جريمة باريس الإرهابية: تساؤلات وفرضيات

العميد د. أمين محمد حطيط

يجهد البعض في تشبيه عملية باريس الإرهابية التي ارتكبت بتاريخ 712015 ضد صحيفة شارلي أبدو، بالهجوم الإرهابي الذي نفذ ضد برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 أيلول 2001، تشبيه يريدون منه القول بان العالم على عتبة مرحلة جديدة من الصراعات والمواجهات الدامية، مرحلة تستنسخ ما جرى في أفغانستان والعراق ثم لبنان وغزة من حروب شنت بقرار غربي صهيواميركي، وخلصت إلى “الحريق العربي” الذي لازال يلهب المنطقة منذ أربع سنوات. دون أن يحقق أهدافه، ما استدعى العودة إلى الحروب للخروج من الفشل. فما مدى صحة التشبيه ودقة التوقع هذا؟

قد يكون لهذا البعض أسبابه وقرائنه التي تقوده إلى التشبيه والتوقع المتقدم، ولكننا في تفحص للعملية وما استتبعها، وللبيئة الدولية القائمة اليوم نرانا نفكر في اتجاه آخر لا يتقبل هذا الطرح، خاصة وأن هناك همس يتردد مشككا بما أعلن حول المرتكب الحقيقي لتلك العمليات الإرهابية.

فبالعودة إلى أن عملية ايلول2001 نجدها تمت في ظل واقع دولي اختل فيه التوازن في العلاقات الدولية، وتقدمت فيه أميركا لقيادة العالم، في سياق مسار هجومي اعتمد استراتيجية القوة الصلبة وترجمت بفتح الجبهات واحتلال البلدان ومحاصرة هذا والتضييق على ذاك دون أن تخشى ردة فعل تعيق هجومها أو تكسره.

أما في عالم اليوم فان أميركا ومعها الغرب لا تملك قدرات تمكنها من العودة إلى تلك الاستراتيجية باي حال من الأحوال، لظروف تتعلق بها ذاتيا كما وللواقع المستجد في ظل المتغيرات في العلاقات الدولية التي اختلفت بشكل كبير عما كانت عليه يومها، متغيرات حصلت بعد إخفاق أميركا في تثبيت موقعها في قيادة العالم كما كانت تطمح وتشتهي، حيث برزت إلى المسرح الدولي قوى صاعدة، لا يقبل معظمها أن تكون أميركا هي المتربع على عرش قيادة العالم، مع أن أحدا منها لا يطمح للانفراد بتلك القيادة على غرار ما فعلت أميركا.

فاذا عطفنا ذلك على واقع فرنسا بذاتها وقدراتها العسكرية ومدى استجابة العالم لمطالبها نصل إلى تأكيد استبعاد استعادة مشهد ما بعد 11 أيلول 2001. ففرنسا تخبطت في مالي ولم تجد من يمد العون لها حتى من حلفائها الأطلسيين، وفرنسا التي كانت راس حربة في ليبيا أخرجت منها دون أن يصغي لصراخها أحد وعلى هذا الأساس يكون التفكير باستعادة فرنسية لمشهد ما بعد 11 أيلول 2001، أو حتى أميركيا ودوليا، يكون تفكيرا منفصلا عن الواقع وفقا لما نعتقد، ويكون التمسك به والعمل بمقتضاه، نوع من هدر الوقت والانحراف عن الاتجاه الممكن أن تندفع فيه الأحداث مستقبلا.

ومع هذا الاستبعاد لفكرة “الحرب القادمة انتقاما لضحايا فرنسا ” يطرح السؤال ما لذي ينتظر العالم بعد الجريمة وبعد التظاهرة الباريسية، ثم بعد اجتماع واشنطن الدولي المزمع عقده تحت شعار محاربة الإرهاب؟

عملا بالمنطق نرى انه من العبث البحث عما سيقع كردة فعل على الجريمة قبل أن يحدد المرتكب الحقيقي للعملية الإرهابية، فعلى ضوء ما يتوصل البحث اليه هنا تطرح الفرضيات حول التدابير الممكنة. نقول هذا بعد أن تضاربات الإعلانات حول تحديد المسؤول الحقيقي عن الجريمة، وما شاع من همس لا يشبه ما أعلن.

فاذا كانت الجريمة مجرد عمل إرهابي نفذته القاعدة أو احدى مشتقاتها، فان ردة الفعل ومع استبعادنا للحروب، لن تتعدى ما اتخذ في بعض البلدان الروبية بعد التفجير الذي طال محطات المترو أو المراكز التجارية فيها، مع تشدد أكثر في التدابير التي تضبط حركة الانتقال بين الدول وتبادل الاتصالات بين الأشخاص. أي بمعنى اخر حصر ردة الفعل بتدابير وقائية دفاعية. أي خلافا لردة الفعل التي تبنت الهجوم واجتياح الدول.

أما إذا كان الفعل كما يهمس البعض أو يسرب بشكل حذر، ويقول بان أميركا أو إسرائيل أو كليهما معا هما وراء هذا الهجوم، عندها يجب البحث عن بقية المخطط، لان العملية تكون مجرد بداية فيه.

