عرض كتاب: “حكام العالم الجدد” لمؤلفه جون بيلجر

ايمان زيادة

 

يعتمد هذا الكتاب على الفيلم الوثائقي الذي أعده جون بيلجر تحت عنوان (حكام العالم الجدد) رصدا لمخططات واهداف الهيمنة والنفوذ التي تسلكها الدول الكبرى لتتحكم من خلالها في العالم الراهن، حيث شرح بعض جوانب النظام العالمي الجديد.  يؤكد الكتاب أهمية كسر الصمت الذي تحتمى به القوة العظمى، وتدارى بها ألاعيبها، ولإحكام قبضة السيطرة على نمط العلاقات الدولية وذلك عبر تقسيم الكتاب إلى ثلاثة فصول تناول الفصل الأول: “التلميذ النجيب” حالة اندونيسيا، ويكشف في هذا الفصل كيف تم قتل نحو مليون إندونيسي ثمناً كي تصبح إندونيسيا “التلميذ النموذجي” للبنك الدولي، ويسعى  الفصل المنشور تحت عنوان: “دفع الثمن” لمأساة حصار العراق قبيل الغزو الأمريكي، والثمن الذي دفعه شعب العراق في إطار الحصار الذي فرضه عليه الغرب لأكثر من عقد من الزمن، وما حدث في افغانستان لا يختلف كثيرا عن ما جرى في العراق وغيرها وهي احداث “اللعبة العظمى” التي تشكل الفصل الثالث في الكتاب للحرب التي خاضتها الولايات المتحدة في افغانستان بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر تحت عنوان الحرب على الارهاب مستخدمة الآلة الإعلامية الرهيبة لتلوين الحقائق بما يخدم هذه المصالح وتوزيع القوى والنفوذ في العالم. أن ما يربط بين فصول الكتاب هو إعادة ذلك الاستعمار القديم وإعادة الاعتبار والاحترام إليه تحت مسميات العولمة والحرب على الارهاب.

يبين الكاتب الأهداف الحقيقية للهيمنة الأمريكية حيث تمتلك الولايات المتحدة نصف ثروات العالم في حين يبلغ  سكانها 6% من سكان العالم وأن ثراءها وقوتها تعتمد على الإبقاء والمحافظة على هذه الفجوة وهذا هدفها الاستراتيجي.

يكشف الصحفي الاسترالي جون بيلجر في هذا الكتاب عن الوجه الآخر للعولمة. الوجه الذي حَرِص مدّعوها على إخفائه. ويتحدث عن الجرائم الإنسانية التي ارتكبت تحت ذريعة التدخّل الإنساني النوايا المبيتة لهؤلاء الذين يتلاعبون بأقدار العالم من خلف الستار وطبقا لقول الكاتب فإن علاقات القوة في العالم شكل إمبريالي صرف يحابي الأقوياء على حساب الضعفاء، ويتناول المؤلف بالشرح والتحليل المخططات، التي تضعها القوى العالمية لتحقيق أهداف السيطرة مما يمتع القارئ بسرديات ومعلومات مثيرة التقطتها عينه الصحفية الخبيرة من إندونيسيا إلى أفغانستان إلى العراق وذلك عبر محاولة ابراز المخططات الاستعمارية الأمريكية الجديدة لتبديل شكل المنطقة حيث تشكل امتدادا لتلك المخططات التي كانت ممتدة لعقود خلت. الحكام الجدد للعالم هم نفس الحكام القدامى لكن بوجوه جديدة وتقنيات سيطرة جديدة. صاغها الكاتب على شكل تحليلات معمقة وبأن هناك رغبة أمريكية جارفة وصراعية ازاء الحفاظ على الوضع القائم لتوزيع القوى والنفوذ في العالم تحت مسميات جديدة للعولمة. حيث لم تعد اليوم الامبريالية التقليدية المتمثلة بالغزو العسكري، فهناك امبريالية جديدة غير مباشرة تستخدم التكنولوجيا، والشركات العابرة للقوميات، وشعارات معولمة.

