“كنعان” تتابع نشر كتاب “ظلال يهو/صهيو/تروتسكية في المحافظية الجديدة”

تأليف د. عادل سمارة

 

آليات الإحتواء الرسمي:التروتسكيون في المقدمة

ما يلي مقتطفات مما كتبه دونيس بونو تحت عنوان: مفكرو نيويورك واختراع المحافظين الجدد.

“…انطلاقا من عام 1945، جندت مصالح الدعاية الأمريكية و البريطانية مفكرين منحدرين عادة من الأوساط التروتسكوية لأجل اختراع و ترقية ” أيديولوجية قادرة على منافسة الشيوعية”. مفكرو نيويورك، على رأسهم سيدني هوك، أدوا بحماس و فاعلية العديد من المهمات التي عهدها إليهم مكتب الاستعلامات المركزية الأمريكية، بسرعة أصبحوا ضباط المخطط الأول من الحرب الفكرية الباردة. منظرون قياديون من هذا التيار، مثل جامس برنهام، و أرفين كريستول، صاغوا فصاحة المحافظين الجدد التي يتكئ عليها صقور واشنطن اليوم.

في الولايات الأمريكية، كان الظرف أكثر من مناسب. محاكمات موسكو، نفي تروتسكي، الذراع الأيمن الأسبق لـ”لينين”، و الاتفاق الألماني السوفييتي أساءوا كثيرا إلى الحزب الشيوعي. في هذا الإطار، التحق الماركسيون بالجناح التروتسكي اليساري الراديكالي تحالف جانب منهم مع مكتب الاستعلامات المركزية الأمريكية. بعد سلسلة من الإخفاقات الرهيبة، تراجعت المصالح السوفييتية عن أية هيمنة أيديولوجية في الولايات الأمريكية و اختارت منح الامتياز لدول أوروبا الغربية، بالخصوص فرنسا و ايطاليا.

مصالح الاستخبارات البريطانية و الأمريكية صنعت فكرة ذات مصداقية معينة وعالمية لأجل منافسة الماركسية ـ اللنينيية. في هذا الإطار، ولَّد مفكرو نيويورك ـ سيدني هوك، جامس برنهام، ارفنينغ كريستول، دانيال بيل… ـ مقاتلين ثقافيين على درجة عالية من الكفاءة.

“الضربات الملوية” الأولى

مفكرو نيويورك ليسوا بحاجة إلى التسلل إلى الأوساط الشيوعية: إنهم يتواجدون فيها و يـُعرفون بكونهم مناضلين تروتسكيين. بتوظيف مكتب الاستعلامات المركزية لشخص مثل الفيلسوف الماركسي “سيدني هوك” حصلت على المعلومات الضرورية عن اليسار الراديكالي الأمريكي، و حاولت تخريب التجمعات الدولية التي كانت ترعاها موسكو.

ثم أخذا بدروس ” ضربة والدورف”، رتب مكتب الاستعلامات المركزية الأمريكية و البريطانية معا عملية جمع التروتسكيين في الحرب السرية ضد موسكو، إلى درجة جعلها حالة دائمة من ” الحرب البسيكولوجية” التي خاضوها ضد الاتحاد السوفييتي[1].

” في هذا المنطق من المكيدة، كانت مبادرة السيناتور ماكارثي، مدعومة بحذر من قبل “هوك” الذي نشر مقالين،” مخالفة المألوف نعم! المؤامرة لا! )” Heresy, yes ! Conspiracy, no ! ” و ( مخاطر اليقظة الثقافية ) “The dangers of cultural vigilantism ” و التي عبرها تظاهر بأنه ينتقد ماكارثي. شجع على الوشاية ضد الموظفين، المفكرين و السياسيين المقربين من الشيوعيين. ادعى “هوك” دائما فيما بعد انه لم يساند قط السيناتور ويسكونسن، و هو ما تستنكره عليه الفيلسوفة ” حنا أريندت”، التي كانت حليفة طبيعية ل”هوك”. عندما مول مكتب الاستعلامات المركزية المفكرين” الأوربيين[2]” . للتذكير فقط، فإن الكثير من المثقفين العرب لا يعرفون عن علاقة حنا اريندت ب سيدني هوك.

