جبهة الجنوب: في الاهمية و الحصاد الاولي

العميد د. امين محمد حطيط

بعد حرب العام 1973 و ما اعقبها من خروج مصر من ميدان الصراع مع اسرائيل المغتصبة لفلسطين اعتبرت  اسرائيل ان وجودها في المنطقة بات نهائيا و بامكانها الانتقال من مرحلة القتال لتثبيت الوجود الى مرحلة العمل لتوسيع الفضاء الاستراتيجي للدولة ،في المنطقة التي استبدلت تسميتها من عالم عربي الى منطقة الشرق الاوسط الكبير او الجديد الذي تستأثر فيه بالريادة تحت اشراف و قيادة اميركية.

 لكن الحلم الاسرائيلي ذاك و رغم كل ما احاط به من عوامل النجاح واجه كابوسا لم يكن بالحسبان حيث انفجرت ثورة اسلامية في ايران اسقطت حكم الشاه “شرطي الخليج” و اقامت حكومة استقلالية رفعت شعار الحرية و التحرير لفلسطين من الغدة السرطانية اسرائيل .

و في بحثه عن التوازن الاستراتيجي مع العدو الاسرائيلي ، التوازن الذي اختل بخروج مصر من الحلبة ، وجد الرئيس حافظ الاسد و بنظرته الرؤيوية البعيدة ان ايران الاسلامية قد تكون بديلا استراتيجيا  لاستعادة التوازن فلاقى سريعا يدها الممدودة للعالم لعربي من اجل فلسطين ، و معها سارع الى دعم المقاومة في لبنان  التي تشكلت في  اعقاب خروج منظمة التحرير الفلسطنية منه اثر احتلال اسرائيل لنصف لبنان حتى بيروت ، و قد وجد الرئيس الاسد في ايران اقليميا و في المقاومة ميدانيا و الجيش العربي السوري محليا منظومة قوة ملائمة لمنع تصفية القضية الفلسطينية و الحؤول  دون ارغام سورية على توقيع اتفاقيات الاستسلام للعدو كما فعل غيرها.

عملت المقاومة في لبنان و بدعم من ايران و سورية سنوات طوال  في ظل اختلال موازين القوى دوليا و اهتزاز المواقع اقليميا و محدودية القدرات ابتداءا  ، لكنها تنامت و راكمت الخبرات و الامكانات حتى استطاعت ان تحرر الجنوب اللبناني – الا مزارع شبعا – و ان تسجل في العام 2000 انتصارا عسكريا ميدانيا كاملا على اسرائيل وترسي قاعدة جديدة في الصراع معها مفادها ” ان جيش اسرائيل يقهر ، و ان الارض بالقوة تحرر” .

 و حاولت اسرائيل في العام 2006 ان تطيح بهذه القاعدة التي لا ترتضيها لما فيها من خطر على وجودها القائم على القوة دون الحق ،  لكنها فشلت في الميدان ،  فعوضت عليها الامم المتحدة بالقرار 1701 الذي جاء الى لبنان ب 15 الف جندي دولي ينتشرون في البر و البحر لحماية اسرائيل من المقاومة ، و مع هذا القرار  اطمأنت اسرائيل او استعادت الطمأنينة التي كانت تصورتها يوم توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر و خروج المقاتلين الفلسطنيين من لبنان في العام 1982 .

بنت اسرائيل طمأنينتها في طبعتها الجديدة في العام 2006 على مشهد رأت فيه نفسها محصنة باتفاقيتي سلام (مع مصر و الاردن ) تفرضان المناطق المعزولة او المؤجرة لاسرائيل ، و اتفاقية فض الاشتباك مع سورية و قرار دولي بوقف  الاعمال العدائية  و ابعاد المقاومة عنها مسافة 25كلم مع انشاء منطقة عازلة ايضا بحراسة الامم المتحدة .

