فرنسا “قتيل عن قتيل يفرق”*

الطاهر المعز

 

مقدمة

نسبت وزارة الداخلية ووسائل الإعلام إلى شخصين أو ثلاثة من تيارات الإسلام السياسي الإرهابي حادث اغتيال 12 شخصا منهم عدد من الصحافيين وأربعة رسامين وعامل وعاملة، في مقر الصحيفة الأسبوعية “شارلي هبدو” في باريس، يوم 7 كانون الثاني/يناير 2015 وحسب ما نشر من معلومات فإن الإرهابيين (الذين قتلتهم الشرطة بعد 48 ساعة ودفن سرهم معهم) لم يتسللوا من الخارج بل هم فرنسيون من إنتاج “الجمهورية اللائيكية الفرنسية”، سوى ان ردود الفعل العنيفة والمسلحة والعنصرية استهدفت من يعتقد أنهم “عرب” أو “مسلمون”، وفي محاولة لجرد الإعتداءات التي حصلت خلال 24 ساعة في المدن الداخلية الفرنسية (اعتمادا على بعض الصحف المحلية وهو جرد غير كامل) نفذ غلاة العنصريين ما لا يقل عن ثلاثين اعتداءا (بعضها بالسلاح الناري) على متاجر ومساجد وسيارات واشخاص (ضمنهم مراهقون دون 18 سنة)، وأفردت لها الصحف الصادرة محليا بعض اسطر في الصفحات الداخلية، في حين أهملتها الصحف الوطنية، وتكرر شعار المطالبة بطرد العرب (وليس المسلمين) وتعددت شعارات الأحزاب ذات الإيديولوجيا الفاشية على الجدران وعلى اسفلت الطرقات، ونفذت هذه الحوادث في كافة أرجاء فرنسا، بدون استثناء، ويقدر ان ما ذكرته بعض الصحف المحلية لا يمثل سوى ربع العدد الحقيقي لمثل هذه الحوادث الخطيرة…

في الجانب الرسمي، تزعمت الحكومة الفرنسية (بما فيها رئيس الجمهورية) تنظيم مظاهرة يوم 11/01/2015 وهي المرة الأولى التي تدعو فيها حكومة إلى مظاهرة، ودعت إليها أكثر الحكام رجعية في أوروبا والعالم، منهم رؤساء حكومات بريطانيا واسبانيا وايطاليا ومستشارة ألمانيا بالإضافة إلى ملك الأردن ورئيس حكومة دولة الإحتلال الصهيوني، وغيرهم من رموز الرأسمالية والرجعية و”الحرب على الإرهاب” الذي تنج عنه لحد الآن تخريب عدد من البلدان وقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين… إنها إذكاء لفتيل “صراع الحضارات” ومواصلة لما بدأته الولايات المتحدة من حروب عدوانية، واستغلال حادث اغتيال مروع لإطلاق حرب واسعة “دفاعا عن الحضارة الأوروبية” كما صرح ساركوزي…

 

ردود الفعل

 

بعد دقائق من إعلان خبر الإغتيال تحول رئيس الجهورية إلى مقر الصحيفة وجندت وزارة الداخلية ثلاثة آلاف شرطي من فرقة مكافحة الإرهاب لسد المنافذ ومراقبة الأماكن الحساسة، وأصبح نبأ الإغتيال هو الخبر الوحيد في نشرات الأنباء لعدة أيام وتعاقب على الميكرفون والشاشة بعض قياديي الأحزاب، وبعض النكرات الذين استدعتهم محطات الراديو والتلفزيون ك”مختصين” في الشأن الإسلامي أو في مكافحة الإرهاب، وكثفت الشرطة من مضايقتها لسكان الأحياء والضواحي الفقيرة في المدن الكبرى، وخصوصا في منطقة باريس وضواحيها

