تونس: من إرهاب الدولة إلى إرهاب اليمين الديني المسلح

الطاهر المعز

تونس، من إرهاب الدولة الإقتصادي والإجتماعي إلى إرهاب المجموعات اليمينية المسلحة

السياق العام

في يوم ذكرى “كمونة باريس” (18 آذار/مارس 1871)، كان إحدى اللجان البرلمانية مجتمعة في قصر “باردو”، قصر الباي، حيث وقع (باسم الدولة العثمانية التي يمثلها في تونس) وثيقة استعمار البلاد سنة 1881 (يسمونها “حماية”)، وكانت هذه اللجنة تناقش مع بعض رموز النظام مشروع “قانون مكافحة الإرهاب”، الذي طالبت به أحزاب اليمين واليسار المائع، قبل الإنتخابات، وفجأة سمع مواطنو ضاحة “باردو” صوت طلق ناري كثيف، وعلموا فيما بعد أنها بداية عملية إرهابية في محيط مجلس النواب والمتحف الملاصق له، وقتل الإرهابيون (أو الشرطة؟) 22 شخصا أغلبهم سائحون، كانوا في المتحف، وجرح حوالي خمسين شخص، ودامت العملية حوالي أربع ساعات، وتمخضت عن قتل المهاجمين، عرف منهم إثنان، كانا على علاقة بحركة النهضة التي كانت حاكمة والتي تشارك في الحكومة الإئتلافية الحالية، بحسب الصور والوثائق المنشورة في مواقع التواصل “الإجتماعي”، وجاءت هذه العملية الإرهابية لتحول الأنظار عن الحراك الإجتماعي والنضال النقابي الذي عاد إلى سالف نشاطه المكثف بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية، أواخر سنة 2014، وعودة رموز الحكم السابق ورموز الفساد بقوة إلى سدة الحكم، وإطباق قبضتهم على مؤسسات الدولة، بمساندة الدائنين، كالإتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والولايات المتحدة، وكذلك السعودية…

جذور الإرهاب

تراجع مستوى التعليم وتراجعت الحركة الثقافية منذ بداية عقد الثمانينات، قبل انقلاب الجنرال “زين العابدين بن علي”، ولكن الإنحطاط أصاب مؤسسة التعليم ووسائل الإعلام والحركة الثقافية في عهده (07/11/1987 – 14/01/2011) وأصاب البلاد قحط وتصحر ثقافي، أتاح الفرصة لانتشار الجهل والشعوذة والخرافة، في جو خانق من القمع بكل أشكاله، والذي طال كل أشكال التعبير والخلق والإبداع، ما أنشأ أجيالا من الخائفين الخانعين الباحثين عن لقمة العيش بصمت، خوفا من المخبرين وأعوان النظام المنتشرين في كل مكان، ويراقبون كل شيء… شكل هذا المناخ الذي وفر كل عوامل الإختناق، أرضية خصبة لنمو الرشوة والفساد والجهل، ولنمو التمرد والأعمال غير محمودة العواقب، وشجع كذلك على نمو الإجرام والبحث عن الثراء بكافة الطرق، ومنها بيع المخدرات، في ظل كساد الإقتصاد وارتفاع نسبة البطالة والفقر واسوق الموازية…

بعد سقوط رأس نظام “بن علي” شجعت حركة الإخوان المسلمين التي حكمت من أواخر 2011 إلى بداية 2014، الحركات الدينية بكافة أشكالها وتلاوينها، على اقتحام العمل السياسي واجتياح المساجد والفضاء العام والجمعيات والمؤسسات ووسائل الإعلام، إضافة إلى التحكم في دواليب السلطة وتوجيه التعليم والإعلام والثقافة والقضاء وأجهزة القمع. أما على الصعيد الدولي فقد برهن الإسلام السياسي أنه يطبق السياسة الرأسمالية بإتقان وتفاني، ويبالغ في تطبيق وصفات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، فأغرق البلاد بالديون، واستفادت قياداته من خصخصة المؤسسات العمومية أو تلك التي صادرتها الدولة من رموز النظام السابق، ومتعوا أنفسهم بتعويضات هامة، جراء سنوات السجن والمنفى، وأمروا بإطلاق النار على المحتجين في سليانة وسيدي بوزيد وقفصة والقصرين وغيرها، وحرضوا على تخريب محلات نقابات العمال والإعتداء على النقابيين الخ

