“كنعان” تتابع نشر كتاب “ظلال يهو/صهيو/تروتسكية في المحافظية الجديدة”

تأليف د. عادل سمارة

الهند بين الغوارية الماوية، تواطؤ التروتسكية

والإقرار الأوروبي بفساد سلطتها

 

 (نشر هذا المقال في مجلة كنعان الدورية العدد 154 خريف 2013)

قرأت مؤخراً نص محاضرة ألقتها في شيكاغو المحاضرة الجامعية الهندية  تتثي باثاشرايا تروتسكية الاتجاه الفكري. والمحاضرة نقد شديد للماوية وخاصة النظرية والممارسة الماوية لحرب الغُوار في ولايات هندية. وجدت، كما أعتقد، بأن النقد يحمل روحاً عدائية مُرَّة أكثر مما هو نقد نظري من جهة أو سياسي من جهة ثاتية. وبدل النقد الماركسي للغواريين كانت المحاضرة مثابة لوم على راس المال الذي هيَّأ شروطا اجتماعية اقتصادية للثورة!(النص مع تعقيب مني أدناه).

ولكنني عثرت في الوقت نفسه على مقالة صغيرة لكاتب هندي يشرح بإيجاز بليغ مدى تعمق الفساد في السلطة الهندية وتغوُّل راس المال هناك. وهو ما دفعني لترجمة المحاضرة والمقالة حيث وجدت أن محتوى المقالة يؤكد على وجوب الثورة في الهند وليس الإصلاح، ولكنه أيضاً ذي منظور معادٍ للماوية. ويبقى السؤال: هل الثورة المنشودة في الهند هي الكفاح المسلح بحرب الغُوار، أم أي شكل آخر؟ صحيح أن لكلٍّ اجتهاده. ولكن ما قامت به الماوية وما تقوم به هو اجتهادها طبقا لتقييمها للحالة الهندية وضروراتها. وعليه، يكون السؤال: هل هناك استراتيجية أخرى تناضل بها التروتسكية في الهند؟ هذا سؤال برسم إجابة هذا الاتجاه!!

المقالة الأولى

هل الأمة في غيبوبة؟

موهان ماروتي

الهند اليوم في نظر الأوروبيين.

تحمَّل عبء ألم قراءة ما يلي. لعله فوق العادة أن نضطر لمواجهة الحقيقة.

يعتقد الأوروبيون بأن القادة الهنود ممعنين في العمى بسبب من الثروة الهائلة وتحت إغوائها بحيث لا يستوعبون بأن يوماً سياتي حيث يقوم من لا يملكون بالسيطرة على الشوارع.

وبطريقة او أخرى، يبدو أنها قد بدأت  بالأعمال الرهيبة والخطرة التي يقوم بها الماويون. وحينما يحصل هذا التعفن، فإنه ما من خائن سياسي يمكن أن ينجو من حبل المشنقة. إن طبول الحرب تدق بقوة من قبل هؤلاء  المتمردين كلما قرر قادتنا عدم الإصغاء لصوت الشعب. وفي النهاية، فإنها ستقود إلى ثورة تفيض إلى كل شوارع الهند

قبل بضعة ايام كنت في ندوة نقاش عن الاندماج والاحتواء في فرانكفورت بألمانيا،، نظمها الملتقى الأوروبي وهاندلسبلات، وهي إحدى الصحف ذات المركز الهام لدى متحدثي الألمانية في أوروبا. والمشاركون في الندوة هم مسؤولون كبارا في أوسع صناعات السيارات وشركتي تأمين لجميع الشركات الألمانية التي تعمل في الهند. وقد أدار النقاش بروفيسور من كلية إدارة أعمال أوروبية معتبرة. وقد تواجد في القاعة أكثر من مئة مدير شركة أوروبية من المعروفين جدا. وكنت أنا الهندي الوحيد.

وفي أعقاب النقاش، فُتح المجال للأسئلة. كانت تلك لحظتي لمواجهة الحقيقة، حيث كانت ساعة من الخزي والمذلة – حينما انهال الحضور باسئلة وطرح ملاحظات عن تجارتهم مع شيطان الفساد في الهند.

