“كنعان” تتابع نشر كتاب “ظلال يهو/صهيو/تروتسكية في المحافظية الجديدة”

تأليف د. عادل سمارة

التروتسكيون  و”الربيع العربي”

 

 

في بداياته، أوائل العام 2011  ، أُحيط الحراك العربي بدهشة شاملة أضفت عليه قداسة حالت دون التفكير والتقييم العلميين. وكان ذلك أمر طبيعي نظراً لما كانت تحلم به الجماهير العربية عبر عقود. حلم تولَّد عن أنظمة حكم تنوعت ما بين طبقات كمبرادورية وطفيلية وتابعة وريعية وسلفية وعسكرية بيروقراطية. لكنه تنوع يجمعه: احتجاز ذاتي للتطور، وتطوير ذاتي للاتكافؤ للحيلولة دون التكامل العربي، وأدوات تنفيذه التجويف والتجريف، في حين يهندس معظم ذلك الاستهداف الإمبريالي للوطن العربي بينما تستفيد الصهيونية منه جميعه.

لقد بادر كثير ممن يحملون في داخلهم مواقف مضادة للثورة وتحديداً مضادة للماركسية-اللينينية، بادروا للهجوم على هذه النظرية وليس حتى على القوى الفاشلة التي زعمت تبني المادية التاريخية والاقتصاد السياسي في التحليل والنضال. لقد قفز هؤلاء للزعم بأن كل النظريات  التي كانت قبل هذا الحراك لا تنفع وعفا عليها الزمن، وصار لا بد من لغة جديدة وفكر جديد وخطاب جديد وثقافة جديدة وكان هدفهم التشكيك في الماركسية. بعضهم كان يدرك أنه مرتبط بالثورة المضادة والبعض الآخر كان يرقص بين فكي الوحش دون ان يدري.  لم ينشىء هؤلاء ذلك الفكر الجديد، “يتيمة الدهر” ولا زلنا ننتظرهم.

كان واضحاً بتحليل علمي ماركسي أن هذا الحراك لن يُفضي إلى نتائج شعبية طبقية ملموسة لأنه حقا يفتقر إلى الحزب الثوري المشتبك وإلى مشروع فكري سياسي تطبيقي لصالح الطبقات الشعبية.[1]

فالثورة المضادة وهي الأنظمة الحاكمة والطبقات التي تمثلها والإمبريالية والصهيونية كانت متجذرة متمترسة في الوطن العربي، الأمر الذي سمح لها باقتحام هذا الحراك وامتطائه وتسييره بما يحول دون حصول تغيير حقيقي لا سيما وأن ذلك الحراك لم يكن مقوداً لا بحركات شعبية جذرية منظمة ولا بأهداف اجتماعية طبقية ولا حتى بشعارات وطنية عامة.

كان مدخل الثورة المضادة لخصي هذا الحراك هو توجيهه لإزاحة رأس هذا النظام أو ذاك وتعبئة الحراك بشعارات فضفاضة وخاصة المطلب الديمقراطي الذي تمظهر في فرصة تعبئة الميادين والصراخ فيها. وقد تكون زيارة هيلاري كلينتون لميدان التحريرفي القاهرة وخطابها هناك وإمامة يوسف قرضاوي في الجموع إعلان من الثورة المضادة بأن : نحن هنا ومن في الميدان لنا.

تمكنت الثورة المضادة من صبغ الحراك الشعبي العربي بصبغة الدين السياسي حيث كانت أنظمته وقواه قد عقدت تحالفات  مع الإمبريالية على مدار العقدين الماضيين.

ليس الجدل الحقيقي هو: هل كان الحراك هذا من تدبير الثورة المضادة أم هو فيض شعبي طبيعي. ولكن نسب هذا الحراك إلى الثورة المضادة يحمل تبخيساً للشعب ورفضه لما كان عليه حاله.

الموقف من سوريا نموذجاً:

        ربما مثل مختلف القوى السياسية وقفت التروتسكية مع الحراك العربي في بداياته. هذا رغم أن الحراك في سوريا بدأ بشكل مختلف عنه في تونس ومصر. فحتى الآن لم يتضح إن كانت بداية الأحداث في درعا قد استخدَمت فيها الثورة المضادة السلاح بقصد إثارة الشارع ضد الجيش أم لا. وبغض النظر عن دقة المعلومات قام إعلام الغرب الرأسمالي وأنظمة الخليج (فضائيتي الجزيرة والعربية) بحملة تهييج كبرى تجاهلت قيام السلطة بإقالة محافظ المنطقة وتهدئة الجمهور.