وبما انه لا يمكن اعتبار هذه الفرضية خيالا وهميا خاصة إذا اعملنا القواعد التي تعتمد في التحقيق لكشف مرتكبي الجرائم، وأهمها قاعدة:” فتش عن المستفيد فتصل إلى المجرم إلا إذا حكم قانون الصدفة عندها يستبعد “

ففي جريمة باريس نجد أن أول المستفيدين منها إسرائيل، التي حصدت المكاسب بالجملة. مكاسب كان أولها تصدر نتنياهو مظاهرة باريس ضد الإرهاب والإرهابيين، وكأنه بهذه المشاركة الفاعلة يغسل يده وينظف سجل إسرائيل من الجرائم الإرهابية التي ارتكبتها ولا تزال ضد الفلسطينيين واللبنانيين وضد أي جهة ترى إسرائيل فيها تهديدا لمصالحها، حتى ولو كانت الأمم المتحدة (قتل الكونت برنا دوت، وقصف مراكز الأمم المتحدة في قانا).

ولكن الأهم من هذا الكسب كان امرأ آخرا طالما حلمت إسرائيل بتسويقه والعمل به، وهو فرض امر واقع يجعل العالم يسلم ب “يهودية دولة إسرائيل “. (عبارة تعني أن إسرائيل وطن كل يهود العالم فالشعب اليهودي بنظرهم واحد لا تقسمه الحدود السياسية، وأن الجنسية اليهودية تتقدم على الجنسية السياسية لأي من يهود الدنيا) وبموجب هذا الأمر دعا نتنياهو يهود فرنسا إلى “العودة إلى وطنهم إسرائيل ” حيث الأمن الذي باتوا يفتقدونه في فرنسا على حد قوله. ومن المهم جدا التوقف عند كلمة “عودة ” التي استعملت بدل الهجرة في الوقت الذي يرفض فيه حق العودة للفلسطينيين، ثم كان طلبه الثاني بدفن اليهود الفرنسيين الأربعة الذي قتلوا في سياق العمليات الإرهابية في فرنسا، طلبه دفنهم في القدس حيث “وطنهم”، وهو بذلك وعطفا على ما تقدم يضع موضع التنفيذ مقولة يهودية الدولة ويشكل عملي. ولا نغفل أخيرا ما سعت اليه إسرائيل بعد العملية من تحريض ضد الإسلام والجاليات الإسلامية في أوروبا وإطلاق مقولة “الإرهاب الإسلامي “. نستعرض هذه المكاسب دون أن نطيل في استعراض الأسباب التي تدفع إسرائيل الآن لارتكاب هذه الجريمة – في حال كانت هي المرتكبة.

وعلى الصعيد الأميركي ومع البرودة التي تعاملت بها أميركا مع الحدث بذاته والمظاهرة التي أعقبته، نرى أن أميركا انتزعت سريعا من باريس فرصة الاستثمار الدولي للجريمة، وسارعت إلى الدعوة لانعقاد مؤتمر دولي في واشنطن للبحث في أسس ووسائل مكافحة الإرهاب، طبعا مؤتمر يعقد خارج الأمم المتحدة، لان لأميركا أهداف وخطط لا تقبل بان يكون شريكا لها فيها أي من الأطراف الذين تصنفهم أعداء أو خصوم أو حتى منافسين، وتريد أن يتحلق حولها فقط من يتبقى أوامرها وينصاع.

 إن طرح هذه الفرضيات لا يتناقض مع حقيقة أن الأداة التنفيذية للجريمة هم فرنسيون ينتمون إلى القاعدة أو احدى مشتاقاتها بل انه يعزز القول بان هذه المكونات (داعش ومثيلاتها) هي منتج أميركي صهيوني ينفذ بشكل مباشر أو غير مباشر ما تريده احدى هاتين الدولتين أو كلاهما، و لذلك شهدنا كيف تم الإجهاز ميدانيا على الإرهابيين، وكان فرار الشخص الحي الوحيد المتبقي (حياة زوجة أحد الإرهابين) إلى سورية عبر تركيا، ثم كان أخيرا انتحار المحقق الفرنسي الذي كلف بمتابعة القضية، كل ذلك كان برأينا لمنع التحقيق من تحديد المرتكب.

فان صحت هذه الفرضية تكون الجريمة الإرهابية تلك بمثابة الخطوة الأولى في مخطط تقوده أميركا و معها إسرائيل ،يستهدف أروبا و المسلمين فيها بشكل خاص ،  دون أن يستتبع ذلك حربا و جبهات كما بينا ، أما  فرنسا حيث كانت ميدان الجريمة لإطلاق المخطط فستشعر بانها نالت نصيبها من التعويض المعنوي و الدعم الدولي بتلك المظاهرة الموحدة في الشكل غير المتجانسة في المضمون ، مظاهرة جمعت الخائف إلى المتألم إلى المنافق ، إلى المستثمر ، و يكون المسؤول الفرنسي على المستويين السياسي و الأمني عبرها  قد حجب مسؤوليته عن التقصير  .

أما الأوربيون فقد لا يجدون في مواجهة ذلك إلا التشدد في التدابير الأمنية الوقائية والاحترازية بما يرفع الضمانات الأمنية لديهم مع تعقيد في بعض جوانب حياتهم، وبشكل يترافق مع تسعير النزعة العنصرية ضد المسلمين في بعض المدن الأوربية. وتبقى أميركا وإسرائيل في حلف استراتيجي يحصدون ما ينبت من سفك دماء الآخرين ما الم تكن يقظة تعطل مشاريعهما العدوانية.

:::::