ما أصعب التشنيع والإهانة التي تعرضت لهاحيث  ذكرتني في لحظة الحقيقة، في اللعبة الأنجلو-اميركية. وكنت كلما اجبت على أسئلة اكثر كلما ووجهت بأسئلة اكثر تشددا، وتشددا هنا تعني إهانة.

عدم الارتياح الأوروبي:

تمحورت الأسئلة حول : هل أمتك في غيبوبة؟ ؟ إن الفساد في الإدارة، وحتى في القضاء، وما هي إمكانية مسائلة القضاة، والشركتين الكبريين للاتصالات، وبلايين النقود ضمن عملية  الإعفاءات الضريبية غير القانونية.

إنها لحقيقة بان مشكلة الفساد في الهند وصلت نسبة معيبة في السنوات الأخيرة، هذا مع انها في الهند منذ عقود. إن الأسئلة والحوار الذين حصلا بعد الندوة كانا مؤشرا على عدم الارتياح الأوروبي. وفي نهاية الأسئلة والأجوبة، خمَّنت بأن الأوروبيين يرون الهند مثابة حالة ذاهبة إلى انجراف لا سبيل لوقفه. وساورد هنا ما ورد في الإعلام الأوروبي في الأيام الأخيرة.

في نقاش لبرنامج تلفزيوني يشاهده الكثيرون في المانيا، كان المتحدث عضو في البرلمان الألماني حيث اقتطف ما يلي: “إذا ما أحصينا كل ألنهب  الذي حدث في السنوات الخمس الأخيرة، فإنه سوف يتجاوز النهب الاستعماري البريطاني للهند بأكثر من تريليون دولار.

جمهورية موز:

كتبت يومية أعمال ألمانية في افتتاحية لها عن الهند تقول: أصبحت الهند جمهورية موز بدل أن تكون قوة عظمى اقتصاديا. فالتأمينات خصصت للحلفاء السياسيين. ويتم التعهد بمعاملة خاصة على حساب الشعب. وعليه، فإن السيد ماياواتي الذي هو الوزير الأعلى المسؤول عن المناطق الأكثر كثافة سكانية، يلوذ بالصمت حينما يقوم مسؤول التحريات بالتدقيق في مشكلة ما. كما يقوم الوزير بغض الطرف عن فساد بعدة ملايين من الدولارات.

وفي مقالة في صحيفة فرنسية معنونة ب “أدي اللعبة على الطريقة الهندية”: بين تحقيق في الصفقات المالية فيما يخص هيئة الكريكيت الهندية بأن هناك شبكة صفقات تمر عبر إعفاءات ضريبية كالتي تحصل في سويسرا  وجزر فيرجن، وموريشيوس وقبرص. وفي نفس المقال،  ورد اسم حسن علي من بوني كمدير هو وزوجته لحساب سويسري غير قانوني ب بليون دولار.

وفي رواية أخرى بان رئيس الوزراء السابق جارخاند مادو كودا، حيث ورد في تقارير بأن لديه ارصدة في مناطق معفاة من الضرائب  تم استخدامها في شراء مناجم في ليبريا. ولسوء الحظ، فإن الجمهور الهندي لا يعرف عن هذا التحقيق.

وكتبت صحيفة استرالية بأن : “رئيس الوزراء الهندي لا يعرف عن هذه الصفقات، فهو غائب عن الحقائق على الأرض، ولا يستحق أن يكون رئيس وزراء. وإن كان يعلم فهو شريك في الجريمة؟”
كما ورد في صحيفة أل تلغراف البريطانية بأن :” النظام القانوني الهندي الهائل سوف يؤكد بأن الفصل في الجريمة قد تأجل”

المقالة الثانية

الماوية في عالم الجنوب

 

نشرت مجلة “الاشتراكية الدولية”التروتسكية  مقالة طويلة ل تتثي باثاشرايا وهي مؤلفة كتاب (حراس الثقافة:الطبقة، التعليم، والمثقف الاستعماري في البنغال) منشورات جامعة أكسفورد 2005) وبروفيسور في تاريخ جنوب آسيا في جامعة بورديو. ترتكز هذه المقالة على حديث قدمته لمجلة اشتراكية عام 2010 في شيكاغو.

