الانفصال عن الواقع لا ينتج حلا

العميد د. أمين محمد حطيط  

 

يشهد النصف الثاني من الشهر الجاري حراكا متعدد العناوين والاتجاهات يتمحور ظاهرا تحت عنوان أساسي يتصل بمجريات المنطقة خاصة الظاهرة المتمثلة بالإرهاب الذي يعصف بها، فضلا عن الاهتمام بالبحث عن حل سياسي للازمة التي افتعلت ضد سورية بيد اجنبيه.

ويستوقفنا في هذا المجال لقاءات ثلاثة، تمت أو تتم بالموازاة والتزامن مع ما يجري ميدانيا من مواجهات على ارض سورية والعراق، بدءا باللقاء الذي عقد في لندن بحضور ممثلي 21 دولة لمكافحة الإرهاب كما أعلن، وبعده لقاء عقد في القاهرة جمع من يسمون أنفسهم معارضة سورية غير مسلحة، والثالث يعد لانعقاده في موسكو بمسعى روسي ليكون فرصة للقاء سوريين متبايني المنطلقات والدوافع، يأتون للالتقاء بمن يمثل الحكومة السورية الشرعية.

أما اللقاء الأول فقد جاء كما اعلن أو ظهر من سياق النقاش و المواقف، جاء وفقا  لطبيعة امنيه و عسكرية، متوخيا- وفقا لما اعلن – تطوير السياسات و الخطط المعتمدة للحرب على داعش و التنظيمات الإرهابية  المثيلة الأخرى، أما الثاني فكان طابعه سياسي محلي سوري ذو بعد إقليمي، حيث اعلن أصحابه انهم بصدد البحث عن حل سياسي للازمة السورية بعيدا عن العنف و السلاح،أما الثالث فقد توخت منه روسيا (صاحبة  المسعى والدعوة ) إيجاد بيئة ملائمة لإطلاق حوار سوري- سوري من اجل تلمس طريق مناسب للخروج من الأزمة التي أدخلت فيها البلاد بقرار من جهات أجنبية استعملت أدوات محلية و إقليمية لتنفيذ مشروعها ضد سورية و محور المقاومة.

ومتابعة لهذه اللقاءات يمكن التساؤل هل من تكامل أو علاقة بينها خاصة إذا عدنا إلى ما نطلقه دائما ولا زلنا نقول به من أن الحل في سورية ينبغي أن يسير على خطين متوازيين: خط مكافحة الإرهاب لاستعادة الأمن، وخط العمل السياسي الذي يقود إلى تفاهم وطني يفضي إلى تحديد ما يناسب سورية وفقا لجغرافيتها السياسية وقرار شعبها المستقل.

لكن نظرة موضوعية لسلوك المعنيين ببعض تلك اللقاءات، تقودنا إلى عدم الطمأنينة إلى وجود مثل هذا التكامل، لا بل نرى أن هناك تناقض واضح يقوم بين من يقف خلف الدعوة لكل منهما، ما يفرض الحذر ورفع درجة الجهوز للتعامل مع هذه اللقاءات والتطورات التي تعقبها.

فعلى صعيد “لقاء لندن لمكافحة الإرهاب ” كما اسماه أصحاب الدعوة، نجد أن الداعين اليه زعموا انهم بصدد تقييم عمل التحالف الدولي المنشأ في الصيف الماضي، ودراسة النتائج التي حققها خلال خمسة أشهر من حربه ضد داعش بما يفضي إلى بلورة استراتيجية مناسبة لتنفيذ المهمة المعلنة ظاهريا بالتصدي لداعش لمنع تمدد الخطر الإرهابي في العالم.

لكننا في هذه النقطة بالذات وإسقاطا على ما صدر عن الأساسيين المعنيين بالمؤتمر نجد أن سياسة التحريف وتزييف الحقائق هي السياسة التي يستمر اعتمادها في العمل والسلوك.

ونسجل في البدء ما جاء على لسان الوزير الأميركي كيري لجهة قوله إن عمل التحالف أدى إلى تحجيم قدرات داعش بنسبة 50 % في المجال النفطي، وإلى تحجيمها ومنعها من التمدد في المجال العملاني، لكنه وفي الوقت ذاته يعود فيقول بان داعش لم تخسر من الأرض التي احتلتها في العراق أكثر من 1%، وبانها في سورية استمرت على وتيرتها الهجومية ذاتها، ثم يأتي وزير الخارجية البريطانية ليقول بان الفراغ من حرب داعش في العراق يستوجب سنتين على الأقل.

فاذا قارنا هذا التوصيف بما هو قائم على ارض الواقع والميدان نجد أن التوصيف الغربي في اتجاه و أن الحقيقة في اتجاه آخر، فمن حيث القوى التي أنزلت بداعش الهزيمة على اكثر من اتجاه في العراق و في سورية فالثابت بشكل قطعي  أن القوى الوطنية من جيش و قوات دفاع وطني و قوى حشد شعبي و لجان حماية شعبية و كلها طبعا لا علاقة لأميركا بها و لا تنسق أميركا معها، هي التي أنزلت بداعش الهزائم و في العراق و سورية وهي التي وضعت حدا لها باستيعاب هجوماتها،ثم انتقلت إلى الهجوم و طردت داعش في العراق من نصف الأرض التي دخلتها و أخرجت داعش و إرهابيين اخرين من اكثر من منطقة في سورية، وهي التي أوقعت فيها الخسائر البليغة الأثر كما حصل بالأمس في سورية في كمين السويداء الذي أضاف إلى خسائر الإرهابيين خسائر جديدة بالعشرات.

