مراجعة كتاب: “أميركا الأخرى: أميركا في عيون مغترب عربي”، لمؤلفه د. مسعد عربيد

 

“أميركا الأخرى: أميركا في عيون مغترب عربي”، لمؤلفه د. مسعد عربيد

مراجعة بقلم د. ديما أمين

(الجزء الأول)

الكتاب: “أميركا الأخرى: أميركا في عيون مغترب عربي”

تأليف: د. مسعد عربيد
الناشر: دار فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة، عمّان، الأردن.
سنة النشر: ديسمبر 2013
عدد الصفحات: 431

“اذا كان بمقدورك ان تتصور عالما بدون امريكا، اي بدون كل ما تدافع عنه وما تفعله امريكا في العالم، عندها تكون قد قطعت شوطا طويلا وبدأت تلتقط ملامح عالم جديد ومختلف كليا”، بوب أفاكيان، رئيس الحزب الشيوعي الثوري في الولايات المتحدة.

بهذه الكلمات يختم الدكتور مسعد عربيد كتابا لا يمكن اعتباره أقل من بحث ودراسة تتناول الولايات المتحدة الامريكية متناولا للعناصر التي لعبت دورآ في تحديد طبيعة هذا الكيان منذ نشأته انطلاقآ من دوره الاساسي في تقرير مصير الملايين من الناس على إمتداد العالم٠

إستطاع دكتور مسعد أن يلم تقريبا بكافة جوانب عناصر هذه المسألة متعمقآ أكثر في العوامل الاساسية التي عملت على تحديد هذا الكيان.

وما يميز هذا العمل انه جاء من طبيب فلسطيني يعيش في امريكا منذ ثلاثين عامآ، فكان بحثآ معمقا من مغترب عربي. واستطاع أن ينجز تحليلآ جذريآ عميقآ للعامل الاساسي الذي يلعب دورآ في مصائر شعوب العالم والعربية خاصة.

افتتح هذا الكتاب بإهداء مميز يليق بهذا العمل ويعرض الصورة منذ البداية.٠٠

كلمات لخصت الهم العربي بكامل ابعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفوق ذلك كله البعد الانساني الذي يمتلكه اللاعربي، وطني يرى في كل بلد عربي وطنآ له يتحمل همومه وحالمآ بوطن متحرر من الهزيمة والذل والفقر والاستغلال والتخلف خاليآ من القتل اليومي بالجملة والذي جعل العربي بلا قيمة يتاجر بدمه ودم أطفاله الذين لا يجدون الفرصة للحلم بمستقبل مشرق حتى الان.

ذلك الوهم العربي المتمثل بأمريكا وحلفائها الذين لا يكتفون أبدآ من اسغلال الشعوب وامتصاص مواردها تحت غطاء كاذب من نشر الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات الفردية.

بالرغم من وضوح السياسة الامريكية باتجاه العالم وخاصة الدول الفقيرة فإن البعض لا يزال عاجزاً عن رؤية الحقيقة، وذلك ربما بسبب ترسخ مفهوم صعوبة نقد الغرب وخاصة امريكا.

ومن جانب اخر حضور المصلحة الخاصة عند الآخرين بدعم المعسكر الامريكي.

عملت أمريكا وبجهد كبير على رسم صورة مزورة لحقيقتها بتزوير التاريخ والحاضر، فتعرض نفسها كدولة ديمقراطية علمانية يعيش مواطنيها برفاهية ورخاء معتمدة على هيمنتها العسكرية والسياسية والثقافية والاعلامية مستخدمة الاسلحة المتطورة بالاضافة الى استخدام المنظمات الغير حكومية والدينية والثقافية وغيرها٠

وهنا تجدر الاشارة الى التوضيح بأن هذا التزوير لم يخضع له فقط العالم الخارجي وانما الداخلي الامريكي ايضآ وهو ما يشكل الخطوط الخلفية لامريكا. لذلك فإن كشف هذا التزوير والتضليل لا يقتصر فقط على العالم الخارجي وإنم ايضآ الى الداخل الامريكي.

لماذا هذا الكتاب؟

إذن وبكلمات مؤلف هذا الكتاب الهدف هو صياغة فهم موضوعي ومادي لأمريكا كظاهرة تاريخية / اجتماعية / اقتصادية / سياسية وكقوة امبريالية عسكرية وتكنولوجية تهدد امن العالم ومصير الانسان ومستقبل البيئة.

