داعش في السعودية !؟ …والإنذار من عرعر

العميد د. أمين محمد حطيط 

منذ  اندلاع النار الإرهابية في المنطقة ، دأبت السعودية على تبرير الحالة الإرهابية بالواقع السياسي القائم في الدول التي طرق الإرهاب  أبوابها متبنية الحركات الإرهابية نصرة للشعوب على حد قولها ، و وصلت إلى حد المطالبة  بإقامة ما لا تعرفه هي من ديمقراطية و حرية و صناديق اقتراع ، مطالبة شكلت  استسخافا فظا بعقول الناس ، و استمرت بلعب  دور مميزا في رعاية الإرهاب ذاك بدءا من مده بالعقيدة التي تبرر له تكفير الآخر و إباحة قتله و صولا إلى مده بالأموال و الأشخاص الذين يدعون بانهم يمارسون الجهاد بما في ذلك جهاد النكاح وفقا لما افتى به داعية سعودية ، بشكل أباح فيه الزنى باسم الشريعة  .

وقد ظنت السعودية أن الاتفاق الذي أبرمته مع تنظيم القاعدة بعد انتهاء “حرب أفغانستان ” ضد الاتحاد السوفياتي السابق وعودة ما اسمي ” الأفغان العرب “، انه اتفاق أبدي النفاذ، يجعل مدن الحجاز ونجد وسواها بمنأى عن سيف الإرهاب وإجرامه. وللتذكير بالاتفاق فقط نقول انه صفقة عقدت بين تنظيم القاعدة والسعودية على أن يكون عمل القاعدة الإرهابية متاحا ومباحا في كل أقطار الدنيا باستثناء السعودية مقابل أن توفر السعودية للقاعدة بشكل مباشر أو غير مباشر كل أنواع الدعم المادي وغير المادي من اجل تمكينها من القوة التي تحتاجها في مشروعها المعلن حسب ادعائهم ” إقامة حكم الإسلام ” دون سواه.

لكن الظن السعودي لم يكن في محله، ومن يراجع أحداث العقود الثلاثة الماضية التي أعقبت الاتفاق يجد أن الإرهاب هز الأمن في السعودية لأكثر من مرة وفي أكثر من منطقة، ولم تجرؤ السعودية على إعلان الحقائق المتصلة بالعمليات الإرهابية التي نفذتها القاعدة في داخلها، وكانت تلقي باللائمة في كل مرة على إيران أو على تنظيمات أخرى مرتبطة بها ولم توفر حزب الله من تهمها التي كانت تلقيها بدون بينة أو برهان أو دليل.

والآن عاد الإرهاب ليطرق الباب السعودي في منطقة قريبة من احدى بوابات العبور من والى العراق، وتحديدا في عرعر المعبر الحدودي الموسمي الذي يفتح في السنة 40 يوما فقط خلال موسم الحج، وهنا نجد أن عملية عرعر فيها الكثير من علامات الاستفهام التي تستوجب النقاش.

 بداية نتوقف عند التباين في التقييم والتوصيف العراقي والسعودي للعملية، ففي حين يستبعد الأمن العراقي أن يكون الإرهابيون الأربعة قدموا من العراق، خاصة وأن جغرافية المنطقة العراقية حسب قول العراقيين لا تسمح لهم بتجنب المراقبة العراقية التي لم تسجل أي تحرك في المنطقة، يرد السعوديون بالقول إن التسلل حصل انطلاقا من العراق ووقع الإرهابيون في مواجهة مع دورية سعودية.

وعودة إلى نتائج الهجوم الإرهابي نجد أن أحد السعوديين الذين قتلوا في المواجهة هو ضابط برتبة عميد وذو مسؤولية رفيعة في جهاز امن الحدود التي انتشر عليها منذ أشهر – كما أعلنت السعودية ذاتها-30 ألف عسكري سعودي لمنع تسلل الإرهابيين، وهنا لا يمكن أن نتقبل فكرة أن يكون العميد هو رئيس دورية حرس حدود من بضعة جنود (لا يمكن أن تتعدى العشرة)، ما يقودنا إلى القول بان العميد قتل في مركزه ولم يقتل أثناء مطاردة الإرهابيين، ما يعني أن الإرهابيين هاجموا المركز في عملية مخططة وقتلوا قائده.

ثم إن المنطقة ذاتها التي حصلت فيها المواجهة تبعد عن خط الحدود مئات الأمتار، ولو كان الإرهابيون يقصدون التسلل إلى السعودية فقط فقد كان بإمكانهم اكتناف المراكز العسكرية والتسلل من أكثر من نقطة تجنبهم المراقبة السعودية خاصة وإن المنطقة فيها من الأودية ما يمكنهم من ذلك.