سيدني هوك: في عبارة ” مخالفة المألوف نعم!” يصف الوضع الأيديولوجي ” للمتحررين الواقعيين” ومفهوم ” الذنب عن مخالطة”. استنتج أنه على الدولة أن تمارس ” مطاردة السحرة” بإبقائها على مظهر النظام الليبرالي. لأجل هذا، على الإدارة ، بدل أن تجرم الموظفين الشيوعيين عليها أن تجبر الأشخاص المشكوك في أمرهم على الاستقالة. فيما يخص الأساتذة، ذكر “هوك” أن الأستاذ الشيوعي ” يمارس احتيالا مهنيا حقيقيا”[3]

في سنة 1972، غادر سيدني هوك نيويورك و أصبح إلى غاية موته واحدا من أهم المنظرين المحافظين الذين تجمعوا في خضم مؤسسة هوفر… بارتياده دوائر الدبلوماسية السرية، أصبح “سيدني هوك” محافظا محترما من قبل الحكام. قي سنة 1985، منحه رونالد ريغان أعلى امتياز مدني أمريكي، ميدالية الحرية “Medal of Freedom” في اليوم نفسه مـُنح وساما إلى فرانك سيناترا و جيمي ستيوارت. توفي في سنة 1989[4]“.

دعم المجلات:

في تكتيك من مكتبي الاستعلامات المركزية الأمريكية و الاستخبارات البريطانية ركز دانيال بيل الوقت، على ” تحويل” المناصرين التروتسكيين و ضمان طاعتهم. لأجل هذا، استثمرت المكاتب جانبا من الأموال السرية التي كانت بحوزتها لأجل ” إنقاذ” المجلات الراديكالية من الإفلاس التام. بهذا الشكل تلقت مجلة ” Partisan Review ” المقتطعة من مفكري نيويورك، المنبر القديم للشيوعيين الأرثوذكس، ثم التروتسكيين…

 تلقت العديد من المساعدات المادية. في عام 1952، بفضل دانيال بيل منح “هنري لوس” رئيس إمبراطورية “Time-Life” 10.000دولار حتى لا تحتفي المجلة. في نفس السنة، نظمت مجلة ” Partisan Review ” حلقة دراسية كان موضوعها العام :” تحولت أمريكا اليوم إلى حامية الحضارة الغربية”! [5]

والسؤال هنا: هل يفسر هذا لماذا تتوفر لدى المنظمات التروتسكية إمكانات مالية كبيرة بحيث يتصدرون مختلف قوى اليسار من حيث الإنفاق على المجلات والكتب ولاحقا مواقع الإنترنيت. وهذا ليس في الغرب الراسمالي بل كذلك في العالم الثالث والوطن العربي وخاصة في مصر وإلى حد ما لبنان؟
عرّاب “كويستلير”، هو “جامس برنهام”، الذي ولد سنة 1905 في شيكاغو. أستاذ في جامعة نيويورك، تعاون مع عدد من المجلات الراديكالية و شارك في بناء ” Socialist Workers Party “. سنوات من بعد، نظم انشقاق مجموعة تروتسكي[6]

 في سنة 1941، نشر  في ” Managerial Revolution”، منشور مستقبلي للمجلس لأجل الحرية و الثقافة، تـُرجم في فرنسا سنة 1947 تحت عنوان ” عصر المنظمين “. ارتداد “برنهام” في غاية المشهدية. في ظرف سنوات، بعد أن التقى مسؤول شبكة ” ستاي بيهاند [7]

، “فرانك وسينر” و مساعده “كارمن أوفي”، صار واحدا من المنتقدين المدافعين عن الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي حسبه بمثابة المتراس الوحيد في وجه البربرية الشيوعية. أعلن: ” أنا ضد القنابل المخزنة حاليا في سيبريا و القوقاز، و التي وضعت لتدمير باريس و لندن و روما (…) و الحضارة الغربية بصفة عامة (…) لكنني مع القنابل المخزنة في لوس ألاموس (…) و الذي منذ خمسة أعوام سعى إلى الدفاع ـ الدفاع الوحيد ـ عن الحريات في أوروبا الغربية

أما شاختمان:
“… وباحتفاظه لأكبر مدة ممكنة بخطابه اليساري المتطرف، صنع “ماكس شاختمان” من ” حزب الديمقراطيين الاجتماعيين الأمريكيين ” مستودعا لمكتب الاستعلامات المركزية قادرا على إفقاد مصداقية تشكيلات اليسار المتطرف، بينما صار أحد أهم مستشاري المنظمة النقابية المناهضة للشيوعية [8]

نجد في المكتب السياسي لحزب الديمقراطيين الاجتماعيين الأمريكيين” (SD/USA) شخصيات مثل “جان كيركباتريك، والذين صاروا أيقونات عهد ريغان. في إطار غموض تام للأنماط، و “بول وولفويتز” المُنظـّر من اليمين المتطرف تدخل كخطيب في مجلس حزب اليسار المتطرف. صار “كارل غيرشامن” رئيسا لحزب الديمقراطيين الاجتماعيين الأمريكيين” (SD/USA)، هو اليوم المدير التنفيذي لـ ” National Endowment for Democracy “] [9]“.

