ملاحظات حول الإنتخابات المحلية الفرنسية

الطاهر المعز  

معطيات أساسية:

تجري الإنتخابات المحلية الفرنسية مرة كل ست سنوات، وجرى الدور الأول يوم 22 آذر/مارس 2015 (والثاني بعد أسبوع) في 2054 قسما أو موقعا، لاختيار نواب في مجلس المحافظة أو الولاية، ليتولوا إدارة الشؤون المحلية، منها المدارس (المراحل غير الجامعية) والرعاية الإجتماعية وتأهيل الشباب، بميزانية بلغت 75 مليار يورو، خلال الدورة الماضية… شارك نحو 51% من إجمالي المسجلين البالغ عددهم نحو 43 مليون ناخب، وبلغت نسبة الإمتناع عن التصويت قرابة 49% وقد تمكن اليمين المحافظ من الحصول على 30% من الأصوات وحزب “الجبهة الوطنية” اليميني المتطرف في المركز الثاني بنسبة 25% (وهي نفس النسبة التي نالها خلال انتخابات البرلمان الأوروبي في أيار 2014)، وقال ساركوزي “نتفهم دوافع كل من صوتوا للجبهة الوطنية”، ومني الحزب الاشتراكي الحاكم الذي ينتمي إليه الرئيس “فرانسوا هولاند” بهزيمة إضافية بحصوله على نحو 20% فقط من الأصوات، وفقد الحزب الإشتراكي أغلبية المقاعد في 41 محافظة كان يحكمها وسيغيب في الدور الثاني عن حوالي 524 اقليم (أو قسم) سينحصر الصراع فيها بين اليمين المحافظ واليمين المتطرف، وفاز اليمين المتطرف، لأول مرة في ثمانية أقاليم منذ الدورة الأولى، وأصبح حزب “الجبهة الوطنية” منافسا جادا على السلطة، وستترشح رئيسته (ابنة مؤسسه والتي ورثت الحزب عن أبيها) لانتخابات الرئاسة في 2017، وسينحصر التنافس في الجولة الثانية بين اليمين المحافظ (حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية ) واليمين المتطرف (الجبهة الوطنية )، الذي استفاد من يأس المواطنين بسبب الركود الاقتصادي وارتفاع نسبة البطالة والفقر، سواء خلال حكم الرئيس ساركوزي أو الرئيس هولاند الذي تراجعت شعبيته إلى مستوى قياسي، ولم يتجاوز مستوى الراضين عن سياسته نسبة 20% من المواطنين، بسبب نكثه لوعوده بخفض البطالة التي بلغت 10% من القادرين على العمل، وكانت الأحزاب المتنافسة في الماضي تتفق فيما بينها على التنسيق لحشد أنصارها بهدف إقصاء اليمين المتطرف من الحلبة الانتخابية، وأصبحت الأحزاب التقليدية تخطب وده لتخفيف الأضرار

من دروس هذه الإنتخابات:

لم تكن هذه الإنتخابات المحلية تحظى باهتمام كبير، ولكن الظرف الحالي جعل منها اختبارا لشعبية الحزب الحاكم الذي خسر كافة الإنتخابات منذ استعادته للسلطة التشريعية والتنفيذية سنة 2012 وحصل على أسوأ نتيجة حصل عليها أي حزب حاكم في تاريخ فرنسا، كما شكلت هذه الإنتخابات اختبارا لقوة وشعبية اليمين المتطرف الذي ارتقى إلى مصاف الأحزاب الكبرى منذ 2002 وارتفعت أسهمه في بورصة الإنتخابات، وتعتزم رئيسته الترشح للإنتخابات الرئاسية سنة 2017 ليس لمجرد المنافسة وترويج الأفكار اليمينية المتطرفة، بل على أمل الفوز بها

استغل اليمين المتطرف سوء إدارة الحزب الإشتراكي وتطبيقه لنفس سياسة اليمين المحافظ، كما استغل حادثة اغتيال عدد من المواطنين في ما سمي “حادثة شارلي هبدو”، والتركيز على انعدام الأمن، لاجتذاب شريحة هامة من اليمين التقليدي ومن الشرائح الوسطى وسكان الأرياف، إضافة إلى عدد من الفقراء والمحرومين، الذي راجت في أوساطهم خيبة أمل كبرى، وأرادوا “تجربة من لم يحكموا قط” لعلهم يأتون بالجديد، وهي فكرة تنم عن الغباء لكنها منتشرة في بلدان عديدة، وساهمت في إيصال اليمين الديني إلى الحكم في تركيا وتونس ومصر، واليمين المتطرف إلى برلمانات وبلديات عدد من دول أوروبا الغربية (النمسا، هولندا، ألمانيا، بلدان شمال أوروبا الإسكندنافية…)

كانت الحملة الإنتخابية فرصة لنقد سياسة الحكومة أو الدفاع عنها، وبالمقابل لم تبرز برامج بديلة تقدم حلولا للأزمة الإقتصادية وارتفاع نسبة البطالة والفقر، أو سياسات بديلة لما هو قائم، أو أي نظرة مستقبلية لمستقبل فرنسا وأوروبا في ظل العولمة الرأسمالية المتعاظمة، كما حصل في اليونان ويحصل حاليا في اسبانيا والبرتغال وإيرلندا