المجلة:

نحتاج بما أننا اشتراكيين ثوريين إلى أن ناخذ بمنتهى الجدية ذلك الصعود للماوية، وبشكل خاص في عالم الجنوب. لماذا يقوم الكثير من الناس العاديين بدعم، والانضمام والتصويت للماويين؟ هناك على العموم ثلاثة أسباب منداخلة وراء ذلك:1- يوفر الماويون حماية حقيقية للمقموعين: فالطبيعة الزائفة الفارغة للراسمالية المعولمة في حقبتها النيولبرالية، وخاصة في عالم الجنوب، حيث تدفع أعدادا متزايدة من الناس وبشكل لا سابق له إلى الإملاق. مثلاً في الهند، فإن السياسات النيولبرالية أدت إلى قفز الإنتاج الأهلي الإجمالي بالمعنى المطلق من المركز الثاني عشر إلى العاشر على صعيد عالمي. ومن المركز التاسع إلى المركز الرابع من حيث القوة الشرائية، ولكن ثمرات هذا  “النمو”، على اية حال لم توزع  بالتساوي. فهناك 400 مليون هندي اليوم يستهلكون أقل من كمية (السعرات الضرورية لبقاء الجسم والروح معاً)

(1). وعموما، فإن مناطق في الهند غدت فيها حرب الغوار الماوية هي الدرع الوحيد لسكان تلك المناطق وهي الدرع الذي يقف بين عنف الدولة والبقاء”

تعقيب: نلاحظ هذه النغمة في الحديث حيث تلوم المجلة البرجوازية الهندية على سوء التوزيع؟وترى أنه لولا هذا التوزيع السيىء لما تمكنت الماوية من استقطاب الفلاحين لحرب الغُوار.  والسؤال: هل الموقف الماركسي هو الطلب إلى البرجوازية أن تكون عادلة في توزيع الدخل؟ أم أن المشروع الثوري هو اجتثاث النظام الراسمالي؟

المجلة:

2- تقدم الماوية نقداً نضالياً للظروف السائدة: فما من امرىء يراقب صور الأطفال الباكستانيين الذين يُقتلون بطائرات أل درونز الأميركية ويحتاج بعدها إلى إقناع بأن الإمبريالية لا تزال خطرا محدقاً في عالمنا. خذ مثال نيبال، حيث الماويين هم الخيار السياسي الأكثر شعبية. نيبال إحدى أفقر بلدان العالم، حيث أن مؤشر التنمية البشرية هو 0.458 مما يضعها في المرتبة157 من بين 187 بلداً حيث يعتمد 84 بالمئة من سكان نيبال على الزراعة. وبينما كانت معظم الأرض الخصبة  مملوكة من الأسرة الحاكمة كان صندوق النقد الدولي متمسكاً بعدم دعم الزراعة. لقد  واصل الماويون حرب الغُوار لعشر سنوات ليقوموا بعدها بإعادة توزيع الأرض بالقوة على الفلاحين وحينما أُنتخبوا  للسلطة قاموا بتقديم دعم للزراعة في عناد مباشر لصندوق النقد الدولي”.

تعقيب:

تشعر المجلة بالضيق من انتصار الماوية في نيبال، ملقية باللوم على  كل من صندوق النقد الدولي واحتكار العائلة المالكة النيبالية لملكية الأرض الجيدة! في حين أن الموقف المفترض هو تأييد الثورة ومن ثم نقدها. أي الانطلاق من ضرورة الثورة، ومن ثم مناقشة احتكار الأرض ووصفات الصندوق كشروط هيأت الأرضية لنجاح الثورة، وليس مجرد لوم الثورة المضادة على توفير شروط الثورة. فالمجلة هنا تقف موقف عداء للماوية ربما بشراسة أكثر من موقفها ضد العائلة المالكة وصندوق النقد الدولي! وهو موقف يتأرجح بين المناكفة اليسارية والموتورية العقيدية.