بصفة عامة، أعضاء ذلك الحزب بمن فيهم كبار المتناوبين من مجلة ” Commentary ” و ” Committee for the Free World “، تم تكريمهم على مراوغاتهم انطلاقا منذ بدء انتخابات رونالد ريغان. مفكرو نيويورك لم يطوّروا من النقد ضد اليسار الشيوعي فحسب، بل اخترعوا غطاء ” من اليسار” للأفكار اليسارية المتطرفة، حيث المصدر النهائي هو المحافظية الجديدة. هكذا، هل يستطيع، “آلن كريستول” و أصحابهم تقديم جورج بوش بثقة على أنه ” مثالي” يعمل على ” دمقرطة” العالم؟[10]

البدايات العملية:: اليهود والتروتسكيون في صلبها:

يرد البعض الآخر  بدايات المحافظية الجديدة إلى اواخر الستينات على شكل حلقات ثقافية محلية اكثر بدايتها يهودية ثم انتقلت للحوار في السياسة القومية في عهدي ريجان وجورج بوش. ويمكن ملاحظة  اصولها في تناظر ملموس في عناصر يائسة من ضمنها التروتسكية  والاشتراكية الأميركية واللبرالية الأمريكية. وعليه فإن الكثير من  المحافظين الجدد (وليس الجميع بأي معنى)  كانوا داعمين للتنقيحية الجديدة الإسرائيلية  وهذه العلاقة قلما كُشفت باستثناء ما ورد في ((Medoff, 2002, Wyman and Medoff. 2002, Ben Porat 2005) .

لقد ركَّب التنقيحيون الجدد نظرياتهم السياسية من العديد من النظريات ذات المشارب المتعددة ولكنهم صهروها جميعاً في المسألة الأساسية بالنسبة لهم وهي سيطرة الولايات المتحدة على العالم بالقوة المكشوفة. اي افكار شتراوس ألالن بلوم. ومن هنا يمكن فهم ذلك الدمج بين وجهة نظر الداروينية بجوهرها العرقي والتفوقي وبين الثورة الدائمة التي اساسها إنسانية ماركس والتي اخذها عنه تروتسكي ليتم تطويعها ضمن استراتيجية الولايات المتحدة في “ثورة السوق الدائمة” أي سوق عالمية في خدمة دولة الولايات المتحدة!السوق هي أولاً سوق،  ثم هي على نطاق عالمي بينما قرار إدارتها وجني ارباحها حصرا لصالح الولايات المتحدة وحصرا أكثر شركات الراسمالية في الولايات المتحدة وما يبقى هو حصة اقتصاد التساقط Trickle-down Economy.

وفي حين أن التروتسكية هي الجناح “الماركسي” الأكثر تشدداً ضد القومية من حيث المبدأ، والزعم بأنها التيار الأكثر أمميةً، فإنها بعد خروج تروتسكي عاشت في كنف الولايات المتحدة كسلطة إمبريالية دموية. ولذا، لم تجد قياداتها حيفاً في تقديم الخدمات للولايات المتحدة التي اتخذت موقفا قوميا متشدداً بعد الحرب العالمية الثانية.

هذا التوجه القومي العنصري في الولايات المتحدة والذي يجد جذوره لا شك في كونها مستوطنة بيضاء بتاريخ طويل من الارتفاع على جثث شعوب القارة الأمريكية الشمالية إضافة إلى دورها في الحرب العالمية الثانية وتراجع الإمبرياليات الأوروبية المتعبة من الحرب اي ليس تعففاً عن الدم، هذا عزز لدى الولايات المتحدة نوعا قوميا فاشيا تفوقياً هو في جوهره خدمة راس المال وطبقته مجسدة في شركاته.

وكان طبيعياً أن يتقاطع هذا مع تخليق الحركة الصهيونية “قومية” يهودية للمستوطنين اليهود في فلسطين. وإذا كانت الولايات المتحدة قد رأت في نفسها قبل ذلك الحين وخلاله وحتى اليوم بلداً استشنائيا على الصعيد العالمي، فإن الحركة الصهيونية قد رأت في نفسها قوة استثنائية في فلسطين تقتلع شعبها الأصلي بلا تردد.