القراءة الصحيحة للتاريخ في ما يخص نشأة الرأسمالية الامريكية هي السبيل الوحيد لرؤية الحقائق بشكل واضح لطبيعة هذا الكيان.فقد تبنى هذا الكيان منذ نشأته التمييز العنصري كأساس له منذ البداية، حيث مثل هذا الكيان بعنصريته الرجل الابيض بإبادته الجماعية للسكان الاصليين ومن ثم استحضار الافارقة واستعبادهم.

ومن جهة اخرى فإن التحليل الطبيعي لتاريخ وحاضر الرأسمالية الامريكية يعتمد بشكل أساسي على النقد الجذري العميق لها٠

تسلمت الرأسمالية الامريكية الدور المهيمن على العالم خلال العقود السابقة وذلك بعد انهيار معظم الكيانات المهيمنة سابقآ بعد الحرب العالمية الثانية مما ادى الى معاناه للبشرية على كل الاصعدة ( اقتصاديآ وإنسانيآ وثقافيآ ) كاشفة عن الوجه القبيح للرأسمالية الامريكية ووحشيتها.

وبالرغم من مشاركة الغرب واليابان في هذه الهيمنة الا أن الامريكية منها ظلت المسيطرة والقائدة لهذا المحور.

تفكيك الخطاب الراسمالي

من هنا نصل إلى الاستنتاج بأن الخطوة الاولى لنقد هذا الكيان هي بتفكيك خطابه وتفنيده وبالتالي الكشف عن كل الحقائق التي عملت أمريكا على إغفالها وإخفائها.

إن العمل على إنهاء معاناة شعوبنا وفقرها بأسرع وقت يتطلب تصنيف الاعداء الى رئسي وثانوي وذلك من أجل ترتيب الاولويات النضالية والمهام المرحلية، فالتناقض الرئيسي الذي يواجه البشرية هو الامبريالية بنظامها الرأسمالي مع العلم أن أمريكا على رأسها وليس الوحيدة في هذا النظام.

يبدأ نقد امريكا وتفكيك خطابها بإنهاء ثنائية التفكير بتاريخها الدموي وحاضرها الجميل داخليآ وخارجياً، مع أهمية رؤية الفصام الواضح بين السياسة الامريكية في الخارج عن الداخل وعلاقة ذلك مع مصالح الطبقة الحاكمة المهيمنة في امريكا.

كما أن هذا النقد بشكله الصحيح هو اساس بناء الوعي الجذري الثوري في طريق التغيير لفهم مصالح الطبقة الحاكمة في أمريكا يتطلب ذلك توضيح عناصر نشأة وتطور الهوية والمجتمع الامريكي تاريخيآ وقوميآ وثقافيآ ودينيآ وعربيآ ودورها في تحديد انتماء الفرد والجماعة ومسؤولياتها حيال ما تمارسه الحكومة، وبمعنى اخر التحكم برسم الحراك الشعبي في التغيير الاجتماعي والمقاومة.

يشدد الكاتب هنا بأنه لا يهدف بهذا الكتاب الى التنديد بالمواطن أو المجتمع الامريكي أو إنكار ما قدمه للانسانية من تطورات علمية مع العلم أن هذه الانجازات جاءت في سياق تحقيق الربح من قبل الرأسمالين كما هي المساعدات الامريكية للدول الفقيرة والتي تحمل معها استغلالا لهذه الدول على جميع الاصعدة، انما هذا الكتاب محايد للانسانية لسبب وحيد هو حالة الرضوخ للفقر والمعاناة والاستغلال التي تعاني منها الشعوب العربية نتيجة الاستغلال والهيمنة الرأسمالية الامريكية.

إن ترسيخ الصورة المزيفة لأمريكا لا يتحمل مسؤوليته فقط الدور الامريكي وإنما ايضآ ذلك الافتتان المبالغ به لامريكا بسبب الفقر الثقافي والفكري لرواد مجتمعاتنا مما كان له دور في استدخال وترويج الثقافة الامريكية للمواطن البسيط بهدف تفريغه من أي فحوى وطني يحمي بلاده من الاستغلال والفقر.

جوهر هذا النظام الشمولي هو تحصيل الحد الأقصى من الربح لمراكمة المزيد من الثروة لضمان هيمنته بدون تفريق بين الامريكي وغيره في هذا الجانب، وبكلمات اخرى فإن الاستغلال الرأسمالي لا وطن له الا الربح داخليآ وخارجيآ.

