لبنان والارهاب…. الانتصار لم يعد ممنوعًا

د. ليلى نقولا الرحباني

في الوقت الذي ينقضّ فيه الإرهاب على أوروبا، عائداً إلى حيث تمّ تصديره، يعيش اللبنانيون على إيقاع ضربات إرهابية، ومحاولات احتواء الفتنة التي كادت تطل برأسها من جبل محسن، لولا وعي مستجدّ لدى السياسيين اللبنانيين، ولدى أهل طرابلس لما يحاك لمدينتهم وأبنائهم.

اللافت أن نواب “تيار المستقبل” الطرابلسيين الذين أمعنوا لفترة طويلة في تأجيج نار الفتنة في طرابلس، للاستفادة منها ضد الجيش اللبناني وحزب الله، ودعماً لما سمّوه “الثورة السورية”، بلعوا ألسنتهم ولم يقوموا بصبّ الزيت على النار، مما سمح لأهالي منطقة المنكوبين – وهم منكوبون فعلاً – أن يحاولوا لملمة الجراح، ويتخطوا الحواجز النفسية والسياسية التي لطالما أقيمت بينهم وبين أبناء جبل محسن خلال فترة طويلة من الزمن.

قد يكون من حظ اللبنانيين الجيد بشكل عام، والسُّنة بشكل خاص، أن تتوافر عوامل عدّة ستؤدي الى احتواء الإرهاب المجرم، الذي يريد أن يخطف الساحة السُّنية اللبنانية المعروفة بعروبتها وقوميتها ومقاومتها لـ”إسرائيل” إلى مكان تصبح فيه غريبة عن نفسها وتاريخها وأهلها ووطنها، ولعل توافر هذه العوامل هو ما قد يؤدي إلى انفراج الساحة اللبنانية بعد تحرير الشارع السُّني اللبناني من محاولات الاختطاف التي قام بها إرهابيون زوراً باسم الدين، ورفعاً للتهميش والغبن والظلم، ونذكر منها ما يلي:

1-   تقهقر “جبهة النصرة” ميدانياً في سورية، بسبب “المبايعات” التي حصلت في صفوفها لتنظيم “داعش”، بالإضافة إلى الخسائر التي مُنيت بها في القتال مع الجيش السوري، ومع الفصائل الإرهابية الأخرى، وما الدليل على تقهقر “الجبهة” إلا ظهورها إلى العلن بمظهر المزايد على “داعش” في الإرهاب، وذلك من خلال تنفيذ عملية انتحارية إرهابية في جبل محسن، ونشر صور إعدامات ميدانية تقوم بها “النصرة” لنساء في مناطقها، بحجة “الحفاظ على الدين والأخلاق”!

2-   محاولة “جبهة النصرة” وداعميها الإقليميين إعادة فرض نفسها على الساحة اللبنانية، بعد أن كثرت التقارير عن أن الجبهة على الحدود اللبنانية – السورية قد تكون محصورة بـ”داعش” فقط، وهذا ما جعل “الجبهة” تحاول الهروب إلى الأمام، من خلال محاولة اختراق الساحة اللبنانية من الداخل بدل محاولة اختراقها من الحدود الشرقية. وهكذا، ارتدّت الخطة على مقرريها عندما أتى الردّ عبر “تيار المستقبل” بالدفع إلى الإمام وتحجيم إضافي لـ”النصرة” من خلال الخطة الأمنية في روميه، واحتواء تداعيات التفجير الإرهابي في جبل محسن.

3-   لم يكن بالإمكان القيام بالخطة الأمنية في سجن روميه، وإسكات الأصوات التي حاولت الدفع نحو التصعيد، ومنها “هيئة العلماء المسلمين”، لو لم يكن هناك ضوء أخضر إقليمي ودولي واضح، واقتناع موازٍ بأن استخدام الإرهاب وسيلة لاختطاف الساحة اللبنانية والضغط على النظام السوري من خلالها لم تعد تؤدي غاياتها، وقد يكون الحوار القائم بين “تيار المستقبل” وحزب الله قد أجهض أحلام كثيرين في الداخل والخارج، بالقدرة على استغلال الساحة اللبنانية لتفجير الوضع، أو للتأثير على الوضع في العراق وسورية، حيث تتعرض المجموعات الإرهابية لخسائر كبيرة.

4-   تزامن العملية الإرهابية في لبنان مع العملية الإرهابية في فرنسا، حيث لم يكن باستطاعة أحد أن يبالغ في الإدانة في فرنسا، ويغض النظر عن الإرهاب في لبنان، في ظل معرفة الجميع أنه سواء عاجلاً أم آجلاً سيعلن الأوروبيون تغيير سياساتهم في سورية، وأولوية مكافحة الإرهاب على ما عداه، خصوصاً أن ما يتمّ القيام به من قبل “داعش” من “توحيد البندقية” المقاتلة في كل من سورية والعراق، سيجعل الحرب على الإرهاب تعني حصراً الحرب على “داعش”، ما سيخدم النظام السوري، ويضرّ بالمعارضة “المعتدلة” قبل بروزها.

في كل الأحوال، الوزير نهاد المشنوق نفّذ الخطة الأمنية بإنهاء “مقر قيادة العمليات الإرهابية” في سجن روميه، ويبقى عليه أن يستكملها بإقفال المنابر التي تقوم من داخل لبنان بالتسويق للإرهاب، ومحاولة إرهاب اللبنانيين فكرياً، والضغط عليهم من خلال ممارسة حرب نفسية ودعاية سياسية للإرهاب، سواء ببث السموم الإعلامية، أو اعتمادها منبراً لتهديد اللبنانيين.