إن الواقع يثبت أن هذه القوى المحلية من رسمية وشعبية في العراق وسورية هي التي أسقطت مشروع داعش الأميركي ودفعت أميركا للبحث عن خيار آخر وبالتالي فإننا نخلص إلى القول بموضوعية أن التقييم الغربي للمشهد هو تقييم منفصل عن الواقع مجافي للحقيقة، ومثار سخرية في بعض جوانبه خاصة لجهة قول كيري بنسبة ال 1% القول الذي يضحك الثكلى، فكيري يعلم جيدا أن تلك المساحة تتجاوز ال 40 % من الأرض التي دخلها الإرهاب في العراق.

 ولان التقييم المنفصل عن الحقيقة والواقع لا يمكن أن يقود إلى طريق يفضي إلى حل فإننا نرى أن الغرب في مساره يستمر على وتيرته ذاتها المتنكرة للحقيقة ولم يخرج لقاء لندن عن هذا النهج المنحرف، وبالتالي لن يكون فيما خرج المؤتمرون به حلا ناجعا جديا للإرهاب كما يزعمون، ما يثبت مرة أخرى أن الغرب الذي ابتدع الإرهاب واستخدمه لن يقوم بحرب جدية ضده. وقد كان رئيس الوزراء العراقي جريئا وصريحا عندما فضح السلوكيات الغربية حيال بلاده على أكثر من صعيد. مذكرا بانه لم يستجب لطلبات العراق المتكررة لتسليح جيشه رغم أن الأموال دفعت لأميركا منذ زمن، كما أن الميدان يؤكد بان التحالف لم يقدم للقوات العراقية (جيش وحشد شعبي) مساعدة مؤثرة يعتد بها في مواجهة داعش، بل جاء الموقف المثبط الذي أطلقه كيري عندما قال إن العراق لم يستعد من داعش أكثر من 1% من الأرض، وهو موقف مستهجن، خاصة وأن المتابع البسيط العادي يعرف أن العراقيين وبقدراتهم الذاتية مدعومة بمساعدة من إيران، استعادوا في ثلاثة أشهر فقط وعلى اقل تقدير 40% من المناطق التي دخلتها داعش.

أما على مسار الحل السياسي، ومع ما صدر عما اسمي لقاء “المعارضة السورية” في القاهرة، فان المتابع يدرك ببساطة أن هؤلاء الأشخاص لم يستوعبوا ما يحصل في ارض الواقع ولم يطلعوا على ما آل اليه وضع المشروع العدواني الذي يستهدف سورية، ويستمرون متمسكن بطروحات تجاوزتها الأحداث، ويظهرون عبر تمسكهم بها بأنهم منفصلين عن الواقع يعيشون في كوكب آخر.

وكيف لا نصفهم بذلك وهم تصرفوا دونما إدراك بان في المنطقة وخاصة في سورية صراع بين مشروعين، مشروع استعماري ينفذ عدوانا ومشروع تحرري يقاوم العدوان، والمنطق البسيط يفرض أن يختاروا مع أي من المشروعين يقفون، ومن يقرأ ما خرجوا به يدرك وببساطة انهم لا ينتمون للمشروع التحرري المقاوم، ويتصرفون كما لو أن هذا المشروع هزم، مع أن الميدان والمتغيرات الدولية العامة تؤكد عكس ذلك تماما.

وفي مقابل ذلك نسجل لروسيا السياسة الواقعية التي يتميز بها مسعاها، الذي يأخذ بالمبادئ والميدان ويحترم السيادة الوطنية السورية ـ فكانت الدعوة الروسية للقاء موسكو دعوة شاملة كل السوريين بكل أطيافهم من غير استثناء، ألا من حمل السلاح ومارس الإرهاب ضد سورية، لقاء يقرب المسافات بين المشاركين ويشكل فرصة للتشاور من اجل إنتاج بيئة حوارية ملائمة تمكن السوريين من الاجتماع لاحقا في دمشق لأجراء حوار وطني يشارك فيه كل حريص على سورية الواحدة السيدة المستقلة.

فلقاء موسكو ليس من اجل الحوار، ولا من اجل التفاوض بل انه لقاء تشاوري يمهد الطريق إلى الحوار الوطني السوري في الداخل دون أن يكون للخارج دور أو تدخل، وهذا هو السلوك المنطقي والبديهي لكل من يحرص على سيادة دولته.

وفي تقييم إجمالي لما تقدم نجد أن الدولة السورية التي تمسك بزمام المبادرة الآن على وجهيها السياسية والعسكرية، تتعامل مع كل حدث أو موقف وفقا لما يكون عليه السلوك من التزام بقواعد السيادة والاستقلال، وهي تمضي مطمئنة لنجاحها في ذلك خاصة وإنها تملك من القوة الذاتية والتحالفية ما يجعلها واثقة من أن المشروع الذي تدافع عنه هو المنتصر. وأن أي من أحلام العدوان لا يمكن أن يتحقق على ارض سورية طالما أن هناك إرادة مقاومة.

أما صحاب المواقف المنفصلة عن الواقع من دوليين وإقليميين أو سوريين فعليهم أن يدركوا أن الابتعاد عما يجري في الميدان وعما يدور على الأرض يجعلهم يسبحون في الأوهام والخيال ولا يصل بهم “تحليقهم ” الخرافي إلى أي حل، فالحل يصنعوه الواقعيون الأقوياء أصحاب الإرادة والقوة.

:::::

“الثورة”، دمشق