هبت الأحزاب والنقابات والمنظمات غير الحكومية ونادت بصوت واحد: “كلنا شارلي” (على اسم المجلة “شارلي هبدو”) على وزن “كلنا أمريكيون” بعد 11 أيلول 2001 ودعا الكل إلى مظاهرة مشتركة في نفس اليوم، جمعت نحو 100 ألف في كافة أرجاء البلاد، ومظاهرة ثانية يوم الأحد 11 كانون الثاني اتفقت فيها المعارضة اليمينية والحزب الحاكم الذي يعتبر يسارا (إن بقي في فرنسا يسار) والنقابات والجمعيات على التظاهر جنبا إلى جنب، تجسيدا لما سمي “الوحدة الوطنية” ضد الإرهاب ودفاعا عن “قيم الجمهورية” و”اللائيكية” وهلم جرا… وهي الشعارات التي استخدمتها فرنسا في القرن التاسع عشر لتبرير استعمار المغرب العربي وافريقيا، بتعلة ان ذلك “رسالة وواجب الدول المتحضرة لنشر الحضارة في العالم”، وهي مستوحاة من التراث الديني الذي ينشر رسالة ربانية لدى الشعوب والقبائل الأخرى، وهي نفس الشعارات التي استخدمتها الولايات المتحدة أيضا بعد الحادي عشر من أيلول 2001 إيذانا ببدء مرحلة جديدة من العدوان والهيمنة الإمبريالية

أما خارج فرنسا فقد تهاطلت ردود الفعل المنددة بالحادث والمتعاطفة مع الصحيفة ومع فرنسا ككل (إن كانت فرنسا تمثل كل لا يتجزأ)، وجاءت ردود فعل العرب متطابقة مع ردود العالم بشيء من المبالغة والنفاق أحيانا (انظر أسفله)

قبل أربع ساعات من نفس اليوم انفجرت سيارة ملغومة في صنعاء فقتلت حوالي 40 شابا وجرحت أكثر من 70 آخرين، وكلهم شباب عاطل، كانوا ينتظرون فتح الأبواب لتقديم طلبات عمل في إحدى المصالح الحكومية، وتجاهلت محطات الإذاعة والتلفزيون الفرنسية وغيرها هذه الأرواح البريئة، التي لم تثر عواطف الصحافيين والأحزاب والنقابات والمنظمات “غير الحكومية” التي “هبت كالرجل الواحد” دفاعا عن حياة البشر وعن حرية الصحافة والتعبير (وهي على حق) لكن في حدود أوروبا والعالم المتحضر، كما لم يثر اغتيال 130 طفل باكستاني في انفجار قنبلة زرعها إرهابيون من نفس الفصيلة، قبل ثلاثة أسابيع (16 كانون الأول/ديسمبر 2014) في مدينة “بيشاور”، أي ردود فعل، بل لم يدرج الصحافيون الخبر في وسائل إعلامهم، والأمثلة عديدة جدا على التمييز بين البشر، بين الأوروبي (والأمريكي الأبيض أو الصهيوني هو أيضا أوروبي) وغير الأوروبي في الحياة وفي المماة، وخصوصا إذا كان الحي أو الميت افريقيا أو عربيا

 

بديهيات

من الناحية الإنسانية يمثل موت كل إنسان فاجعة لأهله وذويه وأصدقائه، ويمثل اغتيال أي صحافي، اعتداءا ومحاولة اغتيال لحرية الكلمة، التي نالتها الشعوب بعد تضحيات جسام، ويمثل أي اعتداء على صحيفة (مهما كانت اتجاهاتها الفكرية) اعتداء على حرية التعبير، ويمثل أي اعتداء إرهابي اعتداء على كل أحرار العالم، خصوصا إذا كان باسم أهداف غامضة أو دفاعا عن إيديولوجيا فاشية… لذا فإن التعاطف مع عائلات الضحايا ومع الصحيفة يعتبر طبيعيا وواجبا إنسانيا وأخلاقيا، لكن ما هو مستهجن هو هذا التفريق بين الضحايا على الصعيد الحكومي الرسمي وفي وسائل الإعلام، وكأن بعضهم من أصل نبيل والبعض الآخر من أصل وضيع، وطبقت الحكومة الفرنسية وما سمي بالمجتمع المدني قاعدة “واحد كألف وألف كأف” (أي واحد يساوي ألف أحيانا وأحيانا أخرى ألف شخص يساوون صفرا)