نجحت أمريكا في تقديم ذاتها خارجيآ وداخليآ بشكل بعيد عن تاريخها ونشأتها الحقيقية مستخدمة لهذه الغاية الاعلام المزيف للتفكير الايدولوجي وتكنولوجيا الاتصالات المعولمة واستخدام نظام تعليمي فقير وإعلام متواطئ.

بالنتيجة تأتي اهمية استقراء التاريخ الامريكي وتوظيفه لفهم الوضع الرهن معالجة الخلل في قراءة التاريخ الامريكي وتقييم الاحداث بتسرع دون نظرة معتمة وتحليليه لها والقدرة على وضعها في موقعها الصحيح من المصالح الطبقية والاقتصادية والاستراتيجية للغرب الرأسمالي الاتية والمستقبلية مع التشديد على الفرق بين رؤيتنا للاحداث ورؤية الغرب لها.فنحن نلهث وراء الحدث بدون نتائج بينما يعمل الغرب على رسم سياساته والتخطيط لخدمة مصالحه على مدى سنوات طويلة.

يجدر بالذكر هنا أهمية استيعاب بعض المفاهيم بشكل صحيح ومعمق خاصة بوجود عوامل تعيق هذا النهج في قراءة الاحداث وأهم هذه العوامل انتشار ثقافة الاضطلاع على الاخبار السريعة على الانترنت والذي لا يخدم الوعي النقدي والتحليلي، فهذا النهج السطحي والسريع لتبادل المعلومات والاخبار يهدف الى استهلاك الافكار والنظريات بالتالي عولمتها بالاسلوب الرأسمالي.

عملت أمريكا على فصل الماضي عن الحاضر في سبيل تزييف صورتها مما يستدعي العودة الى جذورها لكشف هذا الزيف، حيث لعبت السطوة الاعلامية الرأسمالية والتحويل النفطي الخليجي دورها في السيطرة على وسائل الثقافة وتشويهها مما يتطلب ليس فقط النقد الاعلامي المضاد وانما ايضآ التعمق في جذور النشآة والتطور لصياغة نقد إيجابي ومثمر. آخذين بعين الاعتبار الاختلاف الظرفي بين الماضي والحاضر وذلك لصياغة علاقة مجدية بينهما والخروج بقراءة مادية استشراقية.

وأخيرآ فإن قراءة المستقبل لا تتم الا بقراءة صحيحة للتاريخ وفهم ديناميكية المجتمع وتطوره لتحليل الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. من هنا إذن جاء هذا الكتاب كمحاولة لقراءة تاريخ أمريكا للوصول الى الاهداف مع العلم أن الكاتب هنا لا يستخف بالقدرة العسكرية والتكنولوجية لامريكا الا انه ايضآ يوضح أن التاريخ أثبت أنه لا يشترط على الشعوب المقاومة أن تنافس هذه القدرات، الا ان الوعي والارادة والقدرة على إدارة المقاومة هي العوامل الاساسية للنصر بالرغم من ضعف الامكانيات العسكرية والتكنولوجية وذلك من خلال تطوير وسائل الحرب الشعبية.

التناقضات التي يعيشها الانسان العربي الان على كل الاصعدة ناتجة عن فشل الخطاب بسبب عجزه عن ملامسة البعد الرأسمالي للصراع الدائر وبالتالي عاجزآ عن الخوض فيه. فالرؤية للغرب مقتصرة على عنصرين : النظر اليه كاستعمار يعمل على نهب ثرواتنا وهي الرؤية السياسية والاقتصادية، والرؤية الثقافية بشكل العنصر الثاني والتي اقتصرت على الخطاب السلفي الديني.

يعبر عن هذه التناقضات التباين في التقييم للغرب حيث الادعاء لمناهضة الغرب من جهة وممارسة قيمه ونمطه في حياتنا اليومية من جهة اخرى، وقد عجز الحراك السياسي رالاجتماعي والاقتصادي عن تحليل وفهم هذه التناقضات إذن يتطلب لتأسيس مشروعنا المقاوم العودة الى جوهر الصراع وفهمه بأسس الرأسمالية ومصالحة الطبقية وأجندته وطرائق عمله.