نبذة عن الكاتب:

 

جون بيلجر صحفي أسترالي مقيم في لندن. ناقد قوي للسياسة الأمريكية والبريطانية الخارجية، فاز بيلجر بجائزة الصحفي البريطاني للعام، وحصلت أفلامه الوثائقية التي عرُضت دولياً على جوائز في بريطانيا ومختلف أنحاء العالم.

المؤلف: جون بيلجر، اسماعيل داود، مترجم. عنوان الكتاب: حكام العالم الجدد، دار النشر: القاهرة: الهيئة المصرية العامة، 2008، عدد صفحات الكتاب: 1-257.

 أسئلة كثيرة يطرحها الكاتب في عالم يواجه شبح حرب كبرى، ولعل اهمها العنوان الأساس للكتاب ومن أبرز هذه التساؤلات: هل سيتمكن حكام العالم الجدد من فرض الهيمنة على العالم، والمنطقة العربية في مقدمته وعلى رأسه؟ وهل سينتهي الأمر بانتصار القطب الأوحد، وفرض هيمنته المنفردة على الكون بإسره؟ وهل ستكون هذه نهاية التاريخ، وانتصار الحضارة الغربية في صراعها، لتكتسح أمامها كل ما أقامته شعوب العالم من الحضارات على امتداد تاريخها؟ وهل سيكون هذا هو ختام المسرحية ونهايتها، أم ان قوى العالم ستلم شملها من جديد، لتواجه هذه القوة الطاغية الباغية؟

كلمات مفتاحية: حكام العالم الجدد، التلميذ النموذج، دفع الثمن، اللعبة العظمى، الامبريالية، الاستعمار الجديد، الإرهاب.

الفصل الأول: التلميذ النموذج(اندونيسيا)

 

يستعرض بيلجر المثال الإندونيسي لآليات السيطرة العالمية وتدخل القوى الكبرى خلال الستينات والسبعينات، ويأتي عنوان هذا الفصل تعليقا على الوصف الذي أطلقه البنك الدولي على اندونيسيا: التلميذ النموذج للعولمة، موضحا كيف تدخلت المؤسسات المالية والدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لصياغة برامج الإصلاح الاقتصادي في معظم دول العالم الثالث بما يخدم مصالح الولايات المتحدة  والقوى الغربية وضمان التحويلات المالية المتدفقة من الجنوب إلى الشمال، ويتخذ المؤلف اندونيسيا كمثال للعالم الثالث الذي يواجه هذه المخططات حيث كانت مهمة البنك والصندوق الدوليين في إندونيسيا هي توجيه التلميذ النموذج نيابة عن الحكومة الاندونيسية من أجل فرض نظام السوق الحر على إندونيسيا مما ادى إلى اغراق المنطقة بالديون. ويروى القصة التي تحكى كيف أن الاقتصاد العالمي في آسيا قد ولد من رحم حمام الدم الذي جاء بالجنرال سوهارتو إلى السلطة في عامي 65-1966  عبر تحليل آليات السيطرة العاليمة على اندونيسيا  والتغاضي عن سياسات سوهارتو الدموية بسبب تحالفه الوثيق مع الغرب، أو بسبب انصياعه التلميذي لما يطلبه  منه اساتذته. ورصد بيلجر عبر الفيلم الوثائقي والتاريخ “القادة الجدد للعالم” الذي عرض عام 2001  لقاء تم في جاكرتا عام 1967 بين وفود غربية واركان النظام الإندونيسي وتم فيه ترتيب اوضاع الاقتصاد الاندونيسي بشكل يربط عجلة ذلك الاقتصاد بالاقتصاد الغربي. حاول هذا الفصل ابراز الاثار السلبية والنزعة الاستهلاكية للعولمة ولسياسات البنك الدولي في اندونيسيا التي تتمثل في الاقلال من الفقر والنهوض بمستوى الفقر، وخلال السنوات الخمس والثلاثين من حكم سوهارتو الديكتاتوري انهمر سيل من رأس المال العالمي على اندونيسيا وقدم البنك الدولي أكثر من ثلاثين بليون دولار وتولى البنك الدولي أنذاك مهمة تلقين دروس التلميذ المثالي اندونيسيا محاولة لمحاربة المد الشيوعي فيها، والقضاء على نظام سوكارنو أحد مؤسسي حركة عدم الانحياز. وفي عام 1998 أجبر الجنرال سوهارتو على التنحي، بعد ثلاثين عاما من الحكم الديكتاتوري بعد ان استولى على ما يقدر بخمسة عشر بليون دولار كمكافأة تقاعد وهو ما يعادل 13% من الديون الخارجية التي يعود معظمها إلى البنك الدولي.

