السلطان الأحمر والسفّاح

ثريا عاصي

علمت أن بعض المؤرخين يعتبر أنه من بين العوامل الهامة التي نجمت عنها يقظة القومية العربية في بداية القرن الماضي، نجد رفض السيطرة العثمانية وسياسة التتريك. تحسن الملاحظة في هذا السياق ان الغاية التي توخاها على ما يبدو السلطان العثماني، عبد الحميد الثاني 1876ـ 1909 بلجوئه إلى نظام الخلافة والجامعة الإسلامية، هي استهواء المسلمين غير الأتراك.
كان هذا دأب سلاطين آل عثمان منذ أن تغلبوا على المماليك واستولوا على مصر والشام 1515. يتلفعّون بعباءة الدين فيمنحون أنفسهم الألقاب من نوع أمير المؤمنين وخادم الحرمين الشريفين، مثلهم كمثل جميع الغزاة الذين يزعمون أنهم جاؤوا من أجل كفاح الفساد وإظهار الحق وإثبات كلمة الله في الأرض. لم يتغير شيء.
أقتبس عن كتاب الدكتور فيليب حتي «تاريخ سورية»، «ظفر تدريجيا بتركيز إدارة البلاد في قبضة يديه. وضع الصحافة تحت رقابة شديدة وألغى جميع التدابير التي تؤمن حرية الفكر، نشر شبكة محكمة من الدس والتجسس. أجرى الإعتقالات بالجملة، نفذ أحكام الإعدام على نحو جماعي، وأمعن في الأرمن فتكا وتذبيحا فأكسبه ذلك لقب «السلطان الأحمر»…
من المحتمل أن يكون قد لزم ثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي الحميدي حتى يلحظ قادة الجيش أن البيت العثماني يتداعى وانه يوشك أن يسقط فريسة تتنازعها فرنسا وروسيا وبريطانيا بالإضافة إلى ألمانيا. فاغتنم هؤلاء القادة الفرصة وبشروا بقدوم ربيع «جمعية الإتحاد والترقي». التي تلقت الهزائم المتتالية في البلقان وفشلت في فرض الرابطة العثمانية وفي تتريك العرب رغم عودتها إلى الاستبداد على طريقة السفاح جمال باشا.
أكتفي من هذا الإستطراد التاريخي. الذي أوصلتني إليه مداورة السياسة التي ينهجها الرئيس أردوغان، في تركيا نفسها بالإضافة إلى سوريا والعراق. في الواقع أنا في حيرة من أمر هذا الرجل. فالعلاقة التي تربط بين حكومته من جهة وبين «داعش» من جهة ثانية، هذه العلاقة ليست متخيّلة بل هي حقيقية بحسب معظم المراجع وبحسب المنطق أيضا، إنما تدل على ميل إلى تشجيع الإجرام والقتل بأبشع صوره. تتلقى «داعش» الإمدادات عبر الحدود التركية. فضلا عن توفر معطيات ثابتة عن ضلوع الحكومة التركية في الحراك «الداعشي»، على شكل تواجد عسكري تركي قتالي ومخابراتي في صفوف «داعش» في معكسرات على الأراضي التركية وفي ساحات المواجهة في سوريا والعراق. أخبار مسرّبه تفيد بأن عدد الأتراك في صفوف «داعش» 12000 ألف. تأسيسا عليه، يحق لنا أن نتساءل عن أوجه الشبه بين الرئيس اردوغان وبين جمال باشا المعروف بالسفاح، الذي يقال ان فكرة تأسيس دولة مستقلة في فلسطين وسوريا إستهوته.
في المقابل، من المعروف أن الرئيس أردوغان إقتحم ميادين الثورات العربية إلى جانب الحلف الأطلسي، ليس فقط كعضو في هذا الأخير ولكن كممثل «لرابطة إسلامية» تضم فروع حركة الإخوان المسلمين في العالم. لا أظن أن هذه الصفة تحتاج إلى توثيق. ربما هي سبب الخصومة التي تباعد بين الخليفة وبين خادم الحرمين. أمام مجازر «داعش» ومشاهد الإعدام المصورة في هوليود هذه الأخيرة، يصعب في الحقيقة تمييز إرث السلطان الأحمر من خنق الحركة العربية على يد السفاح جمال باشا في سوريا!

::::

“الديار”