يحتوي الخطاب على العديد من الثغرات تعود إلى فصل مكونات المعسكر الامريكي أولآ والفصل بين السياسة الامريكيه خارجيآ وداخليا ثانيآ والفصل بين تاريخ أمريكا وحاضرها ثالثآ وطمس البعد الرأسمالي الطبقي رابعآ، وقد لعب تجاهل تجارب الشعوب المقاومة وعدم أخذ العبر منها، لعب دورآ في غياب الصورة الواضحة. كما أن هناك دور كبير للعملاء والخونه الذين ينشطون على النواحي الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وخاصة منهم المثقفين والكتاب والمسؤولين عن صناعة الوعي الشعبي حيث يعتمد وجود هؤلاء واستمرارهم والحفاظ على مصالحهم استمرار الهيمنة الرأسمالية على الشعوب، وتجدر الملاحظة هنا الى دور قوى الدين السياسي مثال ذلك ( الاخوان ) في تحالفهم مع الغرب الرأسمالي والتآمر للوصول الى السلطة في دول المنطقة، ضاربة بذلك مصالح الشعوب وتطلعاتها القومية، مما ادى الى نشوء الفكر التكفيري القائم على أساس تكفير وإلغاء الاخر و رسخ الصراع كصراع أديان وحضارات.

 يعمل الغرب على تغذية هذا الفكر انطلاقآ من قناعته بأن ذلك يرسخ مصالحه على حساب الشعوب الفقيرة التي يعتبرها فقط مصدر ربح ويستغلها بغطاء من الاهداف المعلنة الكاذبة لحروبه الامبريالية.

ويتسائل دكتور مسعد عن أهمية الكتابة عن امريكا من وجهة نظر مغترب عربي يعيش فيها فيوضح بأن هذا المغترب يتحمل مسؤولية أخلاقية بنقد امريكا ونقل حقيقتها كونه يعيش فيها بالاضافة الى التحديات التي يعايشها بعلاقته مع الحاكم.٠وهو يعي بالرغم من الادعاء بالحريات رالديمقراطية انه قد يدفع ثمن نقده لها بسبب التضييق المخابراتي والامني.

من هنا فانه يجدر التأكيد على أن المغترب العربي في أمريكا له الحق في النقد والمعارضة كغيره من المواطنين ولا يشترط عليه القبول بسياسة حكومتها والتواطؤ مع حروبها وجرائمها الداخلية أو الخارجية، كما لا يشترط تواطؤه مع السلطة الحاكمة على حساب القيم الاخلاقية والانسانية والحرية والديمقراطية.

 

قراءة تاريخية

لا يزال الغرب منذ ستة قرون يمارس الخطاب والمخطط نفسه اتجاه العالم معتبرآ نفسه قوة وحيدة مهيمنة في ذات الوقت فالعالم يحاصر نفسه بنظرة واثقة من هيمنة الغرب وسلطته وتحيزه حتى في ظل الازمات الاقتصادية حيث ترى انها عابرة لاغين أي أمل في التخلص من هذا الاستعمار الناهب للشعوب.،القليلون فقط ممن أتخذوا الفكر الماركسي لانتقاد هذا الكيان الرأسمالي وتفسير طبيعته وأزماته المتكررة والثقة بانهياره لاحقآ، وقلة أخرى رأت الرأسمالية بمفهوم الحتمية التاريخية أن الانهيار قادم لا محاله كما دروس التاريخ وظلت هذه القلة بعيدة عن استيعاب الخطاب الرأسمالي ومشروعه المهيمن على الاليات السياسية والاقتصادية والاعلامية والثقافية.

إن قراءة التاريخ من منطق سعيه للهيمنة هي القراءة الوحيدة التي تعطي الفرصة لصياغة رؤيه نقدية للغرب الرأسمالي قادرة على الاقتناع بإمكانية اندثاره والقدرة على تأسيس مقاومه مشروعة لوقف هيمنة الغرب.

قراءة التاريخ الحديث بشكل صحيح جذري ضروري لتفكيك الخطاب الغربي

ويجدر في سياق ذلك الوقوف عند منعطفات تاريخية أهمها :

١- نشأة النظام الرأسمالي.

٢- الثورة الفرنسية.

٣- انتصار الاشتراكية.

٤- إنهيار الاتحاد السوفيتي.