“… منذ فجر التاريخ اليهودي، شكلت العلاقة مع ارض اسرائيل المبدأ  الذي ينص على ان وجود غير اليهود في البلاد هو اخلاقيا وسياسيا ليس ذي علاقة بالحق القومي لليهود في استيطان وامتلاك الأرض[11]

لا يختلف هذا التوجه الإبادي للشعب الفلسطيني عن إبادة الولايات المتحدة لشعوب امريكا الشمالية, وكما قام الكيان الصهيوني الإشكنازي على أن يبدأ ويستمر القوة الأقوى ضد المحيط العربي وحتى ضد كامل الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، قد اتخذت نفس التوجه وهو ما أكدته المحافظية بإصرارها على عدم بروز اية قوة موازية لأمريكا باعتماد القوة العسكرية. وقد يفسر هذا التوجه تركيز الولايات المتحدة على التفوق العسكري والتسليحي (الكينزية التسليحية)  خاصة والجوي بشكل اكثر تخصيصاً. بل ليس صدفة هذا التخصص لأن مراكز الأبحاث فيها والخلايا الفكرية وشبكات التجسس من مواطنيها وعملائها من خارجها كانت تؤكد بأن هناك أمماً في العالم تتسع طاقتها الإنتاجية مما يجعلها منافساً في السوق الدولية على مستوى السوق والاقتصاد طبعاً. وهذا ما أغرى السلطة في الولايات المتحدة باعتماد القوة العسكرية للحفاظ على حصتها “الكبيرة جداً” من السوق الدولية.

وبالطبع، كان لا بد لكل من الصهيونية والمحافظية الجديدة أن تركزا على مزاعمهما بوجود  “الاستثنائية” الأمريكية واليهودية/الصهيونية. وهذا ما وجد هوىً لدى قادة تروتسكيين وخاصة من اصول يهودية حيث حولوا الاستثنائية الأممية إلى استشنائية قومية مسلحة وعدوانية بالضرورة والقطع! وهنا من المفيد التذكير بأن أطروحات التروتسكية عموما هي ضد القومية بشكل مبالغ فيه. فكيف يستقيم تورط تروتسكيين لصالح الاستشنائية القومية للولايات المتحدة و “استثنائية” قومية لليهود المستجلبين من مئة قومية، بينما يقف ، وخاصة، التروتسكيين العرب ضد القومية العربية بشكل استثنائي حيث دعموا احتلال العراق وليبيا ويستدعون الناتو لاحتلال سوريا وتقسيم هذه الدول جميعاً؟ (راجع لاحقاً بيانهم ضد سوريا)

كان لا بد للمحافظية الجديدة من استخدام الديمقراطية نظريا وراسمالية السوق كمشروع عملي زاعمة أن هذا يخلق تغييراً حقيقياً في العالم. ولعل “التغيير الحقيقي للعالم” هو النافذة التي أغرت التروتسكيين الذين لم يروا، بأن هذا التغيير هو باتجاه وحدانية إيديولوجيا هي السوق الراسمالية تحت هيمنة “القومية الأمريكية المتشددة والعنصرية”.

كان الشغل الأساس لهذه الديمقراطية هو تحطيم المعسكر الإشتراكي. وهذا بالطبع كان اشد مغريات التواطؤ التروتسكي مع الإمبريالية وهو تواطؤ يمكن ردَّه إلى موْتورية أكثر منه إلى موقف سياسي عقائدي. ولكن في الوقت نفسه كانت الولايات المتحدة ولا تزال تحمي بملىء معنى الكلمة أنظمة حكم في العديد من بلدان العالم لم تسمع، بل وتمنع سماع اي حديث عن الديمقراطية والحريات.

وهذا يثير التساؤل: ما الذي يضع قيادات تروتسكية في بنية المحافظية الجديدة وهي ترى سياسات هذه الدولة التي كان المحافظون الجدد محركها الفكري ولاحقاً التنفيذي؟ هذا يسمح لنا بالتساؤل:

ترى، هل غير الصهيونية اليهودية هي التي تحكم حقيقة تفكير هؤلاء التروتسكيين؟

ربما كانت أكذوبة نهاية الصراع الإيديولوجي بعد تفكك المعسكر الاشتراكي هي من مغريات تساقط التروتسكيين لصالح سياسات المحافظين الجدد. وهي أكذوبة ساهمت فيها وسائل الإعلام على ضحالتها وبالتالي غطت على التحليل العميق والفكري لمسألة صراع الإيديولوجيات. فصارت تقارير الصحافي أشد تاثيرا من أطروحات المفكرين وهذا قاد إلى التلاعب بالوعي الجمعي للأمم.

وبالاعتقاد بنهاية عصر الإيديولوجيا، انخرط قادة من التروتسكيين  في الإيديولوجيا المتبقية الوحيدة في العالم وهي السوق الراسمالية. وبما هي عالمية فقد تم التراكب بينها وبين “أمميتهم” فبدا التحالف طبيعياً!

وبالطبع، فإن الزعم بنهاية الإيديولوجيات قد رًُهن أو رُبط بتفكك الأنظمة الإشتراكية، في تغييب للحقيقة المركزية بأن الإيديولوجيا ليس شرطاً أن تموت بموت سلطة حاكمة.