 أن جنين العولمة في آسيا قد بدأ حياته في رحم حمام الدم الاندونيسي من اجل الحفاظ على المصالح الغربية في منطقة جنوب شرق آسيا، باعتبارها المنتجة الأهم للعديد من المصالح الأساسية، دون أدنى اهمية لمصالح عشرات الملايين من الشعب هناك. كان الحزب الشيوعي الاندونيسي هو الحزب الأكبر في العالم خارج نطاق الاتحاد السوفييتي والصين واستطاع هذا الحزب أن يكسب تأييداً واسعا، ليس باعتباره حزبا ثوريا وانما باعتباره تنظيما يدافع عن مصالح الفقراء في إطار النظام القائم وكانت هذه الشعبية التي آثارت الانزعاج لدى الأمريكيين فعلى غرار فيتنام في الشمال، كان يمكن لاندونيسيا أن تتحول إلى الشيوعية. ومنذ أوائل الستينات كان هناك ضغطا قويا على اندونيسيا لتفعل ما يريده الأمريكيون.  كان سوكارنو يريد أن يقيم معهم علاقات طيبة، ولكنه لم يكن يريد نظامهم الاقتصادي وبالنسبة لأمريكا، فإن هذا ليس ممكنا على الاطلاق، ولذلك أصبح عدواً. لم يكونوا في ذلك الوقت يطلقون على ذلك اسم العولمة ولكنها هي الشيء ذاته، وعليه استمرت المساعي الغربية لادماج الاقتصاد الاندونيسي مع الاقتصاد العالمي عبر سياسات الصندوق والبنك الدوليين مما ادى إلى زيادة حدة الديون، والفقر، والبطالة.

الفصل الثاني: دفع الثمن(العراق)

 

يتناول هذا الفصل حالة العراق والحصار المستمر منذ 18 عاما العراق قبيل الغزو الأمريكي وآثاره على الشعب العراقي، حاولت  الولايات المتحدة الهيمنة على المنطقة ، حسب تعبير المؤلف عبر برنامج النفط مقابل الغذاء والتحكم بالبضائع والادوية التي تدخل العراق نظرا لتزايد حالات الفقر، والبطالة، والامراض، وارتفاع معدل الوفيات بين الافراد عبر محاولة تفسير عبارة دفع الثمن والتساؤل عمن يجب أن يدفع الثمن في العراق؟ ويطرح الكاتب هذا التساؤل كثيرا في هذا الفصل، ويجيب عليه بأن الاطفال هم من يدفعون الثمن. أبرز مثال على ذلك اليورانيوم المنضب الذي ادى إلى احداث تشوهات بين الأطفال، ويحاول الكاتب في هذا الفصل وصف وتحليل المشاهد التي تعرض لها اطفال العراق من قبيل الالة العسكرية الأمريكية التي ادت إلى احداث تشوهات خلقية ناتجة عن اليورانيوم والتلوث الاشعاعي الذي ادى إلى اصابة الكثيرين بمرض السرطان ووفاتهم، وعند استعراضه لفيلمه التسجيلي عن العراق “دفع الثمن” بدافع وصف معالم الألم التي بدت واضحة على ملامح الاطفال الذين يموتون نظرا لعدم وجود الأدوية العلاجية الكيماوية هذه الاثار الناجمة عن الحصار الاقتصادي على شعب العراق.

