السيد والسيسي وتفكيك مفاصل القُطريات

عادل سمارة

في خطابة الأخير، لعل أكثر ما قاله السيد حسن نصر الله إضاءة: ” تعالوا معنا إلى سوريا وحتى إلى العراق- وربما اضاف حتى اليمن”. وحديث المقاومة، هذا واضح يتخطى بمعنى تجاوز وتحطيم حدود الدولة القطرية وليس مجرد الإلتفاف عليها. صحيح ان صانعي هذه الحدود قد سارعوا لذلك عبر تصنيع الطبعة الإرهابية للاستشراق، وبالطبع لأهداف نقيضة لهدف المقاومة.

  ما يجب أن يُبنى على هذا الحديث، بل هذا المشروع هو اعتبار حدود الدولة القطرية حدودا معادية للعروبة، حتى لو كان في بعض الدول القطرية انظمة عروبية. وهذا يعني ان المقاومة، إذا لم تأخذ إذنا من الدولة القطرية بالمقاومة فيجب ان لا تأخذ إذنا من أية دولة قطرية في تجاوز الحدود. وهذا يذكرنا بتباكي نصف السياسة اللبنانية وخاصة تيار المستقبل والرئيس السابق ميشيل سليمان  اللذين يطالبان المقاومة بالاستئذان منهما!. ولكن الطرفين هذين ليسا الوحيدين في الوطن العربي، فما أكثر أمثالهما.

  من جانبه دعى الرئيس السيسي الدول العربية إلى تشكيل جيش عربي موحد. وهي دعوة يختلف مظهرها عن جوهرها، كما انها / إن حصلت، ستكون متغيرة حسب كل جزء من الجغرافيا العربية. فالدعوة من جهة ضرورة رسمية لحماية الدول القطرية العربية من مزيد من التفتيت. صحيح أنها حماية للدولة القطرية، وهذا جانب سلبي، ولكن المرحلة الحالية تقتضي حماية جيوش الدول العربية لتحول دون مزيد من التفتيت.

قد يكون هذا الحديث رسالة إلى انظمة الخليج، بأن بوسع الجيوش العربية حماية الخليج، بدل البحث عن حماية تركية بما أن تركيا عدو تاريخي للعرب وأداة للناتو. وهي تلعب في العقدين الأخيرين دورا مأجورا لا مواربة. فاقتصادها وقد حُقن من الإمبريالية الأمريكية والأوروبية من جهة وصد أوروبا طلب عضويتها هناك من جهة ثانية وضعها أمام أحرج فترات حياتها بعد تفكيك امبراطوريتها المتخلفة إثر الحرب الإمبريالية (العالمية) الأولى.

تتضمن رسالة السيسي تحذيرا بأن تركيا استعمار تابع sub-imerialism  تماما كالكيان الصهيوني وهي تنفذ مخطط المركز الإمبريالي ولها بالطبع جُعالة.بينما تتضمن دعوة السيد مواجهة المقاومة لنظام الدين السياسي العثماني المتأزم بحثا عن دور بعد أن ركلته أوروبا المركزانية عنصريا من كل باب ووجه وأمرته بالانتحار على أبواب الشام.

 كما تتضمن رسالة السيسي بالطبع دعم اقتصاد مصر ليس بالمساعدات الحالية (إذا دامت) بل بدفع تكاليف الحماية. وهذا يذكرنا بأسوأ إدارة خليجية للفائض النفطي سواء بهدره على استجلاب عمالة أغلبها غير عربي، أو التعهد بشراء أسلحة لا تُتستعمل وأخيراً فتح مشروع تدمير الوطن العربي.

ولا شك ان دعوة الرئيس السيسي لا ترضي، إضافة لتركيا، الكيان الصهيوني ولا العدو الإثيوبي ولا الإمبريالية طبعا.

ولكن الأشد رفضا لها هي قوى الدين السياسي المتقاطعة مع مختلف الأجندات باستثناء أجندة المقاومة والعروبة.

ومن هنا التلاقي  الأساسي، اي مواجهة الإرهاب: ، ربما التلاقي غير المقصود بين ما طرحه السيد وما طرحه السيسي . وقد تكون نغمة النصح التي قدمها السيد لدول الخليج قد أتت كذلك في نهاية خطاب السيسي ايضا “ديروا بالكوا على بلدكو”.

دعوة السيد للاشتراك في مقاومة تخترق حدود الدولة القطرية للدفاع عن الوطن والبشر في مواجهة الإرهاب المعولم، هي تفكيك لمفاصل حدود الدولة القطرية. ودعوة السيسي لجيش عربي موحد هي دعوة لحماية الدولة القطرية من العدو الخارجي العسكري ومن الإرهاب المعولم كذلك. وهي كذلك رفضا لتدخل مصر ضد سوريا.