 

الظرف العام للحادثة

 

على الصعيد الداخلي الفرنسي ارتفع عدد العاطلين (المسجلين والمعترف بهم) إلى مستوى قياسي، ورفعت حكومة الحزب الإشتراكي الضرائب على مداخيل الفقراء في حين منحت الأثرياء تسهيلات جبائية ومنح وحوافز تجاوزت توقعاتهم وفاقت ما نالوه في ظل اليمين الذي حكم قبل الحزب الإشتراكي، وتدنت شعبية الرئيس إلى مستوى غير معهود في الجمهورية الخامسة (منذ 1958)، وخسر الحزب الحاكم كافة الإنتخابات التي جرت بعد حصوله على الأغلبية سنة 2012 (انتخابات البلديات والمناطق ومجلس الشيوخ) وارتفعت نسبة ناخبي اليمين المتطرف إلى ما بين 20% و 25%وسيطر اليمين الثقافي والفلسفي على وسائل الإعلام الحكومية، وعلى صعيد السياسة الخارجية تعددت الإعتداءات العسكرية الفرنسية على الشعوب في افريقيا والوطن العربي، في تناغم تام مع سياسة التبعية للحلف الأطلسي التي انتهجها الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، والتي ميزت التيار “الإشتراكي” الفرنسي منذ أكثر من ستين سنة…

في أوروبا، انتشرت في ألمانيا مظاهر الوفاء لتاريخها الفاشي، وصب النازيون، منذ بضعة أشهر، جام غضبهم على من سموهم “المسلمين” الذين عوضوا اليهود في درجة الكراهية والحقد، وارتفع عدد المدن التي تحتضن مظاهرات أسبوعية تطالب بطرد “المسلمين”، وتزامن ذلك مع ارتفاع عدد حوادث الإعتداء على العمال المهاجرين في أوروبا، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين (كيف يمكن التفريق بين من يعتنق الإسلام أو المسيحية أومن لا يؤمن بأي دين؟) وانتشرت هذه المظاهر العدائية في هولندا وإيطاليا واليونان وفرنسا وبريطانيا ودول شمال أوروبا (الإسكندنافية)… بالمقابل ارتفعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء خصوصا بين من يعيشون من عملهم ومن يعيشون من الإستغلال والمضاربة، وانتشرت البطالة، خصوصا بين الشباب، وارتفع عدد ونسبة الفقراء جراء تطبيق سياسات التقشف والضغط على الإنفاق وخصخصة المرافق العمومية وخفض ميزانيات الصحة والتعليم والمظلة الإجتماعية ورفع سن التقاعد (مع قلة الوظائف وارتفاع البطالة) وتجميد الرواتب الخ، في حين رفعت بعض الحكومات ومنها الحكومة الفرنسية ميزانيات الحروب العدوانية على الشعوب والأنظمة في دول “العالم الثالث”، وميزانية الأمن الداخلي، لمراقبة ومحاربة “العدو الداخلي”، الذي يمثله الفقراء وشباب الأحياء الفقيرة والمهملة… كيف يمكن للبرجوازية الحاكمة إقناع هؤلاء الفقراء والعاطلين بضرورة الإنتظار (إلى يوم القيامة؟)، سوى بافتعال “وحدة قومية” زائفة، وخلق أولويات تتمثل في “مقاومة الإرهاب” و”الدفاع عن القواسم المشتركة مثل اللائيكية والحريات الديمقراطية” الخ، أي تأجيل الصراع الطبقي وتأجيل مطالب العمال والفقراء الذين يموتون بردا في هذا الشتاء القارس، “إلى يوم يبعثون”… أما عن فلسطينيي غزة الذين يموتون بردا في العراء، بعد عدوان الصائفة الماضية، بفعل فاعل معروف، وليس مجهول، وهو الكيان الصهيوني، فلا أحد يهتم بالأمر، خصوصا من مسؤولي الإتحاد الأوروبي

