سيريزا…في عقر دار الاتحاد الأوروبي!

عبداللطيف مهنا

سيسيل حبر كثير في توصيف ظاهرة سيريزا اليونانية، والكثير منه في متابعة ما للحدث اليوناني المداهم من اثار ارتجاجية في جنبات الملعب الأوروبي القابل للارتجاج. ذلك، لما يهتبل في دواخله من تناقضات. تناقضات ينكأوها مزيج من غطرسة وتسلُّط يتسم بها  كباره وتذمُّر واحساس بدونية لدى صغاره. ملعب لاتكشف ساحته عادة عن كل ما تضمره نوايا لاعبيه، أو ما يفرِّقهم ولا يجمعهم . لن يقتصر الأمر هنا على ما بات من الصعب على الديبلوماسية في كل من برلين وبروكسل ولندن كتمانه من قلق، أو ما شابهن من غضب مختبىء في ثنايا تصريحات ردود فعلهن الأولية…ردود فعل المركز على ما بدى وأنها قد داهمته، وحتى فاجأته، من نذر تمرُّد بدأه طرف ثانوي من اطرافه. لكنما الأدهى عنده يظل الكامن فيما هو غير القليل من الدلائل التي تستوجب خشية مرابيه المتخمين مما قد يستتبع الحدث، وهو احتمال احتذاءات تترى للمثال اليوناني من قبل من هم على شفا حفرة من الإفلاس داخل خيمته…اسبانيا، ايطاليا، البرتغال مثلاً.

لقد غفت هذه العواصم الثلاث لتستيقظ مذعورة على فوز حزب سيريزا اليساري غير التقليدي بزعامة الكسيس تسيبراس، أو من بات الآن رئيساً للوزراء، ويعد شعبه بيونان مختلفة عن تلك التي كانتها البارحة، أي الغارقة حتى أذنيها في وضع اقتصادي بائس كبدها نتائج اجتماعية كارثية يفاقمها ما القته على كاهلها فاثقلته نيوليبرالية ما تعرف بالترويكا، أي المفوضية الأوروبية، والبنك الأوروبي، ومؤسسة النقد الدولية، والمتمثل فيما فرضته عليها من “حزمة اصلاحات” تردفها “اجرءات تقشفية”، أو تلكم الاشتراطات الوحشية اياها التي تبتلى ببعضها أو بمثلها  فقيرات الاتحاد ومستضعفاته من دول مرت أوقد تمر بظروف اقتصادية شبيهة الى حد ما بما واجهتها اليونان.

هذا الفوز لم يأتي من فراغ ولم يكن من غير المتوقع، وقد لايكون يتيماً، إذ قد لايعدم، كما اشرنا، من قد يقتدون به، وهذا وحده كاف لدق ناقوس الخطر في برلين وبروكسل ولندن وسواهما من عناوين متنفذي الاتحاد ومرابييه. كما ليس الاقتصاد وغوائل النهم النيوليبرالي وحدهما، وإن كانا الأساس، السبب في فوز سيريزا، وانما لاينبغي اغفال مسألة الهوية، واحساس اليونانيين بالمهانة أمام استشراس واستضعاف مركز متغطرس وشره جسدته إيما تجسيد تصريحات وارشادات انجيلا ميركل المتعالية ابان سني الأزمة التي عصفت باليونان ولازالت…يقول سبيراس في أول اجتماع لحكومته: إن ” شعبنا يعاني ويطالب بالاحترام…وعلينا أن نعمل دفاعاً عن كرامته”.