لكن اسرائيل و بعد ايام قليلة من اسدال الستار على “حرب لبنان الثانية”( وفقا لتسميتها )، تبينت ان حلمها غير قائم على قاعدة صلبة ، لان المقاومة في لبنان التي ابتعدت ظاهريا عن الحدود ، تابعت و بدعم و احتضان من المحور المشكل منها و من ايران و سورية ، تابعت تعزيز قدراتها وامكاناتها الى ان توصلت الى امتلاك القوة النارية الصاروخية التي تغطي بشظاياها و لهيبها كامل فلسطين المحتلة ، و هو خطر لمست اسرائيل بعض اثاره و آلامه جزئيا في العام 2006 ثم تأكدت منه في العام 2014 على يد المقاومين الفلسطنيين في غزة المحتضنين من محور المقاومة و المسلحين ايضا ببعض ما لدى حزب الله من صواريخ على قلة الكمية و محدودية الفاعلية ورغم ذلك كانت لسعاتها تؤلم اسرائيل بعمق و تطرح عليها السؤال :”كيف سيكون مفعول نار حزب الله اذن” ؟

رات اسرائيل ان الخروج من دائرة القلق والخوف على المصير بعد كل الذي حصل له معبر اجباري  واحد ، هو اسقاط سورية و الاجهاز على جيشها و اقامة حكومة عملاء لها في دمشق عندها تعزل حزب الله في لبنان  و تبعد ايران عن فلسطين ، و لاجل هذا كانت القرار الصهيواميركي بالعدوان على سورية و شن تلك الحرب الكونية القذرة ضدها ، ولكن رغم كل الجهود و الطاقات التي سخرت في هذا  العدوان صمدت سورية طيلة اربع سنوات  واجهضت الخطة تلو الخطة بدءا بخطة الاخوان بقيادة تركية قطرية ، الى خطة الوهابية بقيادة سعودية ، الى خطة داعش الاخيرة .

 لقد ارعب الصمود السوري المحتضن بمحور المقاومة اسرائيل ، لكنها  رفضت الاعتراف بالهزيمة – هزيمة مشروع اسقاط سورية– فاختارت ان تتقي تداعيات الهزيمة بالمسارعة الى اقامة منطقة عازلة في الجولان توكل امرها الى تنظيمات ارهابية تعمل بامرتها ، فاذا اكتمل ذلك تحاول ان تدفع لاستئناف العدوان على سورية وفقا لخطة رابعة تكون الاردن العامود الفقري فيها .

 فجأة و بهذا التصور الاسرائيلي انقلبت الجبهة الجنوبية في سورية الى المكان الذي يحدد فيه مصير العدوان كله، و تحولت الى الميدان الذي يحدد العناصر الرئيسية للمشهد برمته ، فنجاح الخطة هذه  يعني اهدار كل مكتسبات الصمود السوري طيلة 4 سنوات ، اما فشلها فانه يعني اقفال الباب امام المخطط المعتدي و منعه من اجتراج خطط عدوان جديدة بعد ان يكون قد اخرج كل ما في جعبته ما يعني الاضطرار الى الذهاب الى الحل السياسي الذي يكرس إنتصار سورية و محور المقاومة الذي تنتمي اليه .

نظرا لهذه الاهمية و الخطورة معا القى محور المقاومة بالثقل المناسب في الجبهة الجنوبية ، و ابدع في وضع الخطط التي تقود الى الانتصار الاكيد ، و جهز لكل تصرف اسرائيلي او سواه ، ما يناسبه م ن الرد في التوقيت الملائم لاحداث اعلى قدر من التأثير و بهذا  الفهم و التصور انطلقت معركة الجنوب فحققت في ايامها الاولى ما فاق التوقع من المفاعيل و انتجت حتى الان ما يلي :

1)   ثبات معادلة توازن الردع مع اسرائيل ليس على صعيد الجبهة مع لبنان فحسب بل على كامل الجبهة الشمالية بالتسمية الاسرائيلية شاملا لبنان و سورية ،ثم التوسع في الاعمال الى حد تخطي قيود قواعد الاشتباك القائمة  بما اظهراسرائيل عاجزة مغلولة اليدين عن التدخل المباشر لنجدة عملائها من ارهابيي جبهة النصرة وسواهم من الارهابيين الذين تسميهم اميركا معارضة معتدلة ،  فاسرائيل التي كانت تتدخل لنصرتهم قريبا من دمشق احجمت عن ذلك وهم على مسافة 8 كلم من مراكز احتلالها للجولان رغم انها تشاهدهم يتساقطون و يلوذون بالفرار امام الجيش العربي السوري و القوات الحليفة ، في مشهد اسقط الحلم بالحزام الامني الاسرائيلي.

