شتاء العرب

الطاهر المعز

كانت جدتي تكره فصل الشتاء، لأنه عدو الفقراء، حسب ادعائها، ويفرض عليهم أن يتناولوا غذاء دسما ويلبسوا رداء دافئا وأن يتدثروا جيدا أثناء النوم، ومن أين لهم بذلك؟ وورثت أمي عنها عداوة نحو هذا الفصل، وتوفيت الإثنتان في فصل الشتاء…

تذكرت جدتي عندما اشتد البرد أثناء الأسابيع الأخيرة، في الوطن العربي، وبالأخص في مشرقه، وأرقني وضع اللاجئين الفلسطينيين، خصوصا في غزة، حيث بقي الحديث عن “إعادة الإعمار” مجرد هذيان، وبقي أكثر من 100 ألف منهم في العراء، وكذلك وضع اللاجئين السوريين الذين استغلهم النظام الأردني لاستجداء الأموال، واستغلهم النظام الطائفي اللبناني ليصبحوا “سبب كل مشاكل لبنان” (بعد الفلسطينيين طبعا)، واستغلهم النظام التركي ليقوي مركزه كقوة اقليمية في المنطقة…

لم يقتصر حالنا (نحن العرب) على مجابهة الظروف المناخية في هذا الفصل، بل اكتملت الردة في تونس ومصر، وتهاطلت المشاريع الإمبريالية لاعادة احتلال المنطقة، بمساعدة نشيطة من عرب النفط الذي وهبوا المال والعتاد والأرض (لإقامة القواعد) لإعادة احتلالنا بتعلة “محاربة الإرهاب”، بعد أن تعذر العثور على “أسلحة الدمار الشامل”…

في العقود القليلة الماضية، شهد شهر كانون الثاني/يناير انتفاضة في مصر سنة 1977 ضد غلاء الأسعار ورفع الدعم عن رغيف الخبز، تطبيقا لشروط صندوق النقد الدولي، وأعلن السادات أنها مؤامرة دبرها بعض الشيوعيين وقطاع الطرق، وامتلأت السجون بالمعتقلين، والمقابر بالمقتولين عمدا وبإضمار مسبق… أما انتفاضة 25 كانون الثاني 2011 فقد عصفت برأس نظام حسني مبارك (مؤقتا)، من أجل مطالب “الخبز والحرية والكرامة” لكن للأسف فقد برأ القضاء رموز النظام السابق وأطلق سراح من كان منهم معتقلا ودخل مكانهم من ثاروا ضده وتسببوا في إسقاطه، بل قتلت قوات القمع “شيماء الصباغ” وما لا يقل عن عشرين آخرين في الذكرى الرابعة للإنتفاضة، بعد أن استتبت الأمور للكمبرادور والجيش (مؤقتا؟) بالحديد والنار والقوانين الجائرة والقضاء المنحاز… أظهر ممثل المؤسسة العسكرية المصرية (التي تتحكم بها الآلة العسكرية المريكية) انه أشد عداء للفلسطينيين من حسني مبارك، فأحكم حصار غزة وهدم جزء من رفح المصرية بهدف إحكام الرقابة على الجزء الفلسطيني من المدينة، وعزز التحالف مع أكثر الأنظمة العربية رجعية، مقابل حفنة من البترودولارات (في شكل قروض) وكان من أول القرارات التي اتخذها الجيش، تجريم التظاهر والإضراب وأشكال الإحتجاج الأخرى، وعادت وسائل الإعلام تسبح بحمد الحاكم ليلا نهارا، دون أي “صوت نشاز”

في تونس نفذ العمال إضرابا عاما، هو الأول في تاريخ البلاد، يوم 26 كانون الثاني 1978 من أجل زيادة الرواتب ووضع حد لتدهور وضع العمال، فأخرج نظام بورقيبة الجيش من الثكنات، لمساعدة قوات الشرطة على قتل المئات واعتقال النقابيين، وبعد سنتين، احتل رجال مسلحون ثكنة عسكرية في مدينة “قفصة”، فتدخل الجيش الفرنسي (الطيران) وانتهت العملية بعدد لم يعلن ابدا من القتلى والمعتقلين وصدر عدة أحكام إعدام، نفذ معظمها…

في أواخر كانون الأول 1983 وبداية كانون الثاني 1984 عمت البلاد احتجاجات ضد رفع الدعم عن المواد الغذائية، ومضاعفة أسعار الخبز والعجين، تطبيقا لتعليمات صندوق النقد الدولي، وأسفر تدخل الجيش عن حوالي 600 قتيل إضافة إلى آلاف المجروحين والمعتقلين من الشباب، وتراجعت الحكومة مؤقتا عن زيادة الأسعار…