هذه الظروف مهدت لتهميش جزء هام من الشباب الذي لا يرى حلا لمشاكله، فيتجه إلى المغامرة غير محسومة العواقب، منها الإتجاه نحو أحزاب ومنظمات اليمين المتطرف، سواء تغلف بالإسلام أو بالتاريخ الإستعماري الفرنسي، لا فرق، وساهمت الدعوات لمساندة الإعتداءات العسكرية الفرنسية والبرامج الهابطة في وسائل الإعلام حول ما يجري في الوطن العربي وافريقيا وافغانستان، في تأسيس تيار يعتقد أتباعه جازمين أنهم يحاربون الشيطان لما يحاربون في صفوف الفاشية الدينية في ليبيا أو سوريا أو العراق أو الجزائر، وذلك بدلا من النضال الجماعي والمنظم من أجل تحقيق مطالبهم العادلة في فرنسا، من أجل الشغل والعدالة والمسكن اللائق وتوزيع الثروات الخ، وذهب الآلاف من شبان أوروبا لينخرطوا في صفوف “داعش” و”النصرة” وأمثالها، تأثرا بالدعاية الإعلامية الأوروبية حول ما يجري في الوطن العربي، ويعتبر دورهم مكملا لدور الجيش الفرنسي والبريطاني والأمريكي في العراق وسوريا وليبيا وغيرها، فكيف تتجرأ الشرطة الأوروبية والفرنسية على وجه الخصوص على اعتقالهم وتوجيه تهمة الإرهاب لهم قبل إحالتهم إلى القضاء؟ منطقيا، كان يجب منحهم ميداليات، لأنهم صدقوا الدعاية الأمريكية الأطلسية وذهبوا لمحاربة من اعتقدوا أنهم أعداء الحضارة الأوروبية (وبالتالي الحضارة الإنسانية) وحاربوا بأسلحة أمريكية وأوروبية ضد أنظمة شوهت سمعتها أجهزة الإعلام “الغربية” ليلا نهارا، وقدمتها كعدو للإنسانية (منها نظام القذافي في ليبيا ونظام الأسد في سوريا)…

 

حقائق لا يمكن أن يخفيها السخط والتنديد بالجريمة

 

إن التنديد بعمليات القتل والإغتيال يثير سخط الجميع، ولكن ذلك لا يجب أن ينسينا الجوانب المظلمة في تاريخ هذه الصحيفة التي ساهمت في استفزاز المؤمنين من المسلمين، عمدا وبكرار ممل، باسم “حرية التعبير، ربما مثل عدد من وسائل الإعلام الفرنسية الأخرى، وربما أكثر قليلا، وصبت النار على الزيت أثناء احتداد النقاش حول “الهوية القومية الفرنسية” الذي أثاره اليمين الفاشي وتلقفه ساركوزي والمثقفون اليمينيون والصهاينة من “الفلاسفة الجدد” ومن اللوبي الصهيوني القوي في فرنسا، ليرددوا ليلا نهارا ان الإسلام (وربما العروبة) نقيض للحضارة الأوروبية، والواقع ان الحملة موجهة ضد المهاجرين الذين يدينون بالإسلام، وخصوصا أبناؤهم، فرنسيو المولد والنشأة والثقافة، لكن بما أنهم في أسفل السلم من الناحية المادية والإجتماعية فإنه يسهل الهجوم عليهم، خصوصا منذ انتفاضات شباب الأحياء والضواحي الفقيرة في تشرين الأول/اكتوبر 2005 وساهمت هذه الصحيفة في تقسيم الطبقة العاملة والمجتمع، على أسس دينية وثقافية وأثنية، وساهمت في تحويل وجهة الصراع الطبقي إلى صراع “عرقي”، تماشيا مع نظريات المحافظين الجدد وتيار “المسيحية الصهيونية” (نهاية التاريخ وصراع الحضارات)…

 

انتهازية

 