المجلة:

– البقاء المباشر هو الخيار الجذري الوحيد: إن جميع الأحزاب البرجواية في عالم  الجنوب هي ماوية وهي تعود إلى واجهة الأخبار. في نيبال، وبعد عدة سنين من حرب الغوار، اصبحوا الحزب الحاكم. ويحظون بأكثرية هائلة من اصوات الشعب كما حصل عام 2008 إثر وقوفهم بحزم لصالح قضايا العدل الاجتماعي. وفي الهند يديرون حرباً ضد القوى المشتركة للدولة الهندية، والجيوش الخاصة، وقوى الشركات الكبرى. لقد وصفت الدولة الهندية التحدي الماوي  بأنه المشكلة الأمنية الهندية الأكثر جدية، وأخرجت الماويين عن القانون باعتبارهم  “جماعة إرهابية”. ومثيل ذلك المنظمة الماوية البروانية (في بيرو) الدرب المضيىء، وهي على قائمة الإرهاب من قبل الإدارة الأميركية، وكندا والاتحاد الأوروبي.  لا مجال لشك بأن الماويين يعودون إلى صدارة الأنباء  وبمختلف المقاييس فإنهم يقاتلون ضد جميع الشعب الطيب.

تعقيب:

لا يحتاج موقف الكاتبة والمجلة إلى توضيح بأنها تعتبر الماوية منظمة إرهابية وبالتالي، فهي تنحاز لصالح الثورة المضادة ضدها. وبالطبع، هذا تصنيف خطير ولا سيما من اتجاه يعتبر نفسه الاتجاه الاشراكي الثوري!

ابتهاج القادة السياسيين “للتطور” الراسمالي

الكاتبة:

بالنسبة لمعظم الناس العاديين، فإن هذا التطور يعني شركات كبرى للمناجم، او شركات طاقة كبرى تقتلعهم من بيوتهم وتقشطهم وسائل عيشهم التقليدية. فالناس يُقتلعون بالقوة من ارضهم على يد كل من مسلحي الدولة (الشرطة والجيش) وعصابات خاصة تابعة للشركات متعدية الجنسية وعملائها المحليين. إن الخيار السياسي الوحيد  المعروض هنا هو: التصويت للأحزاب البرجوازية، وجميعها تقدم نفس الوصفات “نفس موديل التنمية”، أو البحث عن حماية مباشرة بعيدا عن البرلمان. الحماية  من الماويين المسلحين الذين كما يبدو يراكمون مقاومة مفتوحة ضد القوة المسلحة للتطور الرأسمالي. وفي جميع هذه الحالات من الواضح بأن الماويين يقاتلون ضد الدولة وراس المال. ولكن هل هذا القتال يمكنهم كسبه؟ وللإجابة على هذا السؤال نحتاج إلى إلقاء نظرة جادة على سياسات الماويين وفيما إذا كانت الطريق الحقيقي للتخلص من الرأسمالية.

 

الماويون كماركسيي عالم الجنوب:

الكاتبة

لعل رصيد ماوتسي تونغ نابع من كونه طور استراتيجية الثورة في مجتمعات-غير أوروبية. هناك أربع سمات لهذا التفكير الاستراتيجي:1- توجد في المجتعات غير المتطورة أكثرية فلاحية  مقابل طبقة عاملة صناعية صغيرة، كما أن لها  تاريخ طويل من العيش تحت حكم استعماري بأشكال متعددة. إن التشكيلة الاجتماعية  في هذه الحالة يمكن وصفها بأنها ليست راسمالية بل شبه إقطاعية وشبه استعمارية.

2- ينبع مما تقدم بأن الثورة لا يمكن قيادتها من الطبقة العاملة لوحدها ولكن بتحالف بين العمال والفلاحين والقطاع التقدمي من البرجوازية الضد-كولونيالية.

3- والثورة نفسها يجب ان  تكون على مرحلتين: في مرحلتها الأولى يجب ان تكون ثورة برجوازية ديمقراطية للتخلص من ملامح الإقطاع والاستعمار ومن ثم بوسعها التقدم باتجاه المرحلة الاشتراكية.

4- إن حرب الغوار بالنسبة للماويين هي الاستراتيجيا الأكثر أهمية وثورية. وبان هذه الحرب تبدأ من الريف بجيش من الفلاحين الذي بدوره يخلق قواعد حمراء  أو مناطق محررة وبعدها يتقدم إلى المدن للإمساك بالسلطة.

