الكمبرادور الثالث، التطبيع وغزل الطبقات

عادل سمارة

 

شاهدت بأم عيني نهارا (الثلاثاء 24 شباط 2015) على ميدان المنارة تحركاً من ممثلي السلطة يمنع منتجات صهيونية في محال تجارية برام الله . وسمعت وشاهدت ليلا برنامجا على فضائية السلطة  نفسها يستضيف امرأة ورجلا يروجان لمشاركة فلسطينيي الاحتلال الأول (1948) في انتخابات الكنيست الصهيوني. أي مقاطعة وتواصل معاً. وهذا يرغمك على التساؤل؟ ما الصحيح؟ وهل هناك موقفاً؟

بل المفارقة المحزنة، ولا ينقصنا هنا حزن إضافي، لا فائض للحزن اساساً، فإن الكيان يستهتر حتى بمشاركة الفلسطينيين في الانتخابات ويدفع باتجاه إخراجهم من الكنيست رغم انهم يشكلون تغطية لجوهره العنصري. نعم فالعدو لا يهتم حتى بهذا الترقيع الفلسطيني الهزيل.

ف”في آذار/مارس 2014، سنّ البرلمان الإسرائيليّ تعديلا لقانون الانتخابات البرلمانيّة (وهي انتخابات نسبيّة لدائرة واحدة)، يقضي برفع نسبة الحسم من 2 في المئة، إلى 3.25 في المئة” اي بهدف :

ان يشارك الفلسطينيون في الانتخابات

أن يشارك الفلسطينين في الترشيح ولا يحصلوا على شيء.

ومنذ ايام والحديث يدور عن مقاطعة ستة شركات صهيونية مقاطعة قطعية.

ولكن، هل المقاطعة فقط بإرغام التجار بالمفرق على عدم تسويق منتجات العدو؟ أم أن الأصح ملاحقة ستة آخرين هم الذين يستوردون هذه المنتجات وربما في مخازنهم ما يدفع رواتب موظفي السلطة لشهر على الأقل. أما اصح الأصح فهو أن تصبح المقاطعة ومناهضة التطبيع ثقافة شعبية عامة، أو واي، استعادة مناخ الانتفاضة الأولى حيث المبادرة الشعبية للمقاطعة وهو ما أوحى لكاتب هذه السطور ب “التنمية بالحماية الشعبية”  وحتى عدم العمل في مواقع اقتصاد العدو. حينها لم يتبقى يعمل مع الكيان سوى العملاء السريين.

وبقي الأمر حتى كان اتفاق أوسلو ومن ثم بروتوكول باريس حيث أُعلن بوضوح من سلطة أوسلو-ستان، بقيادة حركة فتح تحديداً أننا اليوم في سلام ويجب وقف الانتفاضة والمقاطعة. وهذا يعني  الذهاب إلى التطبيع. نعم وذهبت الناس!!!

أذكر حينها  أنني كتبت ضد هذا، فرد علي صحفي في جريدة الحزب الشيوعي هو يحي ابو شريف يتهمني بالتخشب. والرجل لا شك كان ينطق باسم الجريدة (الطليعة) على الأقل.

وهكذا تلاقى اليمين واليسار على السلام مع الكيان. اسماه ابو عمار سلام الشجعان، فإذا به سلام راس المال.

وإحدى حقائق التطورات السياسية والطبقية، أننا في مناطق الاحتلال الثاني (1967) نعيش مع شريحة الكمبرادور الثالثة. (والكمبرادور باختصار هي طبقة رأسمالية في السلطة او شريكة مع السلطة تعيش على استيراد منتجات اجنبية مما يقضي على الإنتاج المحلي. والمصطلح لغويا من اللغة البرتغالية وسياسيا طبقيا تطوير الماوية في الصين الشعبية).