        على أن اللافت في أحداث سوريا وجود القنص مبكراً ضد التحركات الشعبية المطالبة بالحريات والرافضة للأوضاع الاقتصادية وخاصة السياسة النيولبرالية…الخ. ولعل ما يؤكد وجود عناصر دورها تصعيدي أن القنص كان مبكراً لكي يُنسب إلى الأمن السوري رغم أن مظاهرات كبرى كانت تخرج لصالح النظام. سُجِّلت أحداث قنص مشابهة في أوكرانيا عام 2014 في بدايات أحداث ذلك البلد مما يعزز الشك بأن هناك فرقاً خاصة على مستوى كل العالم لهذا الدور!

لعل المقتطف التالي يؤكد لنا بأن ما جرى في سوريا من قتل قام به القناصون المجهولين في بداية الأحداث في سوريا وأوكرانيا حيث تم قتل مبكر لكثير من المتظاهرين السلميين ونُسب القتل إلى القوات الحكومية، هو تطبيق لكتاب دليل وزعته المخابرات الأمريكية على عملائها في امريكا اللاتينية وخاصة ضد النظام الساندينستي في نيكاراغوا

في كتابه الدولة الشريرة  كتب وليام بلوم:

“… إن امكن يجب استئجار  مجرمين محترفين  للقيام بوظائف محددة ومنتقاة…فليتم توكيل مهام  لاخرين ، من اجل خلق “شهيد” لأجل الهدف المبتغى، وجر المتظاهرين الى المواجهة مع  السلطات ، من اجل خلق انتفاضات او اشتباكات بالرصاص، بحيث تقود الى مقتل شخص او اكثر، والذين سوف يصبحوا شهداء وهي حالة يجب استثمارها فورا  ضد النظام لخلق صراع اعظم. فرق الصدمة. يجب ان تكون جاهزة ومجهزة بالأسلحة، (سكاكين، امواس حلاقة، سلاسل –ازراد- العصي ) وعليهم ان يمشوا  بهدوء وراء المشاركين السذج والأرباء”[2]

        لعل الفارق الأساس بين سوريا والحراك في بقية القطريات العربية أن الدول المجاورة لسوريا سارعت للتدخل الفعلي وإن لم يكن العلني فلم تتأخر كثيرا الثورة المضادة في حمل السلاح وفتح الحدود التركية واللبنانية والسورية والأردنية وحدود فلسطين المحتلة لترسل هذه الأنظمة المسلحين والسلاح والمال والدعم اللوجستي وبالطبع تقاطع هذا مع مجموعات كبيرة من السوريين أنفسهم.

وهذا يطرح مسألتين هامتين تختص بعلاقتهما ببعضهما في الحالة السورية.

المسألة الأولى: صحيح أن مبررات الاحتجاج الاجتماعي في سوريا متوفرة كحق لقطاعات واسعة من مهمشي الأرياف والطبقة العاملة السورية بسبب انتقال البلد إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، وسيطرة الدولة الأمنية. وهذا تلتقي فيه سوريا مع مختلف القطريات العربية سواء التي حصل فيها حراك أم لا.

والمسألة الثانية: لماذا كان قرار الثورة المضادة في الخارج التدخل المباشر ضد سوريا دون غيرها، وهو تدخل لم يقتصر على التدخل الإعلامي كما كان في حالة مصر مثلاً، بل بالمواقف السياسية لأنظمة المركز الإمبريالي والريع النفطي وهو التدخل الذي أخذ شكل عدوان تجنيد وتمويل وتدريب المسلحين من خارج وداخل سوريا؟

وهذا ما يسمح لنا باختصار الحدث السوري في وجود مبررات حقيقية للاحتجاج ضد النظام طبقيا وبالتالي اقتصاديا وحرياتياً، وفي الوقت نفسه يسمح لنا بالقول بان هذا الاحتجاج جرى امتطائه من الثورة المضادة لأهداف سياسة عدوانية ضد موقف سوريا من الكيان الصهيوني وحتى ضد النظام الاقتصادي في سوريا الذي يوفر التعليم والطبابة المجانية ويحتفظ بجزء من القطاع العام.