شكل الحزب الاشتراكي الفرنسي حاضنة للأفكار الإستعمارية والمعادية لحركات التحرر وللأفكار المعادية للطبقة العاملة وللشيوعية كنظرية (كمشروع لتحرير الطبقة العاملة، بقطع النظر عن الممارسة) واتسمت فترات حكم الحزب الإشتراكي بتذويب الفارق بين “اليمين” و”اليسار” في تسيير شؤون البلاد، على الصعيد الداخلي، فتمادى في تطبيق سياسة اليمين المحافظ التي كان ينقدها لما كان نيكولا ساركوزي رئيسا، مثل منح امتيازات عديدة للأثرياء وأرباب العمل وتطبيق سياسات ضريبية تخنق الأجراء وتطلق العنان للأثرياء للتهرب من الضرائب أو للمضاربة وللإستثمار في قطاعات غير منتجة، وضخ المال العام في خزائن المصارف والشركات الكبرى، أما على الصعيد الخارجي فقد اتسعت رقعة التدخل والإعتداء العسكري الفرنسي في افريقيا والوطن العربي، كما بالغت هذه الحكومة في ولائها للحلف الأطلسي ولسياسات أمريكا العدوانية (بل تورطت في المزايدات عليها) في إيران وأوكرانيا وسوريا والعراق، ولمساندتها المطلقة للصهاينة فكانت فرنسا سندا قويا لحكومات العدو الصهيوني التي تعتبر فرنسا، خلال حكم الحزب الإشتراكي، من أنصار “إسرائيل الكبرى”، ومنعت الحكومة الفرنسية عدة تحركات مساندة للشعب الفلسطيني الذي كانت مقاتلات العدو الصهيوني تقصفه في غزة (صائفة 2014) ومنعت المظاهرات التي تندد بالإغتيالات ذات الصبغة العنصرية في فرنسا، وأحالت الحكومة نقابيين على القضاء بسبب نشاطهم النقابي والإجتماعي السلمي، وفرنسا هي الدولة الوحيدة التي منعت المظاهرات المنددة بالعدوان الصهيوني على غزة، وهي الدولة الوحيدة التي تحاكم الداعين إلى مقاطعة البضائع الصهيونية، وتعتبرهم “معادين للسامية”، ومن الناحية التاريخية تميز الحزب الإشتراكي وسلفه (الفرع الفرنسي للأشتراكية الدولية) بسياسته الإستعمارية في الجزائر والإعتداء الثلاثي على مصر، وتزويد العدو الصهيوني بالتقنية النووية العسكرية الخ

تتجسد صهيونية الطبقة الحاكمة في فرنسا في سياسة التشفي التي تطبقها ضد الأسير “جورج إبراهيم عبدالله” الذي يقبع في سجون فرنسا منذ أكثر من ثلاثين سنة، وترفض الحكومة الإشتراكية إطلاق سراحه رغم سماح القضاء بذلك، لأن جورج رفض الإعتذار عن مقاومته للإمبريالية الأمريكية وللصهيونية، ورفض التنازل عن قناعاته القومية والإشتراكية الحقيقية (الأممية)

على الصعيد الأوروبي اتسعت رقعة المد اليميني المتطرف والعنصري ضد العرب والمسلمين والأفارقة، ومن هم في أسفل السلم الإجتماعي (أي عنصرية ضد الفقراء والعمال والكادحين)، خصوصا في شمال أوروبا، ولكن أيضا في إيطاليا وفرنسا واليونان، أما عن ألمانيا والنمسا وهولندا ودول أوروبا الشرقية فحدث ولا حرج، ولا تتحرك الجامعة العربية (العبرية؟) ولا الدول العربية للإحتجاج أو المقاطعة، بل اصطفت معظم الحكومات العربية وراء الإمبريالية الأمريكية والأوروبية بممارسة التطبيع (والدعوة له) وبالمشاركة في تخريب البلدان العربية مثل ليبيا والعراق واليمن وسوريا وفلسطين…

لقد مثلت أوروبا مهد النظريات الفاشية والعنصرية منذ قرون (منذ الحروب المسماة “صليبية”) قبل تصدير هذه العنصرية إلى الأمريكيتين واستراليا ونيوزيلاندا وجنوب افريقيا وفلسطين (الصهاينة هم أوروبيون استعماريون في المقام الأول ويهود في المقام الثاني)، ورغم ويلات الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا، تعود هذه النظريات والممارسات للإنتشار في أوروبا، وكأن التاريخ يتلعثم في محاولة لإعادة بعض مراحله

ما العمل؟

تتميز المرحلة بضعف القوى المناهضة للإمبريالية وللصهيونية، سواء على الصعيد العربي أو الأوروبي، ولذلك يصعب وجود قوى حليفة لنا (كتقدميين عرب) في دول أوروبا، حيث قوى اليسار (بما فيها أقصى اليسار) تعادى الفكر القومي ولا تتحمس لمساندة أفكار “التحرر الوطني” وتعتبر المسألة الوطنية والمسألة القومية من مظاهر التخلف، وساندت معظم قوى اليسار الإعتداء العسكري على ليبيا وسوريا، بتعلة “دعم الديمقراطية”، واصطفت وراء القوى الإمبريالية والصهيونية بخصوص القضية الفلسطينية، ونظرا لضعف القوى التقدمية العربية أيضا، فمن الضروري تكثيف الحملات الإعلامية والتعاون مع مختلف الجمعيات التي تركز نشاطها في الأحياء الشعبية وضواحي المدن الكبرى الأوروبية، للتعريف بالقضية الفلسطينية والقضايا العربية، وكذلك في أوساط الطلبة والجمعيات الثقافية والشبابية والنقابيين القاعديين، ضمن خطة متوسطة المدى، قد تعطي نتائج إيجابية بعد بضع سنوات…