ليس من قبيل الخطأ تطوير النظرية الماركسية باتجاهات جديدة لشرح أوبناء على  السياقات التاريخية المتغيرة.  والماركسية بعد كل هذا هي منهج وليست مجموعة عقائد مرصوصة في نصوص تُدرس كالصلوات في كل صباح. ولكن التنمية ليست المخرج نفسه. فإذا ما أراد البعض اختيار مبدئاً ماركسيا مقدسا من قلب الماركسية فإن تحرر الطبقة العاملة هو واجب الطبقة العاملة نفسها، وليس واجب مجموعة غوارية تقاتل بالنيابة عنها مهما كانت جرأة هذه الجماعة.

تعقيب: تظهر هنا محاولة حصر الماوية في مجتمعات الجنوب غير الأوروبية! وهذا ليس دقيقاً، وإنما الصحيح أن التجربة الماوية بدأت في بلد من الجنوب ولم تكن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية حينها في ذلك البلد راسمالية متفدمة، كما كان  هناك تعايشاً بين أكثر من نمط إنتاج منها نمط الإنتاج الاقطاعي و الماقب-رأسمالي والرأسمالي. وإذا كانت هذه حالة الصين إبان الثورة الماوية، فهذا لا يعني أن الماوية قد عممت هذا الوصف على مختلف مجتمعات الجنوب. كما انها لم تنحصر في الجنوب. فمن تابع دور الحركات الماوية في أوروبا الغربية وخاصة في فرنسا يجد بأنها كانت الأكثر نشاطا حينها!  هذا إضافة إلى أن مساهمة الماوية كنظرية وتجربة لم تنحصر في التنظير للثورة في الجنوب وحده.

الكاتبة:

إن المبادىء الأربعة المذكورة أعلاه ليست لها أية علاقة بالمنهج الماركسي، وكل ما لديها هي نظرية قوموية عابرة تطورت خلال هزيمة حاسمة ألحقت بالطبقة العاملة الصينية . وفي الحقيقة، فإن هذه الهزيمة للطبقة العاملة الصينية بين 1925-27 وتصفية الشيوعيين حينها هي التي تفسر الملامح الأساسية لنظرية ماوتسي-تونج “الجديدة”.

تعقيب: تدل مجادلة الكاتبة بأن هذه المبادىء الأربعة ليست لها علاقة بالمنهج الماركسي، تدل على عقلية قاض يقيس على مسطرة حرفية هي غالباً من عندياته. فالماركسية، كما يؤكد لينين على الأقل، هي نظرية تتطور من قبل البشر، من مساهمات الماركسيين. وهي ليست محدودة ولا محصورة في نصوص ماركس. هذا إضافة إلى أن المنهج الماركسي هو فلسفي يقوم على استخدام الماركسية كاداة للتحليل خاصة قوانين ومقولات الجدل (الديالكتيك). وعليه، لم تبين الكاتبة ما هو تناقض المبادىء الماوية الأريعة مع المنهج الماركسي. وإذا كانت هزيمة ومذبحة الشيوعيين هي التي دفعت ماو للرحيل إلى الأرياف، فهذا ابداع ماركسي وليس انحرافاً. فهل كان الصحيح أن يبقى الشيوعيون في المدن بانتظار القدرة على القيام بثورة عمالية؟ قد يجوز لنا السؤال: طالما أن التروتسكية هي التي تتفهم شروط المنهج الماركسي، الم يكن بوسعها النضال العمالي في المدن، وقطع الطريق على ثوار حرب الغُوار في الأرياف؟ وربما لو حصل هذا لكانت قد انتهت الثوة في الصين كما كانت في كوبا، اي اندماج الشيوعيين الذين ناصلوا في المدن مع ثوار حرب الغُوار القادمين من الأرياف. طبعاً لم يكن أياً من الطرفين الكوبيين  تروتسكياً.