هل بدأ تسليح الحراك السوري بعد بدء الحراك أم كان سابقا عليه؟ ربما يجيب  على هذا ما تحدث به صراحة الجنرال الأمريكي ويزلي كلارك وكذلك وزير خارجية فرنسا السابق بأن التحضيرات لضرب سوريا تعود بالنسبة لكلارك إلى 2007 وللفرنسي إلى عامين قبل الحراك. هذا ناهيك عن قائمة طلبات وزير خارجية امريكا كولن باول من الرئيس الأسد عام 2003 بعد احتلال العراق.

قصدت الثورة المضادة سواء بالتخطيط لتدمير سوريا قبل الحراك، والسرعة الفائقة للعدوان المسلح على سوريا مع بواكير الحراك قصدت أمرين:

الأول: جز راس الدولة السورية كدولة ممانعة

والثاني: قطع الطريق على الحراك الشعبي كي لا تتخذ السلطة هناك إجراءات إصلاحية حيث بدأت بعزل محافظ درعا ولاحقا أجرت انتخابات تشريعية وفتحت باب الحوار الوطني. ولكي لا تقوم السلطة بما يجب، هدفت الثورة المضادة قطع الطريق على الحراك الشعبي كي لا يتخذ حالة وطنية إصلاحية ، وبالتالي يتلاقى مع إصلاح النظام، لذا قامت (بتسليح عناصر قوى الدين السياسي وتفجير الصراع المسلح) كي لا يأخذ الحراك الشعبي شكلا جذريا ليس هو ما تبغيه الثورة المضادة. أي في الحالتين تدمير سوريا.

من هنا يبدأ الخلل أو الخيانة الفكرية لموقف التروتسكية من الحراك السوري حيث اصطفت التروتسكية مع الثورة المضادة لإسقاط الدولة السورية بدل أن تشارك في تطوير الحراك الطبقي الجنيني باتجاه تجذير هذا الحراك مطلبيا وطبقياً، بل اندفعت التروتسكية للانتقام من نظام قومي ممانع. وبدأت تكرار أناشيد بل مزامير تروتسكي عن العمال وثورة البروليتاريا متجاهلة أن من انخرط في الثورة المضادة كانوا فقراء نعم وعاطلين عن العمل نعم ايضاً، ولكنهم كانوا من البروليتاريا الرثة والمضيعين وغير المتعلمين فما بالك بالواعين…الخ. وهو ما سهَّل تحويلهم إلى إرهابيين محترفين يتشربون الضخ الوهابي والإخواني ويتمتعون بمداخيل من الريع النفطي لم يحلموا بها. العامل الثوري يبحث عن الثورة وليس المال والساطور.

وهنا قد يعلو زعيق تروتسكيين بأن هذا الموقف إصلاحي وغير جذري. وهذا غير صحيح لأن من يحدد جذريته هو انتظام ووعي الطبقة العاملة كطبقة لها وعي سياسي وليس فقط نقابي أو مصلحي مطلبي. وحتى لو افترضنا ان هذا موقف مطلبي غير جذري، فلننظر إلى مآل ما يسمونه هؤلاء “الثورة السورية”، هل هي مطلبية اليوم أم مجرد مجاميع مضيَّعة تقودها الثورة المضادة باتجاه تقديم بديل إرهابي طائفي إثني تابع بالجملة والمفرق. ولعل السؤال المترتب: لماذا لم يغير التروتسكيون موقفهم بعد كل ما إنكشف؟

ففي سياق صنعة مقاولي الطبقة العاملة رأت التروتسكية حسب منظورها بأن اي حراك من الفقراء هو ثورة بروليتارية، وبالتالي لم تر بأن فرصة الثورة المضادة لاقتناص حراك غير واع طبقياً وغير منظم وغير مقود من حركة ثورية أمر سهل على الثورة المضادة لأن كثيرا من الفقراء والمضيعين طبقيا وحتى اجتماعياً يمكن ان يتحولوا إلى أداة للثورة المضادة. هل التمترس واء هذه القوالب هو وحده الذي حال دون أن يقوم هؤلاء بنقد ذاتي ومن ثم فك الارتباط بالثورة المضادة؟ أم أن هناك قيادات في هذا التيار هي مرتبطة الإمبريالية والصهيونية؟ بل يمكن توسيع الفرجار كي يشمل كافة القيادات التي تقود “الثورة”السورية سواء العسكرية أو السياسية، وسواء التي في سوريا أو خارجها.