كانت شريحة، وربما طبقة الكمبرادور الأولى في فترة الحكم الأردني، حيث كانت تستورد كل ما يلزم “ولوزميات ما لا يلزم” والتعبير لأبي العلاء المعري الذي بالمناسبة قتل الإرهاب تمثاله في سوريا). هي شريحة او طبقة تمتعت بحماية السلطة الأردنية آنذاك. أذكر ربما عام 1963 كيف تم تخزين السكر فارتفع سعره بشكل هائل لأن أحد الكمبرادور كان قد اشترى صفقة يريد بيعها بسعر الدم. وحصل.  وفي نفس العام أصدر قرارا وزاريا بحظر تربية قطعان الماعز، فتم بيعه باسعار لا تصل عُشر قيمة العنزة، وإذا أحد رجال السلطة قد استورد من تركيا قطعانا أتت لتحل محل القطعان المباعة بسعر تافه. كانت لدى أبي قطعانا من الماعز والضأن مما أهلكه ماليا، ليس وحده طبعاً.

بعد الاحتلال الصهيوني ولَّد الاحتلال شريحة كمبرادور ثانية تستورد منه اساسا او من خلاله كل شيىء، فاثرت طبعا ولا شك أنها تكونت من القدامى والجدد.

وحينما حصل اتفاق أوسلو تولدت الشريحة الثالثة من الكمبرادور، ومن ضمنها الشريحة الثانية والتي أبدعت في الاستيراد. يكفي أن اشير إلى أنني رايت في أحد الحوانيت مربى العُليق من إنتاج  دولة أوروبية وبسكويت من إنتاج إندونيسيا. وأجزم أن 90 بالمئة من أهل البلد لا يعرفون العليق!

وعليه، فالذي يستورد من الكيان هي هذه الشريحة، فهل هناك من يسألها؟ وهي لا تقوم بذلك سرا أو تهريباً.

صحيح أن منتجات العدو عدوة. ولكن ايضا ماذا عن منتجات رفاه من طراز مربى العُلِّيق؟  وإلى اين؟ إلى بلد تحت استعما ر استيطاني تعيش على ريع مالي اجنبي مسموم مقابل تمرير اتفاقات سياسية مثل اوسلو. أليس هذا هدراً لأموال نحتاجها لطبابة الأطفال؟ بينما في الصيف تُرمى أطنان عديدة من العنب والدراق…الخ في الزبالة؟ ولعل التافه حد العيب، أن فرقا ممن يكتبون في الاقتصاد لا يزالون يصرون على استخدام مصطلح تنمية دون حياء علمي خالطين بين النمو والتنمية بل حتى بين الفساد والتنمية.!

غزل صهيوني في البرجوازية المحلية:

قبل بضعة ايام، اتصل بي صديق من فضائية القدس، وهي من جانب قوى الدين السياسي، للتعليق على خبر مقاطعة ستة شركات صهيونية.

اعتذرت لأنني لست مقتنعاً أن الموقف جاد ودائم وشامل وغير لحظوي.

قد يكون اعتذاري براي البعض موقف من عروبي ماركسي متطرف، أرثوذكسي، متخشب…الخ كما كان يصفنا أحد اعلام التطبيع الراحل إميل حبيبي. ربما.

ولكن هذا البعض يتحاشى اعتماد التاريخ. وأعتقد بدوري أن من لا يؤمن بالتاريخ لا يُعوّل عليه.

مساء الخميس 19 شباط الجاري، بثت قناة فلسطين اليوم خبرا عن اجتماع بين رجال ونساء أعمال فلسطينيين وصهاينة داخل المحتل 48 لإدارة أعمالا تجارية واقتصادية فيما بينهم. وبالطبع هذا غيض من فيض. فقد كشفت درسة سمير سميرات قبل 3 اعوام ان فلسطينيين استثمروا في الكيان ب 5 مليار دولار. لم يسألهم أحدا!!!!. وضمن من في الصورة وهم قرابة 30 شخصاً هناك مجموعة من ضياط جيش الكيان. مما يعني تنسيقا اقتصاديا وأمنيا معاً. الإضافة في الحدث والخبر هو الصورة.

تذكرت صديقي الذي دعاني للتعليق  حيث قلت له حين اتصل بي: “يا رجل صلي على النبي…مش ممكن”.