توقف إصدار صحيفة “شارلي هبدو” عدة مرات لأسباب مالية، خلال السنوات الماضية ودام التوقف لعدة سنوات أحيانا، وتتراوح مبيعاتها خلال السنوات الماضية ما بين 30 ألف نسخة و70 ألف نسخة في أحسن الحالات، ومنذ 2005 أصبحت تنشر رسوما (رديئة من الناحية الفنية) مسيئة لمشاعر عدد هام من المسلمين، كلما اقتربت من الإفلاس، فترتفع مبيعاتها إلى 300 ألف أو 400 ألف نسخة خلال ثلاثة أسابيع أو أربعة، تساعدها في ذلك الدعاية الضخمة والضجة التي تثيرها المنظمات الإسلامية اليمينية (التي لا تهب لنجدة الفلسطينيين)، ما يمكنها من الصدور فترة ما، قبل أن تعود إلى الإستفزاز مرة أخرى، واقتربت الصحيفة ومسؤولوها شيئا فشيئا من اكثر التيارات يمينية في المجتمع وعين ساركوزي رئيس تحريرها السابق على رأس مجموعة “إذاعة فرنسا” (القطاع العام) ففسح المجال لعتاة الصهاينة واليمين المتطرف ووضع حدا لعقود عدد من العاملين التقدميين…

ان اختيار الخط اليميني الإستفزازي الذي اتبعته الصحيفة هو موقف سياسي، يتماشى مع مأ أعلن منذ سنوات من “نهاية التاريخ” و”صراع الحضارات” وغيرها، والموقف يجابه بموقف آخر يناقضه، وليس بالتهديد والإغتيال، مهما بلغت درجة الخلاف، ولو أن الوسائل المتاحة غير متكافئة، إذ تدافع نقابات الصحفيين وأصحاب الصحف والدولة الفرنسية بكافة أجهزتها على استفزازات هذه الصحيفة باسم حرية الرأي وحرية التعبير، ورغم ذلك يبقى الخلاف سياسيا، بالمفهوم الواسع لمعنى السياسة وتعدد الآراء في المجتمع الواحد أو في العالم، ولا مجال للحياد عن هذه الموقف المبدئي، رغم انحرافات الصحيفة وانتهازية القائمين عليها وخدمتهم لأهداف اليمين المناهض للفقراء من مهاجرين عرب، أو غير عرب، أو من أدرجوا في خانة المسلمين، ومناهضتها للشعوب الرازحة تحت الإستعمار والإستغلال والإضطهاد، ولا مجال للدفاع عن الإيديولوجيا التي تبثها هذه الصحيفة، كما لا مجال للدفاع (أو حتى للحياد) بخصوص مجموعات تغتال وتقطع الرؤوس باسم الإسلام، وشكل العرب (من مسلمين ومسيحيين وملحدين) الأغلبية الساحقة لضحاياهم، ولم توجه هذه المجموعات رصاصة أو قنبلة ضد الإحتلال في فلسطين، ولم تهب أي من هذه المجموعات لنجدة أو مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، رغم ما بحوزتها من الأموال الطائلة والسلاح المتطور

 

الطابور السادس للمثقفين العرب

 

لما اغتال المرتزقة المحترفون الرسام العظيم “ناجي العلي” (صيف 1987) لم يسجل رد فعل يذكر، رغم ما للرجل من باع في فن الرسم، ووضوح في الرؤية وقراءة الواقع واستشراف المستقبل… ومنذ بضعة أشهر قصف الصهاينة قطاع غزة المحاصر بوابل من القنابل لمدة قاربت الشهرين، وقتل الجيش الصهيوني عددا من مراسلي الصحف ووكالات الأنباء، ولم تعرف العواصم العربية مظاهرة كبرى تدين هذه الجرائم، ولم يغضب الصحافيون لاغتيال زملائهم، ومنذ أشهر تقصف الطائرات الأمريكية والفرنسية والأطلسية بلدانا عربية أخرى كالعراق وسوريا، وتخرب البنية التحتية وتقتل مدنيين، بتعلة محاربة الإرهاب، ولم يظهر “المجتمع المدني” العربي حماسا للتنديد بهذه الحرب التي يريد لها القادة العسكريون الأمريكيون أن تدوم ثلاثين سنة، وعلى إثر الإعتداء المسلح على صحيفة “شارلي هبدو” واغتيال عدد من صحفييها، هب مثقفو الفرنكفونية والمجتمع المدني والأحزاب والمنظمات “غير الحكومية” (الممولة من الإتحاد الأوروبي) في المغرب والجزائر وتونس ولبنان وغيرها للتنديد والتظاهر ونشر البيانات، ولتنظيم تجمعات (بسرعة عجيبة) أمام سفارات فرنسا ومراكزها الثقافية (وهي أوكار تجسس) تنديدا بالجريمة التي حصلت على بعد آلاف الكيلومترات…