لقد قام هوليداي بادارة ما يسمى برنامج النفط مقابل الغذاء، والذي سمح للعراق بمقتضاه منذ عام 1996 ببيع جانب من نفطه مقابل النقود التي تتجه مباشرة إلى حساب يسيطر عليه مجلس الأمن. يقول بيلجر ان الولايات المتحدة وبريطانيا تعدان حربا جديدة ضد العراق بتهمة حيازة وتصنيع أسلحة الدمار الشامل. وفي عام 1991 أقر مجلس الأمن بمقتضى القرار 287 بأن الحظر المفروض يتم رفعه اذا ما تخلص العراق من أسلحة الدمار الشامل وهي(الأسلحة النووية، والكيماوية) ومع بلوغ عام 1998 كانت البنية الأساسية للأسلحة الكيماوية قد تم تفكيكها أو تدميرها بالكامل أما برنامج الأسلحة النووية فقد تمت تصفيته بالكامل، وبالنسبة لبرنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى فقد تمت ايضا تصفيته بالكامل.

أن الغالبية العظمى من اعضاء مجلس الأمن يرغبون في تخفيف العقوبات بشكل ملموس أو إلغائها إلا ان الهيمنة الأمريكية على مجلس الأمن قد وصلت إلى الحد الذي يمكن الممثلين الأمريكيين والبريطانيين في لجنة العقوبات من القيام وحدهم بالاعتراض على العقود أو تعليق تنفيذها. ويرى بيلجر ان الهدف الأمريكي الغربي من وراء العقوبات والحصار اقامة نظام حليف يسهل لها اهدافها في المنطقة ويضمن ديمومة تصدير النفط بالأسعار المطلوبة وفق ما تراه عواصم الغرب. لخدمة المخطط الأمريكي في تحطيم القوى المناوئة للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

لقد تم استخدام برنامج النفظ مقابل الغذاء باعتباره غير كاف لمعالجة الوضع الانساني المتردي والذي لا يمكن التجاوز في وصفه.

 أن الاطفال هم الضحية الأساسية، حيث تصاعد معدل الوفيات بين الاطفال من واحد من أكثر المعدلات انخفاضاً في العالم قبل عام 1995 إلى المعدل الأول على الاطلاق. ويتسائل الكاتب مجدداُ هل هذا الثمن المدفوع زيادة حالات الوفيات بين الاطفال.

ان المخابرات الأمريكية هي التي اوصلت صدام حسين حزب البعث إلى السلطة، وتقديم العون له شخصيا، ولتزويده بالمساعدات المالية خلال الحرب ضد ايران، ولتوفير الحماية له من الانقلابات الداخلية، ويصف الكاتب الطريقة التي قامت بها الولايات المتحدة لدعم النظام الحاكم في العراق ضد إيران وتوريطه في الحرب على الكويت بقصد استنزاف قوة النظام وافشال أي مسعى لتحقيق الاعتماد على الذات هذا المسعى الذي كانت العراق تحاول سلوكه فعلى سبيل المثال: كان معدل التعليم في عام 1989 في العراق أكثر من تسعين في المائة وكان العراق قد وصل إلى مرحلة جعلته بين بعض افضل الدول في العالم من حيث المؤشرات الأساسية التي تستخدمها لقياس الرفاهية الشاملة التي يتمتع بها الناس في بلده بمن فيهم الأطفال، أما الأن فإنه قد هبط إلى ليصبح بين العشرين في المائه من دول العالم الأكثر فقراً، ويتنقل الكاتب بين هذه الافكار من اجل الوصول الى نتيجة مفادها أن الولايات المتحدة لا تريد الشعب العراقي ان يتولى زمام أموره بيده حيث أن صانعي القرارات الأمريكيين والبريطانيين قد قاموا باستغلال المشاعر الإنسانية الشعبية لخدمة الأغراض النفعية للسياسة أن هذا هو النهج الذي ينحدر مباشرة من السياسة الاستعمارية البريطانية التي استمرت منذ الحرب العالمية الأولى فصاعداً حتى الآن. كوسيلة للسيطرة على النفط العراقي “فرق-تسد”  كانت وما زالت السياسة. ويتساءل الباحث مجدداً من الذي يجب أن يدفع الثمن، وذلك عبر تسليط الاضواء على فكرة ان الحكام الجدد للعالم هم نفس الحكام القدامى لكن بوجوه جديدة وتقنيات سيطرة جديدة.