فيما يتعلق بالهوية، فعلى الرغم من افراط المركزية الأوربية في حرصها على اغفال كل ما سبقها وتعلَّمت منه من حضارات المعمورة لمجيئها في ترتيبها الزمني في آخرها، باختطافها للحضارة اليونانية، الأقرب الى الشرق منها الى الغرب، وزعمها أنها مرجعيتها الحضارية دون سواها، وهى التي لم تصلها حقاً، أو تتعرف على كنوزها، إلا عن طريق العرب، إلا أن ارثوذكسية اليونان بعكس اغلب القارة كانت تاريخياً مدعاةً لنوع من ابعادها نسبياً عن غرب رافض للآخر المختلف ويصعب عليه تقبله، وسبباً لجنوحها تاريخياً باتجاه روسيا، والذي وعلى نحو ما قد تتساوى فيه مع جيرانها الصرب…تعد روسيا الشريك التجاري الرئيس لليونان وبحجم تبادل تجاري يبلغ السبعة مليارات دولار سنوياً، كما أن السيَّاح الروس تحديداً يعدون مصدراً رئيساً للموارد السياحية اليونانية.

لحزب سيريزا مبادئه المعلنة والتي ينادي بها، والتي هى وإن لطَّفت من تطبيقاتها، أو اجَّلت بعضها، براغماتية ما بعد الوصول إلى السلطة، أو تراتبية  الأولويات، إلا أنها كافية لأحداث مثل كل هذا القلق والغضب لدى سادة الاتحاد، ومروراً على أهمها، فمنه: لا للتقشف ونعم لرفع الحد الأدنى للإجور، وحتام مراجعة الديون، التي بلغت حد الثلاثمئة مليار يورو، واعادة التفاوض لتخفيضها. و”فك الارتباط مع الناتو واغلاق القواعد الأجنبية على التراب اليوناني”، و”انهاء التعاون العسكري مع اسرائيل”. و”القواعد الأجنبية”…هنا  اشارة للقاعدة البحرية الأميركية في جزيرة كريت…لكن، وعلى الرغم من أن سبيراس ينعت الناتو ب”تحالف الحرب الباردة”، فإن مسألة الانسحاب منه وإغلاق القاعدة الأميركية لايبدوان انهما امران ملحِّان عنده، بيد أنه يؤكد ومن الآن: “اننا لن نشارك في الناتو برأس منحن، لن ندعم التدخلات العسكرية، وسندافع عن الشرعية الدولية”…وبعده يأتي ازماع توثيق العلاقة مع اميركا اللاتينية، ثم الموقف من المهاجرين، كرفض اعادتهم القسرية، واحتجازهم التعسفي، والسعي لتغيير اتفاقية دبلن التي لاتمنحهم حق اللجوء إلا في بلد الوصول.

لكنما البداية اليونانية الفارقة، والتي هى الآن حديث الساعة في بروكسل، هو الموقف اليوناني من فرض العقوبات على روسيا والمعارضة  الحاسمة للمستجد منها…كان من المعروف سابقاً أن اعضاء سيريزا في البرلمان الأوروبي قد صوتوا ضد اتفاق الشراكة مع اوكرانيا، وامتنعوا عنه حول اتفاقات مماثلة مع جورجيا ومولدافيا، ناهيك عن معارضتهم الدائمة للعقوبات على روسيا ورفضهم لإدانتها…لكنما مستجد الحدث اليوناني الآن بدأ مشواره بمواجهة يونانييه الجدد لسبع وعشرين دولة اجمع وزراء خارجيتها كلهم في اجتماعهم منتصف هذا الاسبوع على فرض جديد العقوبات ضد روسيا فافشل الفيتو اليوناني ما اراده المُجْمعون واجبروهم على التراجع.

…سيريزا بزعامة الكسيس سبيراس انعش يساراً اوروبياً يرى في الحدث اليوناني اعلاناً مدوياً لإخفاق النيوليبرالية الإقتصادية النهمة والمتوحشة وضربة لحقت بأسسها…بابلو ايغلاسياس، زعيم حزب “بيديموس” الأسباني، الشبيه بسيريزا، والأكثر شعبيةً وفق استطلاعات الرأي، يقول: “إن اليونانيين سيحظون بزعيم فعلى لابمجرد ممثل لأنجلا ميركل”!