وقبل بضعة ايام نشرت مقالة للصحفي الصهيوني القريب من حزب العمل الصهيوني داني روبنشتاين عن رفض الكيان تزويد مدينة شمال رام الله اسمها روابي بالماء.

http://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-4627501,00.html

مقالة روبنشتاين فيها قدر كبير من “الحزن الاستشراقي” على البرجوازية الفلسطينية المسالمة والناعمة حسب وصفه. يتلوع الرجل ويتفجع كيف ان نتنياهو رفض تزويد الروابي بالماء مع أنها مكان، برأي السيد داني، بلا سلاح ولطبقة برجوازية، بعكس غزة.

داني حاقد على غزة رغم أنها تتعرض للحريق بين عام وعام. وطبعاً يزعم أن كراهيته لغزة لأن بها حماس. وهذا تغطية على كل المقاومة الفلسطينية حاملة السلاح والقلم لا فرق جميعه ضروري دون ان يُقصي احدها الآخر.

وفي إقناع سلطات الاحتلال أورد  داني أن رجل أعمال رئيسي في الروابي اصر على شراء مستلزمات الروابي من منتجات الكيان (طبعا على ذمة داني وليس أنا كي لا اتعرض للمحاكمة كما حصل في مشكلة الموسيقار الصهيوني برنباوم). وأورد كذلك أن قطر من بُناة الروابي. وطبعا، آمل ان يكون رجل الأعمال قد رد على السيد داني ونفى مزاعمه.

رغم كل هذه الحجج، لم تغير سلطة الكيان من قرارها.

والحقيقة فإنني أُشفق على مرافعة داني (الذي اذكر انه كان يزور جريدة الفجر للقاء الراحل بشير البرغوثي-رئيس التحرير) حيث كنت المحرر الاقتصادي. فمرافعته أوردت اسبابا تطبيعية وطبقية وتآخي برجوازي وحتى عربي/نفطي صهيوني. ومع ذلك لم يُفلح.

وفي هذا السياق استذكر كثيرا من مثقفي الدين السياسي هنا الذين يدافعون عن قطر ليل نهار رغم دورها الكارثي عربيا وفلسطينياً. أي يشاركوا داني غنجه البرجوازي المزدوج، رغم انهم يعشقون غزة ،كما يزعمون،  وهو يود حرقها, يبدو أن الناس تتحالف في مقام وتتناحر في آخر!!! هذه عجائب قوى الدين السياسي. كيف لا، أليس هؤلاء معسكرين في تركيا ووكلاء لمنتجاتها التي يجب حرقها كما منتجات الصهاينة، وتركيا عاشقة للكيان والكيان يهدم الأقصى تدريجياً!

لكن السؤال العالق: ترى هل حقا ستبقى الروابي بلا ماء؟ وهل يُعقل ان الكيان الذي سمح بها سوف يحرقها بالعطش؟ أم أن المقصود هو شكل من الترويج الصهيوني للمكان بحيث يبدو في حالة نضالية ضد الاحتلال؟ إلى أن يعيد لها الماء.

إن كان ذلك كذلك، وبرأيي هو كذلك، فنحن أمام فيلما هوليوديا جيد الإخراج ربما بنفس إتقان أفلام الرعب الداعشية. وكيف لا يتقن داني اسلوب داعش وداعش صناعة غربية مثل الكيان، يلتقيان كتوليدات للاستشراق الإرهابي.

إنه التطبيع الذي يسري في دماء كثيرين، وخاصة من الطبقة البرجوازية وتحديدا شريحة الراسمالية الكمبرادورية.

ويبقى القول بأن النظرية العربية والعالمية التي تقول بأن البرجوازية التابعة ليست جزءاً من النضال القومي والتحرري، فكيف إذا كانت برجوازية كمبرادورية في ظل استعمار استيطاني! لذا، ما أن جف دم غزة ومحمد ابو خضير، حتى سالت أموال التطبيع من نفط قطر إلى بارات رام الله. ف…في صحة الفقراء.