وردت أخبار عن قتل صحافيين تونسيين، تحتجزهما إحدى منظمات اليمين الديني في ليبيا منذ أشهر، وذلك في نفس اليوم الذي نشرت فيه 12 منظمة “غير حكومية” تونسية (جميعها ممولة من أوروبا وفرنسا) بيانا يندد باغتيال الصحافيين الفرنسيين، مع الدعوة إلى التظاهر أمام السفارة الفرنسية في تونس، ولم يرد ذكر الصحفيين التونسيين، رغم وجود جمعيتين تعنيان بحرية الصحافة ضمن الموقعين. هل ان حياتهما أقل قيمة من الصحافيين الفرنسيين؟

استهدفت القوات الامريكية في العراق الصحافيين العرب واغتالتهم عنوة، واستهدف الصهاينة الصحافيين أثناء قمع المظاهرات أو أثناء العدوانات المتكررة على الفلسطينيين، ولم نسمع باحتجاج واحد للصحافيين الفرنسيين و”الغربيين” بشكل عام (ولو بأدب ولطف)، أما الصحافيون العرب فقد بالغوا في إظهار التضامن مع صحافية فرنسية ( فلورنس أوبنار) ذهبت إلى العراق من تلقاء نفسها، دون أن ترسلها صحيفتها، واختفت هناك ثم عادت إلى الظهور في ظروف غير واضحة، وبعد أشهر نشرت جمعية صهيونية صورتها إلى جانب والد الجندي الصهيوني الوحيد الذي أسرته المقاومة في غزة، وعلمنا أنها تترأس لجنة تطالب بإطلاق سراحه، أسستها مع أسرته وزملائه من جنود الإحتلال، وبحسب الصحف الصهيونية فإن لهذه السيدة سوابق في الدفاع عن الإحتلال الصهيوني لفلسطين… والخوف كل الخوف أن يتبنى الصحافيون والمثقفون العرب قضايا العالم وينسون قضيتهم، من أجل حفنة من الدولارات او اليورو، أو لمجرد وعد بمنحة أو تمويل أو رحلة دراسية، لمسؤولي المنظمات “غير الحكومية” أو ما سمي “المجتمع المدني”

 

“لست شارلي”

 

إثر انهيار برجي التجارة التوأمين في نيويورك (11 أيلول 2001)، كان عنوان افتتاحية صحيفة “لوموند” مساء نفس اليوم: “كلنا أمريكيون”، ولم تستطع الأيام والسنوات محو هذه الحادثة الصحفية من ذاكرتي، كنموذج للتزلف والمبالغة في الموالاة، وامتنعت عن شراء هذه الصحيفة منذ ذلك اليوم، لأنها ازدادت يمينية مع مرور الأيام، ولأنني لست أمريكيا ولا أريد أن أتحمل أطنان من الجرائم التي اقترفتها أمريكا البيضاء البروستنتية منذ القرن السادس عشر ضد الإنسانية، وتقليدا لذلك الشعار انتشر في فرنسا على الجدران وفي المحلات التجارية والعمارات السكنية والمكاتب شعار “أنا شارلي” (أي كلنا “شارلي هبدو”)، وهي من نوع الشعارات التي تدرب عليها الولايات المتحدة الشباب العرب (وغير العرب) قبل القيام بثورات ملونة، وأنا لست “شارلي” ولا أطمح أن أكون كذلك، بل أنا “محمد” (رغم اتفاقي مع شعار: “الدين لله والوطن للجميع”) أو عبدالله، وأود أن أبقى كذلك، مع انفتاحي على العالم، وعلى فقرائه بشكل خاص، ولا يجب أن يجرنا التعاطف مع الضحايا من المجروحين ومع ذوي القتلى، إلى تبني إيديولوجيا “صراع الحضارات” التي تبثها هذه الصحيفة، التي تميزت بالبذاءة وقلة الذوق، شكلا ومضمونا، إضافة إلى انتهازية الفريق المشرف عليها في المجال السياسي، وقربه من “الفلاسفة الجدد”، ومعظمهم من عتاة الصهاينة واليمين العنصري