الفصل الثالث: اللعبة العظمى

 

ان عنوان هذا الفصل كاف لتوضيح الفكرة التي يريد الكاتب ايصالها للقارئ  ويقصد بها الدول الكبرى لعبة الشطرنج تنتقي الدول الصغرى كما تشاء، يصف الكاتب في هذا الفصل الآليات العسكرية الأمريكية والقنابل العنقودية وهي تتطاير على اجساد أطفال افغانستان، ان القنابل العنقودية هي بدورها نوع من الألغام هذه هي طبيعة الحرب ضد الإرهاب، ويصف بيلجر المعاناة الانسانية للاطفال والمشردين في افغانستان متسائلا هل هذه هي الحرب ضد الارهاب؟ وهل هذه هي الحضارة التي يتفاخر بها العاملون في واشنطن وبريطانيا وغيرها من الدول الغربية؟ وهل حالات القتل الجماعي والإرهاب والبربرية قد أصبحت ممارسات معهودة من قبل الدول الغربية؟ يحاول الكاتب في هذا الفصل اثبات صحة فرضيته بأن الاهداف المخفية وراء الاستعمار لم تتغير كل ما تغير هو الوسيلة في السابق كان الغزو الاستعماري  عبر القوة العسكرية أما في الوقت الحالي فأصبح عبر التكنولوجيا وادوات العولمة، ولم يتغير اللجوء إلى إخفاء الأهداف الحقيقية خلف الادعاءات الأخلاقية من جانب أكثر الدول ثراء في العالم، خلال استخدامها لقوتها العسكرية المرعبة ضد أكثر دول العالم فقرا وكل هذا تحت اسم الحضارة.

انطلقت الشرارة الأمريكية ضد اسامة بن لادن بعد احداث 11 سبتمبر 2001 فقادة الحزبين الاسلاميين في باكستان، ذكروا أنهم قد تفاوضوا حول تسليم اسامة بن لادن إلى باكستان، وعلى الرغم من ان الأمريكيين لم يقدموا أي دليل يمكن محاكمته بناء عليه بشأن الهجوم على برجي المركز التجاري في نيويورك، وعندما بدأ قصف أفغانستان كان الادعاء الكاذب من جانب الحكومتين الأمريكية والبريطانية بأنه “لم يكن مطروحا على الإطلاق أي بديل سلمي آخر” وانطلاقا من روح اللعبة العظمى عنوان الفصل الثالث كما صورها اللورد كيرزون فإن قصف افغانستان قد استهدف استبدال قبائل غير مرغوب فيها بقبائل أخرى مفضلة.

ويؤكد الكاتب انه ليست هناك حرب ضد الإرهاب فمثل هذه الحرب ليست ممكنة ما دام الائتلاف الذي يشنها يضم البعض من الدول التي تقود الإرهاب في العالم: الجزائر وتركيا وروسيا والصين واندونيسيا ويخوضها متحالفا مع الولايات المتحدة. ويحاول الكاتب الوصول إلى استنتاج مفاده ان عمليات البحث عن أسامة بن لادن تبدو مشهداً هزليا إن الهدف هو فرض السيطرة من خلال الانظمة التابعة على جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية سابقا وهي المنطقة الغنية بالنفط والمعادن وذات الاهمية الاستراتيجية العظمى في مواجهة القوى المنافسة وهي روسيا والصين.

