فلسطينيو المصيدة والريع الذي “لن يجفف”

عادل سمارة

بماذا يمكننا وصف وضع فلسطينيي الأرض المحتلة بغير تسمية “فلسطينيو المصيدة”. أعلم  من كثيرين أنهم لم يرتاحوا لوصفي هذا. كما لا أرتاح له كفلسطيني في المصيدة ايضاً. لكن تعليم الحياة يوجب علينا درجة من الصراحة المُرَّة ناهيك عن توفر فرصة قول الحقيقة لمن لا يشغل دوراً في إحدى الخاصرتين الرخوتين في الأرض المحتلة:

  • الخاصرة الرسمية سياسيا وطبقياً بالطبع اي السلطة وراس المال التابع والمستفيد من الريع
  • ومثقفي الطابور السادس ، مثقفي السلطة والتسوية العضويين

في وضع كهذا، يصبح قول الحقيقة واجب ملح وطنيا وأخلاقياً.

نعم هي المصيدة، وهذه مسألة غير مسألة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني غير منفصلة عنها ولكن لها خصوصيتها بما يسمح لهما أن تتكاملا.

هذه مسألة سياسية محلية طبقية تتقاطع مع وجود الاحتلال وتتناقض معه، في حالة من التمفصل الذي لا يحسمه سوى طرد الاحتلال.

ترتد جذور المصيدة إلى بدايات منظمة التحرير الفلسطينية حيث اعتمدت على تدفقات مالية من مصادر مشبوهة تماماً هي الأنظمة العربية الاحتوائية وتحديداً أنظمة الريع النفطي التي لا يمكن لها تمويل حركة مقاومة ضد الكيان الصهيوني الإشكنازي ما لم يكن ذلك بقرار الإمبريالية ولاسيما الولايات المتحدة.

بكلام مختصر، كان هذا المال لأجل بقرطة منظمة التحرير وتحويلها إلى شكل دولاني بدل أن تبقى حالة حرب تحرير (حرب غوار) وهو ما انتهى إلى اجهزة دولة دون قدرة على التحرير ولا حتى على مناوشة العدو وإرباكه رغم عدم إنكارنا للتضحيات التي قامت بها المجموعات المقاتلة بصدق وإخلاص.

ما يهمنا في هذا السياق هو أن علاقة هذه المنظمة بالواقع العربي تم تحويلها من العلاقة الحقيقية والطبيعية بحركة التحرر الوطني العربية إلى علاقة بين قيادة المنظمة والأنظمة العربية. علاقة بالرسمي وليس بالشعبي. وبالطبع ساهم في تقوية هذه العلاقة المشوهة أن المنظمة ولدت في الوقت الذي كانت أمها الطبيعية في غيبوبة طويلة اي المشروع العروبي. وهذا ما اشرت إليه منذ عشرات السنين.

لم يكن تجنيَّاً القول بأن مظمة التحرير الفلسطينية هي أغنى ثورة في العالم. أما تسمية ثورة فلم يتبناها كاتب هذه السطور لأنها بقيت ولا تزال في نطاق ومستوى حركة مقاومة لا ثورة. وقد لا تكون مبالغة اليوم إذا قلنا إن أغنى  حركة حرب عصابات اليوم هي الحركات الإرهابية القاعدة وخاصة داعش. والمثير أن ممول منظمة التحرير هو ممول داعش والقاعدة! نصل هنا إلى مفارقة تحتاج بحوثا واسعة.

وحيث غدا الاعتماد على الدفوقات المالية من أطراف في افضل أحوالها gيست ضد الكيان الصهيوني فقد اصبح الاعتماد على الريع والتماشي معه أمراً عادياً، بل هو القوام المالي الطبيعي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

لذا، صار من الطبيعي بعد هذا التدجين وبعد الرحيل إلى تونس 1982 أن يتم نقل هيكل “الدولة” من تونس إلى غزة واريحا وهو ما كان بموجب اتفاق أوسلو والذي أطلقت عليه “اوسلو-ستان”.

وحيث أُقيمت سلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وغزة دون طرد الاحتلال، اي بقرار امريكي صهيوني، فلم يكن أمام قيادة هذه السلطة سوى القبول بما نص عليه الاتفاق من جهة، والعجز أما  خرق الكيان لأي من بنوده من جهة ثانية رغم بؤس بنوده وجوهره.

لم يكن هذا الاتفاق استقلاليا باي معنى، ولم يحتوي على اي نص سيادي لا على الأرض ولا على بطنها ولا سمائها ولا على الحدود ولا حتى على تعداد النفوس. ولأنه لم يكن سيادياً، فلم يكن بوسعه تبني اية سياسة تنموية وخاصة في بلد فقير الموارد مما يجعل السياسة التنموية أمر حياة أو موت.

