطة لو صبرت اياماً معدودات فقط فلسوف تحل انغولا وماليزيا وفنزويلا واسبانيا، وهن من المؤيدات للطرح المقدم، بديلاً عن استراليا ولكسمبورغ ورواندا وكوريا الجنوبية، وهاته، كما هو معروف، أولاهن عارضت والبقية امتنعن عن التصويت فاسهمن كما هو المتوقع منهن في اسقاط المشروع. لكن ربما كان الحري باندهاشهم اكثر هو محاولة طارحي مشروع القرار العرب انفسهم التنصُّل من مسؤولية الإقدام على طرحه في مثل هذا التوقيت بالذات، ذلك بنسبة الأمر كله للتعنُّت والإصرار الفلسطيني، الذي رفض نصيحتهم بالانتظار أياماً قليلة فحسب حتى تبديل العضوية في المجلس…ماسبق يقال وكأنما السلطة الأوسلوية لاتعلم أو لاتتوقع سلفاً مصير مشروعها، أو بلغة أخرى، لكأنما هى لم تتعمِّد بطرحها المتعجِّل له ملاقاته لمثل هذا المصير…وايضاً أن من غطَّوها وتبنوا مشروعها وقدَّموه للمجلس باسم مجموعتهم لم يكونوا يدركون بدورهم ما كانت تدركه السلطة سلفاً، أو هم ليسوا الضالعين في ترتيبه والمساومة معها عليه!!!

نحن هنا لسنا بصدد مناقشة المشروع، أبصيغته الأصل، أو ما جرى عليها من تعديلات، أو ما تم لاحقاً من تعديلات على التعديلات، أو ما زعموا من شبه عودة بالمشروع إلى صيغته الأصل، فهذه وتلك جميعاً، سواء أَمرِّرت في المجلس، أو أُسقطت كما هو حالها آخرها، لاتتعدى مضموناً ما كنا قد وصفناه في مقالنا السابق بعملية تدويل للتنازلات سوف يؤسس عليها الصهاينة لاحقاً طلباً للمزيد منها، وكلها  بالمجمل كانت صيغاً تهبط بكثير إلى ما هو دون السقف المتدني لقليل الحقوق المشروعة التى سبق وأن اعترفت بها للفلسطينيين ما تسمى عندهم “الشرعية الدولية”…ما يهمنا هو هذا التمادي في محاولات تضليل الشعب الفلسطيني والعربي، ثم مواصلة الكذب عليهما، وآخره هذا النفخ في احبولة الإعترافات الأوروبية الرمزية والمؤجلة، أو المشروطة بالمفاوضات، كمنجز اوسلوي، وتلك التصريحات الجازمة التي خرجت من رام الله عشية طرح المشروع على التصويت قائلة بأن التحشيد اللازم للأصوات المؤيدة للمشروع قد اكتمل!!!

…كل هذا والعالم كله على علم بواحدة باتت من ثوابت هذه الهيئة الدولية، أو الملازمة لها تاريخياً، والقائلة بأنه لا من مشاريع لقرارات قد تقدَّم لمجلس الأمن ولايرضى عنها الصهاينة لن يكون الفيتو الأميركي لها بالمرصاد، أو هى لن تمرر فيه ما دامت لم تأخذ بما تدعى “الهواجس” الصهيونية، بمعنى ما ستضيفه من المراكمة التنازلية التصفوية للقضية الفلسطينية المثبِّتة لوجود الكيان الغاصب في فلسطين والمراعية لما يدعى أمنه. ثم من الذي لايدرك بعد أن كافة التجاذبات والمناورات التي دارت خلال الأشهر الأربعة الأخيرة حول صيغ المشروع قبل سقوطه، تبديلاً أو تلطيفاً، أو بالأحرى تفريغاً من مضمونه، والتي تصدَّرها النفاق الأوروبي الملوِّح بجزرة الاعترافات لكنه سرعان ما امتنع عن التصويت عندما آن أوان مراهنة الواهمين عليه، إنما كانت لتجنيب اميركا اللجوء لهذا الفيتو، لاسيما في ظل راهن تحشِّد فيه تحت بيارقها ماتيسر لها من حلفاء في منطقتنا لمواصلة حروبها الإرهابية على ما يسمى بالإرهاب؟؟!!

لقد استعجلت السلطة بطرحها لمشروعها، الذي لم يهدف اصلاً إلا لتسهيل العودة لطاولة المفاوضات وتحسين شروطها، وهي تعرف سلفاً مآله، ذلك لأنها لاتريد له نصاباً يستدعي اشهار الفيتو، بمعنى الاصطدام براعي خيار مفاوضاتها التي لاتريد لها بديلاً، أو مامن خيار لديها سواها، وبذا تحققت للأمريكان مشيئتهم، وارتاح صهاينتهم فاراحوهم، وتجلى هذا الارتياح علناً في تصريحات سعيدة بكون الأمم المتحدة بدت مع استمرار الاحتلال، وشامتة بالسلطة لما عدته فشلاً ذريعاً لها، ومنهم من بات يطالب الآن بمعاقبتها وحتى بحلها…توقيعها لاحقاً على المعاهدات الدولية هو خطوة صحيحة طال تأخرها، أما جدواها فرهن بوضعها في اطار مؤسسي مستقل مهمته البدء في ملاحقة المحتلين، أي بعيداً عن اكتنازها كمجرَّد ورقةً يلوَّح باستخدامها في بازارات المساومات التفاوضية…والسؤال هنا، وماذا عن التنسيق الأمني؟!

…قبل أيام صدح السيناتور الأميركي الجمهوري، ليندسي غراهام، رئيس لجنة الميزانيات الخارجية في الكونغرس ذو الأغلبية الجمهورية، في تل ابيب مطمئناً صهاينته بأن بلاده “ستوقف التمويل السنوي الذي تقدِّمه للأمم المتحدة إذا قرر مجلس الأمن اتخاذ قرار بشأن المبادرة الفلسطينية”…وحتى اسمع نتنياهو ما سوف يرحل اوباما من البيت الأبيض دون ان يحلم بسماع مثله: “سيدي رئيس الحكومة في كل ما يتعلق بإيران، الكونغرس سيسير من خلفك”!!!

…أسقط مشروع القرار العربي نفسه على عتبة مجلس الأمن، وإذ لا من أسف عليه، فالمنتظر أن يخلفه نشاط تصفوي متجدد لأوروبا الأميركية، وإذ لن يبرح فلك مشيئة اميركا ليندسي غراهام، فلا من هدف له إلا الإحالة الى مابعد انتخابات الكيان الصهيوني الأميركي.