ذكر وزير الخارجية الأمريكي كولن باول: إن أمريكا سيكون لها في وسط آسيا مصالح مستمرة ووجود مستمر بشكل لم نكن نحلم به قبل اا سبتمبر فالهدف هو غزو أمريكي أوسع مدى بكثير على المستويين العسكري والاقتصادي هذا هو الهدف الذي تم التخطيط له خلال الحرب العالمية الثانية وعقب 11 سبتمبر 2001 لم يكن هناك من هو أكثر حماسا في الدعوة إلى الإطاحة بنظام طالبان من صحيفة وول ستريت جورنال، وقبل ذلك بخمس سنوات كان الصوت الأصيل لرأس المال الأمريكي يطلق نغمة مخالفة تماما كانت نفس الصحيفة تطرح بأن طالبان هي اللاعب الأكثر قدرة على إقرار السلام في افغانستان خلال هذه اللحظة من التاريخ، وفضلا عن ذلك فإن نجاحها على نحو ما تقول ذات الصحيفة يعد أمراً بالغ الحيوية لتأمين أفغانستان كطريق أساسي إلى موانئ الشحن لصادرات آسيا الوسطى الهائلة من النفط والغاز وغيرهما من الثورات الطبيعية.

يطرح بيلجر بأن أكثر معالم الاستعمار الجديد وضوحا تلك التي صاغها زبيجينو بريجنسكي، مستشار العديد من الرؤوساء الأمريكيين، وواحد من أكثر المنظرين نفوذا في واشنطن.  كتب بريجنسكي يقول منذ أن بدأت القارات في التدخل سياسيا منذ خمسمائة عام كانت أور- آسيا هي مركز القوة العالمية ومفاتيح السيطرة على هذه المنطقة الواسعة من العالم هو آسيا الوسطى وكتب يقول ” ما هو الأكثر اهمية لتاريخ العالم: الطالبان أم تهاوي الامبراطورية السوفيتية؟ بعض المسلمين المستشارين أم تحرير أوروبا الوسطى؟ وقد جاء رد المسلمين المستشارين في 11 سبتمبر 2001. ويقول بريجنسكي “لقد تم انجاز الاسبقية الأولى، وهي الاخضاع الاقتصادي للقوة العظمى السابقة. فما أن تهاوى الاتحاد السوفيتي- كما كتب يقول حتى تمكنت الولايات المتحدة من الاستيلاء على نحو ما يقدر ب 300 بليون دولار من الممتلكات الروسية وقد استبعد بريجنسكي فكرة نشوب حروب محلية كردود على الارهاب.” بل قد اعتبر ان هذه الحروب يمكن ان تكون البداية للصراع النهائي الذي يقود حتماً إلى تفكك الحكومات الوطنية، واحكام الولايات المتحدة لهيمنتها على العالم. وكتب يقول “لوضع الفكرة في الصيغة الاصطلاحية التي تعود إلى العصر الأكثر وحشية في الامبراطوريات القديمة، فإن الحتميات الثلاث الكبرى للجيو استراتيجي الجغرافيا الاستراتيجية للأمبريالية تتمثل في 1- الحيلولة دون التآمر والإبقاء على الدول التابعة في حالة من التبعية الأمنية2- الابقاء على الاتباع طبيعيين وشاعرين بالحماية 3- الحيلولة دون التقاء البرابرة مع بعضهم البعض.

كتب توماس فريدمان حارس السياسة الأمريكية في صحيفة نيويورك تايمز، يقول “إن اليد الخفية للسوق لن يكون في إمكانها العمل اطلاقا دون قبضة خفية، ف ماكدونالدز لا يمكنها ان تحقق الازدهار دون وجود ما كدونيل دوجلاس مصمم المقاتلة إف- 10 والقبضة الخفية التي تبقى على العالم مكاناً آمنا” والقوة الأمريكية الحقيقية غالبا توصف بأنها اقتصادية: تلك القوة المتاحة لدولة تسيطر على أكثر من ثلث مصادر الثروة في العالم.

