المسرحية الهزلية!

سليمان الصدي

يروى أن رجلاً عاش في الزمن القديم ضاع له حمار، فذهب ينادي مَن وجد حماري فهو له، فقال له أحدهم: فلمَ تبحث عنه إذن؟

لم أجد أغبى من هذا الموقف إلا موقف الذين تصدروا الصفوف الأمامية في مليونية باريس ضد الإرهاب. لقد دعموا الإرهاب في سورية، مولوه، وشجعوه، وحين ارتد إليهم تظاهروا ضده، إنهم يتظاهرون ضد أنفسهم أمام أعين أهل الكرة الأرضية كلها بعد أن سقط القناع عن الإرهاب وداعميه.

إن من يعطي الأوامر لداعش وأخواتها من النصرة والجيش الحر وجيش الإسلام وغير ذلك من المسميات المحصورة بالعم سام ومنظومته لارتكاب المجازر في سورية عشية كل اجتماع لمجلس الأمن لإدانة النظام السوري هو نفسه من يعطي الأوامر لارتكاب مجزرة شارلي إيبدو، والهدف من تسليط الضوء  على الضحية اليهودية في عملية احتجاز الرهائن في المتجر اليهودي شرق باريس إعادة إحياء الهجرة اليهودية إلى فلسطين. فهل سيكون الفرنسيون محظوظين باكتفاء الوحش المرعب بما حدث وهو يعلن انقلابه على جرائه الضارية أو سنشهد المزيد من حفلات قص الأذناب والآذان؟

إن الوحش الذي دفع إلى ما حدث في فرنسا هو نفسه اليوم يتباكى على دماء الفرنسيين بعد أن امضوا عقوداً في تحريض الشعوب الغربية على الإساءة إلى الإسلام ورموزه ومقدساته لإكمال البيئة المناسبة لخلق القاعدة، وتفقيس بيوضها في أحضان عملائه. وهكذا أعلن البغدادي تبنيه مجزرة باريس، وأعلنت النصرة تبنيها مجزرة جبل محسن لإعادة إطلاق الشرارة، وإعادة استخدام عملاء العم سام في لبنان بعد أن انتهت صلاحيتهم.

إن ما يحدث وجد حاضنة لدى بعض المسلمين، وإذا ما عدنا إلى مرويات التاريخ حول معارك المسلمين وفتوحاتهم وحروبهم مع الفرس والروم وجدنا أن اليهود قد لعبوا الدور الأكبر في تحريض المشركين على المسلمين، وكانوا وراء الفتن والمكائد، فقد كانت لهم مدنهم وحصونهم وتحالفاتهم مع تجار المشركين، وكانوا من أرباب الصناعة والتجارة، وكانوا يقومون بتمويل القوافل التجارية بالربا الذي يحرمه الدين الجديد. وهم الآن صنعوا داعش وغيرها، وحرفوا مسار الإسلام. والمضحك المبكي أن يقف بنيامين نتنياهو في الصف الأمامي في المليونية الباريسية!

لقد فتح باب السخرية مشرعاً، وجعلنا نستمتع بسخرية مرة ونحن ننظر إلى هذا العرض المسرحي النادر للعم سام وسلاطينه، فهؤلاء السائرون في المسيرة الباريسية لطالما طالتهم سياط المندوب السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري، ولطالما عفرت وجوههم كلمات وزير خارجيتها وليد المعلم.

لقد ساروا في مليونيتهم الباريسية مستنكرين كل مليونياتنا السورية، ففتحوا على أنفسهم أبواب سخرية السوريين وهم يتشدقون بإدانة الإرهاب الذي دعموه سنوات، وتبنوه ، ومنعوا صدور أي قرار بإدانته في مجلس أمنهم وعارهم، وأياً كانت الأسباب وراء هذه الإدانة ومسرحيتها الهزلية لجريمة إيبدو فلا يمكن أن ننكر أننا ضد الإرهاب بكل أشكاله لكن لن يمنعنا أحد من السخرية على مسرحيتهم وهم تائهون مرتبكون.

وبالمقابل يا أخي السوري إن دعوات الدفاع عن الدين، والتداعي لنصرته لا يكونان بالشماتة والرغبة في الانتقام والقتل، فقد وُجد الدين ليكرم الإنسان، ويرفع عنه الجهل، لا ليدافع عنه الإنسان. ومن يثق بدينه لا يخشى عليه، فلتفرحوا أيها السوريون بأبجديتكم المحفورة على أعمدة الأبدية، وليبارك الله سورية أيقونة المجد والكلمة التي كانت منذ البدء.