2)   قطع الطريق على الاردن لتنفيذ الخطة الاميركية الرابعة ضد سورية ، و الزامه  بالتراجع عن المعركة البرية بزج قواه الذاتية و فيلق الارهاب السوري الاول الذي نظمه مؤخرا للتوجه الى  دمشق لتغيير المعادلات فيها حسب زعمه، فالاردن علم الان انه لا يستطيع فعل ذلك ان لم يكن مطمئنا الى واقع حوران و الحال على حدود الجولان و كلها باتت في غير ما يشتهي  .

3)   التأكيد على انطلاق المقاومة الشعبية السورية في حوران لتحرير الجولان و ترابطها بالمقاومة اللبنانية، و هو ما كانت تحاذر اسرائيل منه و بات الان يشكل الحدث الاستراتيجي الاهم بالنسبة لكل للمشهد ، حيث انه يراكم الخسائر الاسرائيلية تباعا ، اذ بعد خسارة اسرائيل للقرار الطليق بالحرب ، و بعد ابتعاد شبح الوطن البديل من جراء احجام الاردن عن خوض حرب برية ضد سورية تنهك قواها و تفرغ الداخل الاردني بشكل يمكن من الاطاحة بالحكومة القائمة لتحل معها حكومة تجعل من الاردن وطنا فلسطينيا بديلا يريح اسرائيل ، بعد كل ذلك يأتي انقلاب المشهد و تعاد الى الواجهة جبهة تعمل عليها المقاومة فتنكسر حلقة الامان الاسرائيلية التي ذكرناها و تعود اسرائيل الى المربع الاول من حيث القلق، و لكن هذه المرة خطر تشكله منظومة متماسكة تملك كل القدرات و الامكانات و العزيمة لتقول لاسرائيل ان الغدة السرطانية التي تشكليها بوجودك اقترب وقت اقتلاعها .

شاء اصحاب المشروع الصهيواميركي تدمير سورية و اسقاطها لانتاج ظروف البقاء والامان النهائي لاسرائيل ، و بعد اربع سنوات من المواجهة و الكر و الفر يجد اصحاب المشروع انفسهم امام مشهد يعاكس اهدافهم  ، مشهد لم يعد الامور الى ما كانت عليه قبل العدوان بالنسبة لاسرائيل ، بل تطور ليضع اسرائيل في دائرة الخطر الذي طالما عملت لتفاديه ، اما الاردن الذي ما ترك شيئا يمكنه القيام به ضد سورية الا وقام به اختيارا او ارغاما، فان انجازات محور المقاومة على الجبهة الجنوبية ارتدت عليه ايجابا لمصلحته فانتجت بيئة تجعله يتفلت من الضغوط الخارجية ، و يمتنع عن العمل ضد سورية اذا كان راغبا حقيقة في ذلك، فيتفلت من خطر الوطن البديل ، جاء ذلك نتيجة لتضحيات الجيش العربي السوري و القوات الحليفة التي تقاتل الارهاب و رعاته فيستفيد من قتالها حتى اولئك الذين ساهموا في العدوان.

انه الحصاد الاولي  لجبهة الجنوب التي باتت جبهة الحسم التي يؤسس فيها  لمشهد جديد يكون فيه محور المقاومة صاحب الكلمة الفصل …اما المعتدون فيتوزعون المقاعد بين القلق و التخبط و الاضطراب و انعدام الرؤية.

:::::

الثورة، دمشق