ويستعرض الكاتب في هذا الفصل السياسات التي قامت بها الولايات المتحدة لبسط السيطرة والنفوذ على العالم عبر مؤسسات بريتون وودز لعولمة الفقر واستخدام الديون كسلاح وادى هذا الأمر لتكوين نخبة تضم اقل من بليون من البشر تهيمن على ثمانين في المائة من ثروات العالم بواسطة الهيئات التي تديرها واشنطن.

يقر البنك الدولي أن برامج التصحيح الهيكلي القائمة على أساس الخصخصة، والاستدانة، وتدمير الخدمات العامة قد ادت إلى المزيد من الافقار وكان لها الأثر السيء على نسبة ضخمة من سكان العالم.

لقد جاءت احداث 11 سبتمبر لتؤكد فكرة توماس فريدمان عن اليد الخفية للعولمة ربما بأكثر من أي وقت مضى. فالحروب الاقتصادية الأمريكية يساندها في الوقت الحالي ذلك التهديد الدائم بالهجوم العسكري على أية دولة دون الحاجة إلى غطاء قانوني. يوضح هذا الفصل خطورة الخطاب الاستعماري الغربي الأمريكي والبريطاني لتبرير السيطرة على الشعوب والدول الأخرى والاستيلاء على ثرواتها ومواردها تحت عنوان الحرب ضد الارهاب. ان الخطاب الاستعماري الغربي المتجسد في الأنا مقابل الأخر  يبدو واضحا جدا في الفصل الثالث من الكتاب، حيث ذكر روبير كوبر، مستشار الشؤون الخارجية لتوني بلير أثناء وجوده في المعارضة، وفي عصر الميديا تأكد هذا الأمر من خلال التكرار المستمر للحقائق المسلم بها، والمتنكرة في شكل الأخبار وأبرز المثال على ذلك كما ذكر: “أن حياة البعض من الناس لن  تكون لها قيمة. ان مصرع هؤلاء الذين ينتمون إلينا (نحن) يعد جريمة، أم الآخرون فلا يعدون ضمن الناس.

ويستعرض الكاتب في هذا الفصل إسرائيل مثالا للكشف عن مدى الدقة في رسم حدود الموضوعية الإعلامية. فعلى مدى خمسة وثلاثين عاماً على الاقل كان حرمان الفلسطينيين من حقهم في العودة إلى مواطنهم، رغم ما في ذلك من مخالفة للعديد من قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، وفي مطالبته لإسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية وغزة واستخدام مجلس الأمن كلمات مماثلة إلى حد مدهش لتلك التي استخدمها للمطالبة بانسحاب العراق من الكويت في عام 1990، عندما رفض العراق الانصياع كانت مهاجمته من جانب الائتلاف الذي قادته أمريكا، وكان تحرير الكويت. ولكن عندما رفضت إسرائيل الانصياع كانت مكافأتها بتلقي المزيد من الدعم الاقتصادي والعسكري الغربي بوجه عام، والأمريكي في الأساس. فالإسرائيليون لقوا حتفهم بواسطة الارهابيين أما الفلسطينيون فقد سقطوا صرعى إثر صدام مع قوات الأمن ونادراً ما يكون هناك تمييز بين القوة العسكرية الضخمة المسلحة وبين حشود من الشبان الذين لا يتوافر لهم سوى المقلاع التي يقذفون بها الحجارة.