  من هنا بدأ الدخول في المصيدة، بمعنى سلطة بلا سيادة ولا موارد ذات بال. كيف يكون هذا! وعلاوة على هذا كله، صار على هذه السلطة أن تضمن أمن الاحتلال. وهذا الضمان لم يكن فقط بمنع الكفاح المسلح وحسب، بل بخلق شروط تحول دون توجه شعبي واسع للكفاح المسلح لكي ينحصر في خلايا محدودة ونخبوية.

من بين هذه الشروط خلق جهاز بيروقراطي هائل نسبياً إذا ما قورن بالحاجة من جهة وبحجم البلد من جهة ثانية.

هذا الجهاز يتطلب مقادير مالية ضخمة كان مقصود أن تفوق ما يمكن سلخه من ضرائب من القطاعات المنتجة. وهو ما جعل الاعتماد على الريع المالي المسموم كي يتسرب في الرغبة اللامتناهية للوحش البيروقراطي. وخطورة هذا الجهاز ليست فقط في التهامه الأموال، بل في انها لم تكن أبدا جزءا من المعادلة اللكلاسيكية للاقتصاد : المدخلات والمخرجات. فهي إنفاق غير استثماري بل إنفاق إتلافي، فيا لها من خطة جهنمية بمعنى انها:

  • دفوقات مالية للرواتب والفقات الإدارية
  • يتم دفعها مع بداية الشهر ما يحرك السوق المحلي
  • ولأنها ليست من شغل متلقيها فهم ينفقونها مظهريا دون وعي بالاستهلاك أو الاستهلاك الواعي (انظر عادل سمارة، التنمية بالحماية الشعبية 1991) وهو إنفاق على سلع أغلبها مستوردا، اي هي عملية رد الهبة لمانحها محملة بفائض قيمة أعلى!
  • هي خطة لم تعط الاستمار الإنتاجي اي بال،
  • إلى جانب السماح لمنتجات العدو بغمر السوق المحلي وخنق الإنتاج المحلي
  • وكذلك السماح لمنتجات الدول الصديقة للكيان مثل تركيا حيث حلت سلعها مثل البسكويت وغيرها محل السع المحلية
  • تجلى هذا في تدهور قطاعات الإنتاج المحلية مما زاد الاعتماد على التمويل الأجنبي.
  • تضمن بروتوكول باريس 1995 تعهد الكيان بتشغيل 100 ألف عامل فسطيني، وهو امر لم يحصل، هذا رغم أن حصوله يعزز التوجهات غير التنموية للسلطة. ولا شك أن الكيان كان يعلم أن لا خيارات لدى السلطة سوى المزيد من الاعتماد على التمويل المسموم، وهذا جميل من وجهة نظره كعدو.
  • أما والحالة هكذا فقد غدت قوة العمل المحلية مكونة من شقين:

o      شق يعمل في الجهاز البيروقرطي

o      وشق يصطف بانتظار الحصول على وظيفة في هذا الجهاز

  • كما ذهب جزء كبير من المال الريعي إلى القطاع الخاص والذي طالما تغنت أدبيات المصرف الدولي (غيرالمؤدبة) بدور هذاالقطاع كرافعة للاقتصاد المحلي، وهو الاقتصاد الذي يتدهور باستمرار. طبعاً إزدادت مدائح القطاع الخاص في فترة رئاسة د. سلام فياض للوزارة الذي نقل السياسة الاقتصادية إلى اللبرالية الجديدة والتي من تمفصلاتها فرض ضرائب على كل بوصة في جسد الاقتصاد وبنسب خيالية، كما زعم بأنه سيقوم بمكافحة الفساد وشطب الوظائف الكاذبة وغير الضرورية، ولم نر شيئا من هذا.

لعل أوضح لحظة بينت المصيدة هي حينما فازت حماس في انتخابات مجلس الحكم الذاتي قرر الممولون وقف التمويل! فبلغت القلوب الحناجر.

أدرك الجميع حينها أن نسبة عالية من عمال المحتل 1967 كانت تعمل في اقتصاد الكيان قبل 1993 وتجلب تحويلات لسد عجز اقتصاد الضفة والقطاع. حسناً، كانوا عرضة لاستغلال طبقي واضطهاد قومي، ولكنهم كانوا يعملون بجهدهم؟ أما بعد اتفاق اوسلو فتغيرت الصورة، أصبح هؤلاء وغيرهم جزءاً من الجهاز البيروقراطي الهائل والتابع.

لا نعتقد أنه بغير قراءة اقتصاد السياسي يمكننا فهم فظاعة هذه الخصوصية من التبعية.

كان توقف المسمِّمين يحمل معنى واحداً: سمحنا لكم بانتخابات كي تنتخبوا من نريدكم انتخابه. أما وقد قعلتم غير ذلك، فلتعطشوا. هذا كأن يقوم الإقطاعي بتزويح قن لفتاة تحت شرط أن يكون المولود نسخة عن الإقطاعي!