أما وصف الكاتبة للحركة الماوية بأنها قوموية، فهو تورط في نفس الموقف التروتسكي الذي يعادي القومية بشكل أعمى. ويكفي أن نحيل القارىء/ة على البيان الشيوعي الذي يؤكد بأن القومية  هي قاعدة انطلاق إلى الشيوعية كما ورد اعلاه . ولعل إصرار التروتسكيين على رفض القومية بالمطلق  قائم على عقدة الاعتقاد التأليهي للطبقة العاملة في شتى الظروف والحالات مما يعني رفضهم لأية مساهمة ثورية من اية شريحة أو طبقة غير العمال. وهذا موقف انتظاري يكلبش التاريخ غلى أن تصحو الطبقة العاملة، وليس تحرك اية طبقة أو شريحة ثورية بما يوقظ الوعي أو الدور العمالي. ولنا عبرة في مقولة التروتسكيين المكررة  بأن : “الثورة تنبع من باب المصانع” بالطبع هذه هي الفرضية، ولكن ليست الشرط الوحيد وها هي المصانع في أوروبا وأمريكا تكاد تنتهي بالمعنى الكلاسيكي ولم تثر الطبقة العاملة. إن نظرة التروتسكيين هذه هي مضادة للثورة عبر زعم الولاء للثورة.

الكاتبة:

كانت ثورة أكتوبر  في روسيا إلهاماً هاما لتشكيل الحزب الشيوعي الصيني الناشئ حديثاً عام 1921. وبحلول عام 1926 كانت الطبقة العاملة الصينية أكثر من أحد عشر مليون شخص، كانت منهم ثلاثة ملايين منظمة في اتحاد العمال. وهذا ينفي مزاعم ماو بأن الطبقة العاملة في الصين كانت هامشية وغير فعالة، بل كانت الطبقة العاملة الصينية قوة قائدة في الصراعات التي احتدمت بين عامي 1925-27. كان النضال في البداية قومياً: من أجل إنشاء حكومة وطنية قوية التي بوسعها اقتلاع الإمبريالية الغربية واليابانية والتخلص من المعاهدات التجارية الامتيازات.وهي الفترة التي قاد النضال  فيها الكومنتانج.  حينها بُنيت قوة الكومنتانج على اساس نضال العمال. إن الإضرابات والمقاطعة العمالية التي قام بها الحزب الشيوعي الصيني قائد الاتحادات العمالية  والتي وصلت إلى إضراب عام استمر 12 شهراً،  في هونج كونغ، وهو الذي مكَّن الكومنتانج من إقامة سلطته الأولى المتركزة في مقاطعة جوانجدونج. وحينما شنوا عام 1926 مسيرتهم الشمالية للسيطرة على بقية الصين فإن نضالات  الفلاحين  في القرى هي التي مكنت الجيش  من التقدم السريع في جنوب الصين. ومع تعمق الصراع، فإن رؤيتهم قد اتسعت لما هو ابعد من الحدود التي وضعها الكومنتانج. قامت ميليشيا العمال بدوريات في شوارع  جوانجزهاو (كانتون) وأغلقوا هونج كونغ، وقاموا بإضرابات لزيادة الأجور، وتحديد ساعات العمل وتحسين شروط العمل ووصل تأثيرهم إلى  الموظفين لدى الراسمالية الصينية. لقد أصبحت الثورة القومية ثورة عمالية(2). في بدايته فإن العلاقة بين القوميين والشيوعيين قد اتبعت التقليد الذي صاغه التيار اللينيني في مؤتمر الكومنترن (1920) حيث جادل لينين بأن: “على الشيوعيين دخول تحالف مؤقت مع البرجوازية الديمقراطية في المستعمرات والبلدان المتخلفة، ولكن يجب أن لا  تندمج أو تذوب فيها، وأنها تحت كافة الظروف يجب أن تحافظ على استقلالية الحركة البروليتارية حتى في أكثر اشكالها الجنينية(3).   ولكن سيطرة “الستالينية” على الكومنترن خلال العشرينات حولته من مركز للاستراتيجية الثورية إلى مجرد (ثنك تانك) للسياسة الخارجية السوفييتية. كان العمال الصينيين من أوائل ضحايا هذا التحول الماساوي. كان ستالين قد أمر الشيوعيين الصينيين بحل انفسهم والانضمام اللامشروط في الكومنتانج القومي.هذه السياسة الكارثية سمحت ل تشان كاي تشك القائد القومي، بان يلعب مناورتين في وقت واحد: الأولى، حيث استخدم المناضلين من العمال والفلاحين كخشبة لكسب السلطة ضمن أجزاء من الأمة، والثانية، قام بمذبحة ضد الشيوعيين وقوض العملية الثورية. لقد قتل أكثر من 230  ألف شخص . وفي سنة قبض تشان كاي تشيك على السلطة في الصين.فقد أعترف منشور للحزب الشيوعي الصيني عام 1928 ب: ” إن منظماتنا قد تقلصت إلى الحد الأدنى، ووحدات حزبنا في المدن  سحقت وعزلت.  ولم تعد تجد في كافة أنحاء الصين خلية صناعية متماسكة(4). إن استراتيجية الانتقال إلى الريف  التي زعم ماو تسي تونج بأنها جديدة  لم تكن جديدة قط بل نتيجة أو في سياق هزيمة  واندحار الشيوعيين من المدن. لقد هرب ماو مع مجموعة من رعاع الجيش بعدد يقل عن ألف رجل إلى جبال جنج جانج وهي منطقة  موحشة ومتخلفة على حدود هونان و جيانكسي.