ولا شك أن تدفق المليارات والأسلحة قد حول كثيرين من الشباب في سوريا ليس فقط إلى بيئة حاضنة بل إلى مسلحين ومستقبلي مسلحين من مختلف بقاع الأرض. وهذا فقر تقع مسؤوليته على النظام، ولكن عدم تغيير مؤيدي هذه “الثورة” من اليسار موقفهم من هكذا “ثورة” إرهاب يكشف عن ارتباط بالثورة المضادة. فهؤلاء السوريين المنضمين “للثورة” حتى مهما زاد عددهم، اصبحوا أداة للثورة المضادة وليسوا قوة ثورة طبقية بروليتارية.

هل يجوز لنا هنا القول بأن الثورة المضادة قد احتلت مقومات الثورة الحقيقية؟ أليست القاعدة وداعش واضرابهما نموذجاً على تطبيق مقولة لينين ولكن بالمعكوس؟ يقول لينين: “لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية”. ولا بد إذن لحركة الثورة  المضادة من نظرية مضادة للثورة. فها هي تنظيمات احتلت القوى الشابة ونظمتها وضخت فيها الفكر الوهابي والإخواني (كنظريات ثورة مضادة) وزادت على كل ذلك توفر سيولة مالية وتسليحية غزيرة بعكس حروب الغوار الثورية الفقيرة والتي تكسب سلاحها من خصمها فالطبقات الشعبية هي القوة المجتمعية لكل من الثورة والثورة المضادة في الوطن العربي، من يكسبها؟ بحيث إما أن تكون بالنسبة للثورة قوة اقتلاع للثورة المضادة أو بالنسبة للثورة المضادة قوة تثبيت الثورة المضادة وإعادة إنتاج التبعية لعقود قادمة، إعادة إنتاج تبعيتها وتخلفها. لا بل ذهبت منظمة داعش إلى تجاوز القاعدة. فبدل ان تكون اداة سائلة متحركة للثورة المضادة تُنقل من منطقة لأخرى، قررت إقامة دولة ثابتة جغرافياً، وقررت توفير ريع مالي لتمويل ذاتها بدل الاعتماد على تمويل الولايات المتحدة والسعودية، وهو ما دقع واشنطن لقرار تقليم أظافره وتحويلها ضد سوريا.

وهذا يفرض  استعادة السؤال التالي: لماذا اصطف التروتسكيون منذ البداية وخلال مختلف تطورات الوضع السوري وظهور قيادة الثورة المضادة العلنية للإرهاب ضد سوريا، لماذا اصطف هؤلاء ضد الدولة السورية وواصلوا ذلك حتى في السنة الرابعة؟ وهل بوسعهم تغطية موقفهم ببعض العبارات التي ترفض التدخل الإمبريالي الغربي وتنقد حكام النفط والإخوان المسلمين؟ بينما يقفون إلى جانب “ثوار” الإرهاب الوقائي وقوى الدين السياسي الممولين من نفس الإمبريالية المدفوعين من نفس الإمبريالية وأنظمة الريع النفطي  التي يزعم التروتسكيون رفضهم لتدخلها ضد الدولة السورية. هل هذه عبقرية الضحك على الناس، أم سلوك من يقف عارياً بلا لباس ولا يبالي، تماماً كما وصف لينين ذات مرة أحد خصومه (ربما كاوتسكي)، بقوله: “انظروا لهذا الصبي بلا لباس”

بكلام آخر، حين يكون المهدد هو الوطن وليس الرئيس أو النظام كما درج الحراك الشكلاني العربي على الترداد، يصبح المطلوب الوقوف في معسكر حماية الوطن. هذا ما كشف استمرار  تخارج التروتسكيين تخارجاً دائماً مضاداً للقومية العربية وهو موقف يخدم الكيان الصهيوني سواء أُُعلن أم أُُخفي وهو بالضرورة مرتبط بالإمبريالية سواء بقصد واع من بعضهم أو غير واع من بعض آخر.