والسؤال هو: إن وجود مقاومة جامعة عروبياً، ووجود جيش عربي موحد يشكلان قوة دفاع ضد الأعداء سواء الإرهاب او الصهيونية أو جيوش الناتو. ولكنهما تشكلان تفكيكا لمفاصل الدولة القطرية بمعنى أنهما حالتين وحدويتين.

وهنا نصل إلى إشكالية من جهة وتحد آخر من جهة ثانية:

الإشكالية: هي ان معظم الأنظمة القطرية ترفض بالمطلق المقاومة، وترفض حتى الجيش العربي حتى وهي ترى مصاريعها على الأعتاب لأنها من جهة:

·       تحمل إيديولوجيا التجزئة من الجامعة العربية التي خُلقت لتكريس القطرية كعدو للوحدة العربية. ولذا سخرت معظم هذه الدول جيوشها لحماية الحاكم  وضد الدول العربية الأخرى وتحديدا ذات التوجه القومي.

·       ولأن ايا من هذه القطريات لا تملك قرارا مستقلاً. فهي توابع بمجرد الوجود ومن ثم البقاء.

والسؤال هنا:لا شك ان السيسي يعلم ذلك. فما سبب تلك الدعوة؟ هل يجوز لنا التفاؤل بالقول بانها في خلفيتها وما تُضمر هي دعوة للشعب العربي كي ينتفض بهذا الاتجاه؟ وهل لا يفهم الحكام هذا المضمور؟

هل يقصد السيسي إيجاد مبرر أو غطاء عربي لقيام الجيش المصري بتنظيف ليبيا؟ وهل يقصد إذن الحصول على غطاء ضد الدور القطري في ليبيا؟

أياً كان المقصود، نتمنى من:

·        الجيش المصري ان يستفيد من تجربة الجيش العربي السوري

·       ومن الجيش العربي السوري ان يكون نواة دعوة السيسي لجيش غربي يقوم بدور أعمق من ما يراه السيسي، أو ما يعلنه، اي مسح الحدود القطرية فيكون جيشا مقاوماً. لأن هذا ما نريده من سوريا  بعد الانتصار. فقد قدمت القطريات العميلة ما يوجب الذهاب إليها، تماما كما قال السيد، “تعالوا معنا” وهي دعوة تنتهي ب  “تعالوا معنا إلى القدس” . نعم يجب ان لا يعود ما كان كما كان.

أما دعوة السيد فواضحة ولا تحتاج لاستجلاء المعاني.

وكلي لدعوتين متخطيتين للطائفية والمذهبية وهذا ما يشكل هجوما ضد الإرهاب لأنه في جوهره طائفي ومذهبي وفي خدمة الإمبريالية والصهيونية مهما زعم وادعى.

  أما التحدي فهو: ضرورة قيام الطبقات الشعبية بملاقاة المقاومة اليوم على الحدود لمسحها. وهذا يعني تفكيك مفاصل الدولة القطرية من الداخل. وهو نفسه ملاقاة الجيوش العربية في حماية مجمل الوطن إن صح لبعضها ذلك الدور.

الأمر إذن باختصار، وجوب تفكيك مفاصل الدولة القطرية من داخلها لتحويل مجمل ابنيتها إلى بنى عروبية. وهذا التحدي  الذي علينا الاضطلاع به. فالمرحلة لا تحتمل تحول الأكثرية الشعبية إلى مئات الملايين من الانتظاريين والعالات والمنشغلين بالطعام والشراب ومتابعة مسلسلات التسميم الذهني والنفسي التي خلقتها الإمبريالية وأوكلت أمر ترويجها والإنفاق عليها لأنظمة النفط.

كي ننتقل من حافة مغادرة التاريخ إلى جوهره وصُلبه، لا بد من تشكيل حركات شعبية ثورية وحدوية في المجتمع العربي. فالاتكال على المقاومة المسلحة وحدها يرهقها وحتى يُحزنها ذلك الكم الهائل من الموات الذي بوسعه ان يكون حياة. وانتظار توحيد جيوش انظمة تابعة قد يكون بانتظار (جودو).

ملاحظة 1: لم أتعرض لطبيعة نظام الخليط الذي يرأسه الرئيس السيسي، سواء من حيث سلبياته الداخلية الطبقية والعلاقات بالكيان والإمبريالية، ولا من حيث إيجابياته في اجتثاث حكم الإخوان بما هو تابع للإمبريالية قد يُستعاد.

ملاحظة 2: بعض هذا كان ضمن كتابي: ” في القطرية والقومية والاشتراكية: مقدمات في تفكيك مفاصل الدولة القطرية” 2009.