 

خاتمة

 

إن التضامن مع عائلات الضحايا والوقوف ضد الإعتداءات الهمجية والإغتيالات، مهما كان مقترفها (أشخاص أو مجموعات أو جيوش ومخابرات الدول) واجب إنساني، نقدره حق قدره، ونعرف قيمته، نحن العرب الذين ابتلينا بالإحتلال والقصف والقتل اليومي، كما أن حرية الرأي والتعبير مقدسة، رغم استغلالها أحيانا ك”حق أريد به باطل”، ولا تكون مجابهة الرأي سوى بالرأي المضاد والحجة بالحجة، لا بالسلاح والقتل والإغتيال… هذه القيم والثوابت لا تنسينا استهدافنا من قبل الإمبريالية (منها الفرنسية) وضرورة تحرير أراضينا المحتلة والدفاع عن حرمة أوطاننا التي تريد الإمبريالية إخضاعها، مباشرة أو بواسطة الدمى المحلية سواء كان اسمها “داعش” أو “النصرة” وفروعها، أو الحكومات المحلية، ونتخذ مواقفنا من العدو ومن الصديق بحسب موقفه وممارساته إزاء قضايانا، وفي قضية الحال فإننا بقدر تضامننا مع عائلات الضحايا الفرنسيين ودفاعنا عن حرية التعبير، نعلن أن صحيفة “شارلي هبدو” لا يمكن أن تكون في خانة الأصدقاء، بل لعبت دورا خطيرا في التحريض على من أدرجوا في خانة “المسلمين” وفي إشاعة الإستهتار بقيم الإحترام المتبادل بين الشعوب، بل بالغت في مجارات الكتاب العنصريين، المعادين لنا ولقضايانا وفتحت لهم صفحاتها، ويندرج منهجها الإعلامي في دائرة المحافظين الجدد (وممثلهم نيكولا ساركوزي في فرنسا) الذي دعوا إلى “صراع الحضارات”، بعد أن أعلنوا “نهاية التاريخ”، وانتصار العولمة الليبرالية على إرادة الشعوب والطبقة العاملة والفقراء…

إن الصحافيين الغربيين أصبحوا “كلاب حراسة” رأس المال كما أعلن منذ منتصف التسعينات “سيرج حليمي”، رئيس تحرير “لوموند دبلوماتيك”، لا يبحثون عن الحقيقة، رغم الكم الهائل من المعلومات التي تصلهم، بل يرددون ما يود سماعه صاحب الجريدة أو محطة التلفزيون، ويتجنبون الخوض في المواضيع الشائكة التي تتطلب بحثا وتمحيصا، كما لا يتوجهون بالنقد أبدا إلى الشركات التي ترعى وسائل الإعلام بنشر إعلاناتها مباشرة أو بواسطة المقالات المدفوعة الأجر، ويتركون المواضيع الشائكة للمبتدئين والمتدربين، وأصبح قربهم من رجال الحكم شائعا وعلنيا، بدليل العدد المرتفع لمسؤولي الحكومة والأحزاب الرئيسية المقترنين مع الصحافيين والصحفيات في حياتهم الخاصة… أما هل هو زواج متعة أم مصلحة أم حب، فذلك شأنهم وتلك حريتهم الشخصية.

*اقتباس لمقولة “خيمة عن خيمة تفرق”، التي نسبها “غسان كنفاني” إلى “أم سعد” في قصة تحمل نفس العنوان (أم سعد)، وتعني ان خيمة اللاجئ المحبط تختلف أو هي أقل قيمة من خيمة الفدائي الذي هب لتحرير وطنه