الإسلام السياسي “المعتدل”، حاضنة الإرهاب

نشرت مواقع التواصل “الإجتماعي” صورا لأحد منفذي عملية متحف “باردو” مع نائب رئيس مجلس النواب، القيادي والمؤسس لفرع الإخوان المسلمين في تونس، الذي تعتبره الأوساط الأمريكية والأوروبية “معتدل جدا” و”ديمقراطي جدا”، واستفاد منتسبو حركة “النهضة” وبقية منظمات الإسلام السياسي بتطبيق العفو التشريعي العام، فخرجوا من السجون وعادوا من المنافي واستعادوا حريتهم دون قيد أو شرط، وأصبح بعضهم يشجع التطرف والإرهاب في مجلس النواب وفي المساجد ومحطات التلفزيون، واعلن قائدهم بخصوص السلفيين الذين يدعون إلى تكفير المواطنين وقتلهم “إنهم أبناؤنا، وهم يذكرونني بشبابي”، وشغلت “النهضة” 75 ألف موظف جديد في مؤسسات الدولة (بحسب تقرير صندوق النقد الدولي) خلال سنتين، منهم أكثر من عشرة آلاف من المعروفين بانتمائهم إلى تيارات “الإسلام السياسي” أو من أفراد عائلاتهم وأقاربهم، واستقبل الرئيس المؤقت السابق الذي يأتمر بأوامر “النهضة” شيوخ السلفية في قصر رئاسة الجمهورية، وأسست النهضة كتائب “أمن موازي” باسم “روابط حماية الثورة” التي تورط عناصرها في الإعتداء على النقابيين والمضربين، وتخريب دور النقابات، والإعتداء بالعنف الشديد على المتظاهرين وجرحى انتفاضة 2010/2011 وأفراد عائلاتهم… بدأت عمليات الإرهاب ضد المناضلين، باغتيال شكري بالعيد (06/02/2013) ثم محمد البراهمي (25/07/2013) أي خلال تحكم الإسلام السياسي في دواليب الدولة (بمساندة الولايات المتحدة وتركيا وقطر)، وأظهرت دقة العمليات الإرهابية وبعض المؤشرات الأخرى أن الإرهابيين اخترقوا مختلف أجهزة الدولة، ويملكون أسلحة متطورة ولديهم أموال طائلة، وأصبحوا يتظاهرون في الشوارع حاملين رايات “النصرة” و”داعش” ورافعين شعاراتها من تكفير المواطنين المختلفين معهم ودعوة لتصفية “الكفار والمنافقين”، ويذكر التونسيون احتلال الجناح السلفي للإسلام السياسي، كلية الآداب لعدة أشهر والإعتداء بالعنف على الأساتذة والطلبة والعاملين في الكلية، ورفعوا علما أسود مكان علم الدولة، في حين كان رئيس الحكومة (حمادي الجبالي) يبشرهم بالخلافة السادسة (أي ما بعد الإحتلال  العثماني)، وخلال سنة 2012، نظم السلفيون الإرهابيون (أنصار الشريعة) مؤتمرا علنيا في مدينة القيروان، برعاية سلطة الحكومة الإخوانية آنذاك، حيث صدحوا بخطبهم وشعاراتهم الإرهابية، وجاء الدعاة السلفيون من كل مكان إلى تونس لإلقاء محاضرات تتحدث عن ضرورة تعدد الزوجات وتسهيل الطلاق وإخفاء النساء في البيوت، خلف البرقع، وسمحت “النهضة” بفتح الإذاعات الوهابية والسلفية، وتأسيس آلاف الجمعيات الوهمية أو الحقيقية تحت غطاء “فعل الخير” و”البر والإحسان”، وتبين فيما بعد أن بعضها يلعب دور الوساطة بين العمل العلني والعمل السري، وجمع الأموال، وتدريب المقاتلين في المخيمات، تحت غطاء العمل الكشفي والتطوعي والترفيهي، ولذلك ليس غريبا أن يتخرج من مدرستهم آلاف الإرهابيين الذين صدرتهم إلى سوريا والعراق، إذ يقدر عدد التونسيين في “داعش” بنحو ثلاثة آلاف مقاتل، وببعض المئات في ليبيا.   

استغلال سياسي لحادث مأسوي

أعلن رئيس الحكومة ان الإرهابيين أصابهم الحسد من “الإنجازات العظيمة” التي حققتها حكومته، التي سميت مؤخرا، ودعا إلى نسيان الفقر والحرمان وارتفاع الأسعار والديون، من أجل تحقيق “الوحدة الوطنية” وراء سيادته (وهو مسؤول أمني سابق في عهد بن علي وووزير داخلية في عهد النهضة) لأن كل التونسيين حسب رأيه “ينتمون الى نفس الوطن” (وهل يكفي ذلك ليكونوا متساوين في الحقوق والواجبات؟)، وليتركوا جانبا الأبعاد الطبقية واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء وتكبيل الأجيال اللاحقة بالديون ، ووجه رموز السلطة التعازي الى ذوي ضحايا الدول “الصديقة” فقط، وعون الشرطة، أما الضحية التونسية الأخرى فلم يسألوا عنها، لأنها أرملة وأم، تعمل منظفة في المتحف منذ حوالي عشر سنوات لإعالة أبنائها، وبما أنها عاملة كادحة، فإنها في أسفل السلم الطبقي، ولذلك لم تأت وسائل الإعلام ولا رموز النظام على ذكرها، فما بالك برفعها إلى مرتبة الشهداء (مثل الشرطي)… أهذه هي “الوحدة الوطنية” التي يتحدثون عنها، في مقابل الصراع الطبقي؟ إن أشد درجات الإرهاب تتمثل في التجويع والتفقير والإستغلال والإضطهاد والإهانة واحتقار الحاكم (ممثل الأغنياء) للمحكوم، العامل والكادح والفقير

استغلت الحكومة العملية الإرهابية لتدعو إلى “الوحدة الوطنية”، للقضاء على الحراك النقابي والإجتماعي، من ذلك إضراب جوع للشبان المعطلين عن العمل، مطالبين بحقهم في الشغل وإضراب المدرسين من أجل تحسين رواتبهم التي بقيت مجمدة (من حيث القيمة) منذ 2009 ومطالبة مواطني المناطق الفقيرة، غرب البلاد وجنوبها، ببرامج تنمية تمكنهم من العيش الكريم، إضافة إلى مطالب حرية التعبير وسحب القضايا ضد الإعلاميين والفنانين، ومطالب محاسبة الفاسدين والأثرياء المتهربين من تسديد الضرائب أو القروض الضخمة… وجندت الحكومة مخبريها، وخصوصا من كانوا محسوبين في السابق على اليسار، للدعوة إلى “الإلتفاف حول الحكومة، ومساعدتها على مقاومة الارهاب، وإنجاز الوحدة الوطنية إلى جانب قوات الأمن والإسراع بإقرار قانون مقاومة الارهاب، وتأجيل أو إلغاء المطالب النقابية والفئوية والإضرابات والإحتجاجات…”…