في كانون الثاني 2008، انتفضت منطقة “الحوض المنجمي” في الجنوب الغربي من تونس (منطقة قفصة وما حولها، حيث مناجم الفوسفات) من أجل توفير الوظائف والتخفيف من حدة البطالة، ودامت الإنتفاضة أكثر من ستة أشهر، لكن النظام تمكن من محاصرتها، ومن عزل المنطقة وتطويقها بالجيش والدرك، فلم يتجاوز صداها هذه المنطقة الفقيرة، وأسفرت عن اعتقال عدد من أهالي المنطقة، ولكن بعد سنتين ونيف، وبداية من 17 كانون الأول 2010 انطلقت المظاهرات في المناطق المحرومة، وسط وجنوب البلاد، ثم انتشرت في مختلف المناطق الأخرى، من أجل الشغل والحرية والكرامة، إلى أن هرب رأس النظام، وكما في مصر فقد سقط الرأس وطلعت رؤوس أخرى، جاء بعضها من سلة مهملات التاريخ، ليحكموا “باسم الثورة” ويأتمروا بأوامر ممثلي الإمبريالية الأمريكية والإتحاد الأوروبي، فأنكروا وجود قناصة النظام الذي قتل العديد من المواطنين ونددوا بالإضرابات والإحتجاجات، “لأنها تخيف السائحين والمستثمرين” (الأجانب طبعا)، وأدمجوا في أحزابهم وقوائمهم الإنتخابية رموز الفساد والرشوة والقمع والتزلف الخ

في تونس كما في مصر، أطلق القضاء العسكري والمدني سراح من اعتبروا مسؤولين عن الإغتيال والقمع، واعتقلت الشرطة، بنفس الحماسة “المشاغبين والمصطادين في الماء العكر” وزج بهم القضاء المنحاز في نفس السجون ليستقبلهم نفس السجانين بنفس عقلية 2010 أو ما قبلها، وفي كلا البلدين تدهور وضع العمال وارتفعت نسبة البطالة ونسبة الفقر، وتواصلت خصخصة القطاع العام بوتيرة أقوى من عهد حسني مبارك أو زين العابدين بن علي، وحكم الإخوان المسلمون في كلا البلدين وأظهروا ولاء غير مشروط للإمبريالية وشاركوا في العدوان على ليبيا وسوريا (كل حسب جهده) وأغرقوا البلدين بالديون الخارجية التي ستتحمل الأجيال القادمة تبعتها، وطبقوا شروط صندوق النقد الدولي بحماس منقطع النظير، “وآخر الطب الكي”، عاد من ثار ضدهم الشعب، من صناديق الإقتراع، وتميزت الإنتخابات بضعف المشاركة وتغييب من أشعلوا نار الثورة، إذ لا تفوز بالإنتخابات سوى القوى المنظمة والتي تمتلك الأموال الكافية لضرورات الدعاية الإنتخابية والتنقل وكراء المحلات ورشوة الناخبين

خلال هذا الشتاء (2014-2015)، تميز الطقس ببرودة استثنائية، وتميز الوضع العربي بردة منقطعة النظير، بعدما سرى الأمل في صفوف الفقراء والعمال والعاطلين وغيرهم من الكادحين، ويتوجب البحث في أسباب فشل انتفاضتي مصر وتونس، وضعف الرد الشعبي على العدوان الأمريكي والأطلسي المستمر في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وليبيا وغيرها من بلاد العرب

كانت الإنتفاضتان عفويتين، بدون برنامج أو قيادة أو ترتيب للأهداف الآنية والبعيدة، وبدون بديل للأنظمة القائمة، لذلك كانت قوى الإسلام السياسي (التي لم تشارك، بل عارضت الإنتفاضتين) جاهزة وحازت على رضا من يتحكم في اقتصاد البلدين، أي الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، ولم تجف بعد دماء الشهداء حتى عاد رجال (ونساء) النظامين إلى البروز، لأنهم لم يفقدوا شيئا من مصالحهم ونفوذهم وشبكاتهم، بل استطاعوا استمالة اليسار المائع إلى صفوفهم، فدعت بعض قوى اليسار إلى مساندة عبد الفتاح السيسي في مصر والباجي قائد السبسي في تونس، بحجة “قطع الطريق أمام الظلاميين”

لكي لا نكرر نفس الأخطاء، وجب البحث في برنامج وأهداف وطرق إنجاز الإنتفاضة المقبلة، وعدم الإكتفاء بالمطالب ذات الصبغة الديمقراطية، بل إعداد برنامج سياسي واقتصادي ثوري، قابل للتطبيق والتمويل وحل مشاكل البطالة والفقر وإنتاج ما نحتاجه من مواد أساسية، وافتكاك السلطة والمحافظة عليها، من أجل تحقيق الأهداف التي قتل من أجلها الشهداء، في حين أصيب الآلاف بإعاقات مختلفة الخطورة، وعند ذلك فقط يمكن أن نسمي ما حدث ربيعا، فالشتاء يسبق دائما الربيع، ولا يوجد استثناء لهذه القاعدة