سأكتفي بمقتطفات من مقابلة مع جلبير اشقر (صلاح جابر) أحد الكتاب والنشطاء التروتسكيين في موقفه من دور الناتو ضد ليبيا. ويجدر التنويه بأن المقابلة منشورة في ثلاثة مواقع مختلفة عن بعضها البعض! فاي إجماع ضد نظام عربي له بعض السمات العروبية ولصالح الناتو.

فهي منشورة على موقع Znetاليساري الذي ينقد السياسات الأمريكية  لكنه لا ينشر كتابات عروبية وجريدة الأخبار اللبنانية وهي اقرب إلى المقاومة، لكنها ضد نظام القذافي على أرضية مشكلة الإمام الصدر، وموقع الحوار المتمدن وهو بإدارة كردي شيوعي مضاد للعروبة! وبالطبع المتحدث تروتسكي مضاد للعروبة .

اليسار و«التدخل الإنساني» في ليبيا – مهمّات المعادين للإمبريالية

www.ahewar.org

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=253807
جلبير الأشقر 
الحوار المتمدن-العدد: 3328 – 2011 / 4 / 6 – 10:38 
 عن «زيد ماغازي
ن  ترجمة طونيا عكر – جريدة الاخبار

ة

“… للمرّة الأولى، يكون أوباما على حقّ بمجرّد أخذ موقف ضدّ بعض الكتّاب اليساريين الذين ادّعو أنّ التدخل الغربي في ليبيا خُطّط له من أجل إيقاف ـــــ وسوف يتمكن من إيقاف ـــــ موجة الانتفاضة الديموقراطية التي تجتاح شمال افريقيا والشرق الأوسط. بالمقابل، لو تمكن القذافي من سحق الانتفاضة الجماهرية بحمام من الدم، لكان ذلك أثر كثيراً على الوضع، وعزّز بالتالي الثورة المضادة الإقليمية، وردع حركة الاحتجاج عن التقدّم في معظم البلدان. بمجرّد تجنّب المجزرة واستئناف الانتفاضة هجومها في ليبيا، تشجعت العمليّة الثورية الإقليمية. منذ ذلك الحين، لم تكتف الحركة الثورية تلك بزيادة الزخم حيث بدأت، أي في المغرب أو اليمن مثلاً، بل انتقلت وتضخمت في سوريا، البلد الرئيسي الوحيد في المنطقة الذي لم يشهد إلا بعض الحركات الضعيفة الاحتجاجية، حتى الآن.
لا يزال على أولئك الذين يعتقدون أنّ الولايات المتحدة يمكن أن تفرض «قرضاي» ما، على ليبيا، عن طريق القوة الجوية وحدها أن يظهروا لنا كيف يمكن أن يحدث ذلك. كلّ من هو مطّلع على الأوضاع في أفغانستان، يعلم تماماً أنّه لو لم تكن قوات الولايات المتحدة تسيطر على كابول، لم يكن حميد قرضاي ـــــ شخص ليس له تأثير على الإطلاق في بلاده ــــ ليتمكّن من أداء دور «السيد الرئيس»هناك.
باختصار، كان من الخطأ معارضة أي قوّة يسارية فكرة إنشاء منطقة حظر للطيران وقصف أولي لمدرعات القذافي، في ظلّ غياب أي بديل لتجنّب مجزرة على نطاق واسع في ليبيا. وكان رفض منطقة حظر للطيران مع عدم تقديم البدائل المعقولة، غير مقنع، كما فعلت مجموعات كثيرة من اليسار الحقيقي، وبنوايا صادقة.

وقد وضع ذلك الأمر اليسار في موقف ضعيف حيال الرأي العام. فمعارضة منطقة لحظر تجوّل الطائرات، وعدم إظهار أي قلق ازاء المدنيين في الوقت عينه، كما فعلت بعض الجماعات الهامشية، كان غير أخلاقيّ ـــــ فضلاً عن مواقف هؤلاء الستالينيين، المتسامحين والغير المتسامحين منهم مع نهج الانتفاضة، الذين تمسّكوا بالقذافي على أساس أنّه تقدمي مناهض للإمبريالية، رافضين الانتفاضة بوصفها مؤامرة أميركية أو تآمراً تقوده القاعدة. (فيما لجأوا الى نمط التقارير الستالينيّة الشتّامة في مناقشة لموقف اليساريين الذين تعاطفوا مع طلب انتفاضة ليبيا للمساعدة).
ما كان يجب الاعتراض على منطقة حظر الطيران الذي طلبه الثوار