في ايار 1928 قاد زهو دي ألف رجل آخرين وانضموا إلى مجموعة ماو تسي تونج. وكانت هذه المجموعات الصغيرة هي المتبقية من الحزب الشيوعي الصيني والتي غدت تسمى بعد 1928   حزب  غواري مقاتل  مكون بشكل اساسي من فلاحين مقتلعين ومقود من مثففي الطبقة الوسطى. منذ تلك الفترة اقام ماو “قواعده الحمراء: الشهيرة في الأرياف والتي كما وصفها الاشتراكي البريطاني شارلي هور كانت اساساً :”ديكتاتورية عسكرية خيرية أُستقبلت من قبل الفلاحين لأنها وضعت تقييدات على سلطات ملاك الأرض المحليين(5)”

تعقيب: ليست المسألة إن كانت حرب الغوار ابتكار ماوي أم لا. فالعبرة في اختيار التكتيك المناسب في اللحظة المناسبة. فطالما يؤكد الحزب الشيوعي أن معظم عناصره قد سُحقوا على يد الكومنتانج، فلماذا لا تُقرأ تجربة الانتقال إلى الريف على حقيقتها بمعنى أنها كانت خيارا ثوريا، وهو ما ثبتت صحته بل وانتهائه بالانتصار وتحرير الصين من الاستعمار ومن ديكتاتورية البرجوازية التابعة! ولماذ لا تُقرأ حرب الغوار على أنها مساهمة جديدة للماركسية تجاوزت الانحصار في النضال المديني لعمال الصناعة وبالطبع هي لا تقلل منه ولا تلغيه.

ألا يعني قتل ربع مليون ناشط وكادر حزبي هو إبادة جماعية، فكيف يمكن توفر مناخ لنضال مطلبي عمالي؟ أليس هذا تدمير لطليعة الطبقة العاملة؟ فما الاعتراض على اللجوء إلى الريف؟ ثم ما هذا التعالي  بالقول: “رعاع الجيش”؟ أليس الرعاع هم من يبقون في جيش السلطة؟ لعل الأكثر طرافة قول الكاتبة بأن ماو لجأ إلى مناطق موحشة ومتخلفة! غريب، واين يمكن لحرب الغوار ان تختفي وتتمترس؟ في الشوارع العريضة للمدن؟ أم في غرف التدريس في الجامعات أم في المسارح؟

اما الأكثر تهافتاً فهو حديث الاشتراكي البريطاني بأن ماو أنشأ “ديكتاتورية عسكرية خيرية أستقبلت  من قبل الفلاحين لأنها وضعت تقييدات على سلطات ملاك الأرض المحليين”! وماذا كان على الثوار أن يفعلوا؟ هل يرغموا الفلاحين على العمل اقناناً عند الملاك؟ وما الذي على الشيوعيين ان يقدموه لللاحين غير الأرض؟ ومن ثم تأسيس الكميونات (الجُماعيات).