ومع هذا الجدل جاء بيان داعش حول العملية مؤكد بان قائد العملية يحمل الجنسية السعودية، وقتل على الأرض السعودية ما يجعلنا عطفا على ما تقدم أكثر ميلا لتصديق التفسير العراقي المتضمن نفي قدوم الإرهابيين من العراق، والقول بان منشأ الإرهابيين محلي، شاء المخطط فيه أن يتوجه بضربة إلى قيادة قطاع حدودي فتمت المهاجمة التي انتهت بقتل قائد القطاع هو العميد الذي أعلن عن وفاته نتيجة المواجهة. فالمسألة الأكثر قربا من المنطق التحليلي العسكري هي القول بان عمليات إرهابية بدأت وتستهدف المراكز والمعابر الحدودية السعودية التي تربطها بالعراق تنفيذا لخطة ما، قد تكون وضعت سابقا وبدأ تنفيذها الأن.

أما اذا كان التفسير السعودي للعملية هو الصحيح ، أي القول بان الإرهابيين قدموا من العراق ، فان في الأمر خطورة لا يمكن تجاوزها ، لأن القيام بمثل هذا التسلل لو صح وقوعه ، لا يمكن أن ينفصل عن مجريات العمليات العسكرية في العراق ، حيث أن الجيش العراقي مع قوات الحشد الشعبي انزلوا بداعش خسائر هامة و استعادوا منها اكثر من 60% من المناطق التي كانت سيطرت عليها في الصيف المنصرم ، و قد أكدت السلطات العراقية أن محافظة الأنبار- الملاصقة للحدود السعودية –  باتت في معظمها في يد الحكومة العراقية و أن الدواعش تراجعوا و قسم كبير منهم بدأ بالفرار من الميدان . وهنا يمكن أن تكون السعودية هي وجهة الفارين وأن يكون من واجه الدورية السعودية هي مجموعة فارة أو متسللة كما يصف السعوديون وهنا نسأل هل بدأ الدواعش يبحثون عن عرسال أخرى في السعودية؟

وعلى هذا الأساس وسواء كانت الفرضية العراقية ومستوجباتها هي الأصح (ونميل إلى هذا الأمر)، أم كانت الفرضية السعودية هي الصحيحة، فان هناك نتيجة أساسية تفرض نفسها في الحالين، وهي أن الإرهاب بدأ جديا يدق الباب السعودي بصرف النظر عما إذا كان صناعة محلية (وهو الأرجح) أو كان مستوردا أو قادما من الخارج إذ في الحالين نجد في الأمر خطورة لا يمكن تجاوزها في ظل بيئة امنيه إقليمية مهتزة. فهل ستدرك السعودية هذه الحقيقة وتقول ” هذه بضاعتنا ردت الينا “وتعمل على معالجتها معالجة جدية؟

ونذكر بان المعالجة الجدية لهذا الإرهاب، ينبغي أن تستجيب للقواعد الثابتة في الأمن والتي أهمها النظرية القائلة بان “الأمن الوطني المنفصل عن المحيط، بات في ذمة التاريخ وحل مكانه الأمن الإقليمي الشامل المنسق”، وهنا يكون السؤال: هل تبادر السعودية ومن اجل امنها الذاتي للمسارعة الجدية لإطفاء النار في العراق وسورية وهي نار ساهمت هي في تسعيرها؟ …وهل تدرك إن النار إذا استمرت ستنتقل حتما اليها كما بدأت النذر؟، أم أنها ستبقى تؤمل بإحياء الاتفاق مع القاعدة سابقا والآن مع بناتها وأحفادها وشقيقاتها، وتتصور أن بإمكانها إضرام النار في بيوت الآخرين فقط، ثم تفاجأ بعكس تصورها كما بدأت الأمور تلوح في الأفق.

إن عملية عرعر خطرة بذاتها رغم إن الخسائر التي نجمت عنها ظلت محدودة، لكننا نرى أن الأخطر منها هو عدم إدراكها بعمق وعدم المسارعة إلى معالجة ما يتوجب معالجته على ضوء منطق الأمن الإقليمي الشامل، فهل تشكل عملية عرعر إنذارا أخيرا للسعودية؟ ا م أن ما في داخلها الآن سيلهيها عن التفكير بما جرى على الحدود؟

:::::

“البناء”