يقول نيال فيرجسون “إن الإمبريالية يمكن ان تكون كلمة قذرة. ولكن عندما يدعو توني بلير في الأساس إلى فرض القيم الغربية مثل الديمقراطية وغيرها. فإن هذه في الواقع هي لغة الامبريالية الليبرالية. إن العولمة السياسية مجرد تعبير جذاب عن فرض آرائك وممارساتك على الآخرين، ووحدها أمريكا هي التي يمكن ان تتولى قيادة هذا العالم الامبريالي الجديد. ذكر الكاتب أن توني بلير، كان مغرما بالترويج لفكرة نهاية الأيديولوجيا وبعدها أصبحت الايديولوجيا التي شارك فيها طبقة بكاملها من السياسيين والإعلاميين تشكل في واقع الأمر واحدة من أكثر الأيديولوجيات نفوذا في الحقبة المعلصرة. ويزداد تآثير هذه الايديولوجية نتيجة ارتباطها المستتر بالواقع لعدم المساواة، استنادا إلى الطبقة أو الثروة.

هؤلاء القائمون على تدريس الإنسانيات يتهامسون شاكين أن الجامعات قد تحولت إلى كليات للتدريب على المهن ويسيطر عليها الحصول على تمويل من الذين يتولونها بالرعاية وبالحفاظ على الصمت، سمحت هذه الجامعات للحكومات بتقليص تلك الثروة من المعلومات التي توضح مسار الأحداث في العالم، معلنة بأنها ليست ذات بال وتحول دون تدفق التمويل مما يثير الدهشة أن تكون أقسام الدراسات الانسانية- وهي الغرف المولدة للأفكار والانتقادات- على وشك الاحتضار. فعندما يخدم الأكاديميون صوت معارفهم، فإلى من يمكن أن يلجأ الجمهور؟

ويتسائل الكاتب مجدداً حول عنوان الحرب على الارهاب وحول احداث 11 سبتمبر والهجوم الأمريكي على طالبان في الوقت الذي كانت به هذه الجماعة الحليف الأساس للولايات المتحدة، ويختم الكاتب بالقول بأن وظيفة الأمم  المتحدة قد تضاءلت لكي تصبح مجرد القيادة بادارة مستعمرات؟ ومن سيتمكن من إزاحة رقعة الشطرنج جانبا ليوضح بأن الارهاب لن يقدر له أن يتراجع ما لم يتم رفع القدر الهائل من المعاناة والظلم وعدم الشعور بالأمن عن كاهل الشعوب؟ فالأمر كما عبر عنه مارتن لوثر كنج ” لقد جاء الوقت الذي يصبح فيه الصمت خيانة. وذلك هو الوقت الذي نعيشه الأن.”

الخلاصة:

 

تتميز لغة الكتاب بسهولة تشعر القارئ أن المؤلف يخاطبه، وفي عدة فصول من الكتاب، ، يكشف الصحفي الاسترالي جون بيلجر في هذا الكتاب عن الوجه الآخر للعولمة. الوجه الذي حَرِص مدّعوها على إخفائه. يمتع القارئ بسرديات ومعلومات مثيرة وافلام وثائقية، التقطتها عينه الصحفية الخبيرة من إندونيسيا إلى أفغانستان إلى العراق وذلك عبر محاولة ابراز المخططات الاستعمارية الأمريكية الجديدة لتبديل شكل المنطقة حيث تشكل امتدادا لتلك المخططات التي كانت ممتدة لعقود خلت. الحكام الجدد للعالم هم نفس الحكام القدامى لكن بوجوه جديدة وتقنيات سيطرة جديدة. وذلك بدافع تنفيذ مخطط كان يجري تنفيذه بكل العمد والإصرار لفرض التسلط والهيمنة الإمبريالية الجديدة، وفي ظل العولمة وتحت رايتها. بالإضافة الى مهارة الكاتب في استعراض النص عبر الانتقال من موضوع إلى أخر بين الفصول بشكل مترابط مما يجعل القارئ على اتصال مباشر بالموضوع، يعتبر هذا الكتاب كتاب مهم لأنه يكشف الوجه الأخر للامبريالية الغربية التي حرص حكامها الجدد على اخفاءه.