ينبغي لنا تركيز حملتنا حول مطلبين لا يتجزّآن، وتوجيههما الى قوّات التحالف وهما:
توقّفوا عن القصف، وأعطوا الأسلحة للثوار!
مزاوجة هذين المطلبين هي طريقتنا في إظهار أنّنا نهتمّ لانتفاضة الشعب الليبي ضدّ الطاغية، أكثر بكثير من هؤلاء الذين يبخلون على الثوار بالأسلحة فيما يريدون، في الحقيقة، فرض وصايتهم علىالحركة.

* جلبير الاشقر : أستاذ في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، 

 

كما ورد في الأشهر الأولى للحراك السوري في نشرة المناضل (التروتسكية المغربية):

“… فقد انتقلت الانتفاضة خلال شهرها الرابع الى مرحلة جديدة من سيرورتها الثورية، تجلت بمشاركة الملايين في الاحتجاجات …وكانت آخر مهزله دعوة هذا النظام الفاشي إلى مسرحية ما سماه بالحوار “الوطني” كمحاولة فاشلة للمراوغة و كسب الوقت احبطتها جماهير شعبنا بقوة ودفعت بالشخصيات و القوى المعارضة الى رفض هذه المناورة المكشوفة….ثالثاً: إن الجماهير السورية المنتفضة تقف ضد التدخل الخارجي في بلدنا، كما أن الشعب السوري يعتز باستقلاله وسيادته ويرفض أن يكون لعبة تتقاذفها مصالح إقليمية وعالمية[3]“.

دعنا نفترض :حسن النية” لدى تروتسكيي سوريا وغيرهم بمعنى أن الأمور كانت مختلطة في الأشهر الأولى، وبأن الحماسة اليسارية أخذتهم إلى موقع دعم “الثورة” على افتراض أنها حقيقية. كيف يمكن لحركة سياسية أن تزعم انها ترفض التدخل الأجنبي وهي ترى عشرات آلاف الإرهابيين الأجانب جلبتهم دول هؤلاء الأجانب التي لم يحل دون عدوانها المباشر سوى الفيتو الروسي والصيني. فأي كذب وتزييف وتواري في حديث هؤلاء؟أليس الخارج سواء الإمبريالي او الوهابي والقطري هو الذي يجند الإرهابيين ويسلحهم ويمولهم ويرشدهم لوجستيا؟ ثم أليس كمال اللبواني الذي يعرض الجولان هدية للكيان مقابل مساعداته “لثورة الناتو الإرهابية” ضد النظام السوري فقط للوصول إلى السلطة؟ هل هذا أجنبي وهو يهدي الأرض للصهيوني الذي يتدخل عملياً؟

أما في عام 2012 فقد انتقل دور التروتسكيين إلى الانخراط في الثورة المضادة كجزء من الخدمات التسليحية واللوجستية للإرهاب وبعلاقة مباشرة مع الكيان الصهيوني:

اختراق إسرائيلي ـ حريري لـ”حزب العمل الشيوعي” في سوريا!!?

ما يلي فضيحةمبكرة لعضو المكتب السياسي لحزب العمل الشيوعي السوري، عمر إدلبي (الحزب تروتسكي في معظم توجهاته) حيث كان عمر ادلبي يعمل لحساب سعد الحريري زعيم حزب المستقبل اليميني اللبناني المرتبط بالسعودية ويعمل لحساب الكيان الصهيوني.

 


[1] انظر كتاب عادل سمارة: ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة، منشورات دار فضاءات ، عمان 2012. ومنشورات بيسان، رام الله 2012.

 

[2] William Blum, Rouge State: A Guide to the World’s Only Superpower, Common Courage Press, 2000.p 48

[3] الانتفاضة السورية تدخل شهرها الخامس: الشعب السوري عارف طريقه، و الشعب يريد اسقاط النظام

18 تموز (يوليو) 2011

لجنة دعم الانتفاضة السورية

المناضل العدد 41 http://www.almounadil-a.info/liste.php3?liste=auteur