وهذا بالطبع يبين ما معنى ديمقراطية تحت استعمار استيطاني. بل انه يفتح على نقاش حقيقة وجود نمط إنتاج كولونيالي!

تبع تطور الانتخابات الانقسام القتالي بين فتح وحماس في غزة والذي لم ينتهي بانفراج حتى على طريقة انفراج القطبين في الحرب الباردة!

أما وهذه صورة المصيدة التي نحن فيها، فهل يمكن لسلطة المصيدة أن تقارع الإمبريالية والصهيونية؟

كل ما تطلبه سلطة الحكم الذاتي هو دولة افتراضية في الضفة والقطاع. وهو ما تم رفضه منذ عامين، وتم إسقاطه مؤخراً في مجلس الأمن. وكيف؟ بتجنيد دولة مسلمة كبرى هي نيجريا في تأكيد على وهم الزعم ب أمة الإسلام. ناهيك عن أن الولايات المتحدة تضع في جيبها كومة فيتوات جاهزة لصرفها ضد الفلسطينين حين الضرورة.

ورغم ذلك، تلوِّح الولايات المتحدة بوقف تمويلها المسموم جدا للسلطة الفلسطينية رغم أن ما طلبته هذه السلطة ليس راس كُليب.  أما رئيس وزراء الكيان فيصف خطوة السلطة الفلسطينية بالوقحة ويقرر سرقة المقتطعات الضريبية خاصة الفلسطينيين.

يقوم وصف “وقحة” على قصد صهيوني بأن سلطة الحكم الذاتي ما كانت لتوجد لو رفض الكيان ذلك. أما وقف المقتطعات الضريبية فليس سوى عملية تقشيط علنية لا تنبس تجاهها الأمم المتحدة ببنت شفة وليس ذلك غريباً سوى على التوابع.

ولكن، ليست هذه المرة الأولى التي قام الكيان باحتجاز هذه المقتطعات، ثم عاود إطلاقها مما يؤكد اعتقادنا، بأن هذا في نطاق الضغط على الفلسيطنيين وليس على السلطة. اي تشديد شروط المصيدة كي لا يكون احتجاجاً على سياسات السلطة نفسها فيما يخص عدم وقوفها موقفاً جذرياً ضد الكيان.

أما تهديدات الولايات المتحدة بوقف التمويل، فهو امر يحمل أكثر من وجه.

فمن جهة إنه التمويل الأشد سموماًً لأنه حسب تقسيم العمل الثلاثي الإمبريالي فإن المال الأمريكي هو لأجهزة القمع والنسيق الأمني، والتمويل الأوروبي للأمور الإدارية والمدنية والبيروقراطية والياباني للبنية التحتية. أما التمويل الخليجي، فهو بالإذونات الأمريكية.

إذا ما اخذنا هذه الأجزاء بالاعتبار، نصل إلى التقدير بأن هذه الضغوطات مقصود بها تخويف ساكني المصيدة أو تجويعهم مؤقتاً كي لا يقووا على الاحتجاج على سياسات السلطة فما بالك بمخططات العدو.

إنها لعبة سياسية مكررة من جهة وتوجيه درس “تأديبي” للفلسطينيين من جهة ثانية.

ولكن، لو افترضنا حصول هذا الضغط المزدوج لفترة قاسية، فقد يكون الرد في أقلَه أن تقوم السلطة الفلسطينية بالضغط على أنظمة العرب “الصديقة” لأمريكا والمعترفة علانية أو سرا بالكيان بحيث تتجرأ وتطلب من الولايات المتحدة أن تقدم هي المساعدات للفلسطينيين.

ولكن، في أعلى التوقعات، لن يحصل لا هذا ولا ذاك.

لعل ما هو أشد وقعاً في هذه اللحظة أن الكيان قد أعلن عن زيادة ميزانية المستوطنات المقامة في الضفة الغربية ب 3.5 ضعفاً. وهذا هو حجر الزاوية بمعنى:

أن الكيان يسابق الزمن لفرض أمر واقع هو تهويد الضفة الغربية سواء بمصادرة الأرض أو استجلاب أكبر عدد ممكن من المستوطنين إليها كي يصل الوضع إلى استحالة الأمرين

  • استحالة إقامة دولة فلسطينية
  • واستحالة ترك الكيان لمليون مستوطن بين مليوني فلسطيني.

وطالما ان هذا هدف الكيان، وهو ما تقر به الولايات المتحدة، فإن قطعا للتمويل غير متوقعاً، هذا علاوة على أمر آخر يصب في نفس الاستراتيجية وهو، أن قطعا حقيقيا هو الذي سيطلق الانتفاضة الثالثة ذات الوجهتين:

الانتفاضة الموجهة جُوَّانياً وخاصة المطالبة بأموال الفساد

والانتفاضة الموجهة للعدو،. وكل هذا لا تريده واشنطن.