الكاتبة:

وفي السنوات العشرين التالية فإن استراتيجية حرب الغوار التي بدأت بتكتيك طارىء مشحونة بالهزيمة قد أصبحت مسألة مبدأ وسياسة وفي النهاية “نظرية” يجب أن تتبناها بلدان أخرى.

لقد كان تكتيكا مفيدا جدا أي كسب لحرب مسلحة لتحرر قومي ضد الإمبريالية الغربية. لقد كان الكومنتانج في وضع عدم القدرة على إقامة هيمنة قومية  بسبب الفساد المستشري والصراع الطائفي، وهذا سمح للحزب الشيوعي بقيادة ماو تسي تونغ وبخبرته الطويلة في الحرب  المسلحة، الكفاح المسلح، في الأرياف، أن يقود الصين إلى انتصار على الأمبريالية عام 1949.

تعقيب: لا تبين الكاتبة من اين اتت ب “نظرية يجب ان تتبناها بلدان أخرى”! فهناك حركات ماوية في العديد من بلدان العالم لم تتبنى الكفاح المسلح وحده، أو ربما لا تتبناه اصلا!. هل كانت استراتيجية حرب الغوار مشحونة بالهزيمة ام معبأة بالنظرية الماركسية؟ هل الأمر هو ثاراً أم نضالاً طبقياً؟

 

الكاتبة:

 

الماوية خارج الصين:

إن سبب وجود الماوية كعقيدة لأن الماوية انتصرت في الصين 1949. فلو هُزمت الاستراتيجية الماوية في الوصول إلى السلطة 1949، فإن حرب الغوار في عالم الجنوب ربما لا تزال موجودة، ولكن ربما لم تكن لترى نفسها  منضوية تحت هيمنة العقيدة  الماوية .

تعقيب: لا نجد لهذه الرغائبية من موقع ولا معنى. فما حصل هو أن هذه التجربة انتصرت في الصين. هذا من جهة ومن جهة ثانية، فإن استخدام ” حرب الغوار ربما لا تزال موجودة”.  يشف موقف الكاتبة عن عدم قبول بهذه الحرب، وربما لونظرت الكاتبة في حرب 2000 و 2006 في لبنان و 2014 في غزة ضد الكيان الصهيوني لأدركت بأن حرب الغوار لا تزال ممكنة وبابتكارات جديدة. وكما يتضح أدناه، فإن استشهاد الكاتبة بمنظمة التحرير و أل شين فين هو من قبيل دحش الأمثلة وليس إثبات الوقائع. بينما أكثر مصداقية لها أن تذكر كوبا والجزائر وفيتنام وجنوب اليمن.

لا يمكن للمرء أن يتوقع التأسِّي من انتصار الثورة في الصين إلا من إرهابي إمبريالي. تتاسى وتأسف الكاتبة لأن الثورة انتصرت في الصين!

الكاتبة:

فمنظمة التحرير الفلسطينية وأل شين فين الإيرلندية لم تريا نفسيهما  تتشاركان في منظومة عامة لنصوص عقيدية  رغم انهما غالباً تتشاركان في تكتيكات سياسية متشابهة.

لقد أنجزت الماوية في الصين لأن الهدف الذي وضعه الماويون  لأنفسهم هو تحرر  وطني وليس اشتراكي. إن أدوات حرب الغوار ووضع الاستراتيجية الحربية، كانت مناسبة واساسية  للهدف المطلوب  — الذي كان الإطاحة بالحكم الإمبريالي  وإقامة اقتصاد قومي مستقل وقوي.

تعقيب: وهكذا تنفي الكاتبة عن الشيوعيين الصينيين كونهم حزب هدفه الاشتراكية، وبهذا فهي تماما كما يفعل التروتسكيون، تضع نفسها في موقع الحكم وتنفي كل إنجازات الثورة الصينية من تأميم المصانع وإقامة الكميونات والعمل الجاد للتخلص من قانون القيمة! هذا العمى الإيديولوجي هو طبعة خاصة بالتروتسكية، وهو الذي لا يستحق أن نرد على كثير مما يزعمه.