٥- تجربة حركات العالم الثالث التحررية وإخفاقاتها وفشلها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

النتيجة الوحيدة لقراءة هذه المحاور تتمثل في إدراك حقيقة أن مبادئ الانسانية وشعارات المساواة والحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الانسان والتي يدعي الغرب تأسيسها للعالم أجمع إنما هي مقتصرة التطبيق على الغرب وليست للعالم أجمع الذي يقبع تحت وطأة الاستغلال والافقار في سبيل ذلك.

مظاهر التزييف في الخطاب الغربي فيما يخص تفوقه:

* التبجح بتأسيس حركات التنوير الاجتماعية والثقافية والاصلاح الديني وصولآ الى العلمانية وقد اقتصر ذلك على دول الغرب وكم تأجج عكسها في دول العالم الاخرى.

* الادعاء بانقاذ البشرية من الفاشية والنازية إغفالآ للدور الرئيسي للاتحاد السوفيتي في ذلك والذي دفع ثمنآ لذلك خمسة وعشرين مليونآ من أبنائه٠

* الادعاء بانقاظ البشرية بقضائه على الاشتراكيين وترسيخ الرأسمالية وهو ما دفع العالم الى حافة الانهيار بالكوارث والماسي التي تسبب لها.

* الادعاء بمحاربة الارهاب مستخدمآ ذلك حجة لترسيخ هيمنته واستغلال العالم بصناعة الحروب المزيفة الاهداف والتي أودت الى دمار الدول وتوريطها بحروب أهلية لسنوات عديدة.

هيمنة الرأسمالية تقوم على محورين :

١- ترويج مبادئ وشعارات مبالغة بانسانيتها وخلق اليات نظرية وقانونية لتبرير سياساته عبر التاريخ.

٢- إنتهاكه هذه المبادئ عبر التاريخ في الحروب والابادات الجماعية ونهب الثروات والموارد مستخدمآ ما أنتجه من نظريات.

وبالرغم من هذه الحقيقة الا أن الشعوب ونخبها ابقت على التزامها بالتهافت على الغرب وقيمه الزائفة.

اتسمت أدبيات الخطاب الغربي بالنظرة الفوقية العنصرية لشعوب العالم الاخرى حيث تم توظيف ذلك لتحقيق الاهداف السياسية والاقتصادية والايدولوجية، كما تتسم برؤية شعوبنا كورثة لحضارة متخلفة استبدادية لا تملك القدرات والمهارات لادارة شؤونها ومعالجة قضاياها لتبادل البغض والكراهية متناحرة متطلعة الى الغرب لانقاذها بقيمته وحضارته لبناء نهضتها.

اكتسبت الثقافة الشعبية الغربية بهذا الخطاب ووثناياه الرأي العام والاعلام مبررآ لتدخل الغرب لانقاذ الشعوب، نجح هذا الطرح بتغييب الحقيقة خلف النزاعات الدينية والطائفية وغيرها في العالم التي تتمثل في سوء الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها هيمنة الرأسمالية واستغلالها موارد المنطقة وإفقارها.

من هنا تتضح مصلحة الغرب الرأسمالي في بقاء هذه الظروف للحفاظ على مبررات الهيمنة والتدخل الغربي في الدول.

عملت الرأسمالية على استخدام متعاونين ومتواطئين من هذه الدول من النخب السياسية والاجتماعية المحلية في سبيل لتسهيل تحقيق اهدافها بالاضافة الى استخدام المنظمات الانسانية والدولية التي تتدخل بحجة الانقاذ من الحروب الطائفية والدينية.

تنبع قيمة التاريخ من القدرة على فهمه وتفسيره، وقد أدى الاعلام دورآ كبيرآ في تشكيل الهوية الجمعية للشعوب والمجتمعات وذلك من خلال اعادة صياغة الاحداث التاريخية والوقائع بحيث تبلور تفسير جمعي محدد لها بحرف وعي الشعوب بما يتلائم مع الحفاظ على المصالح الغربية وذلك من خلال توجيه الاعلام ليشكل اداة حرب فتاكة.

بنشأة الرأسمالية الامريكية تم تدشين الحقيقة الدموية الاكثر شراسة في تاريخ امريكا، والتي قامت على ابادة جماعية وثقافية للسكان الاصليين مكرسين بذلك مفهوم محو الاخر الاكثر بروزآ في العقيدة الرأسمالية.

شكل تزييف هذه الحقيقة بداية التضليل الاوروبي الابيض مع استخدام الوسائل لترويج الصورة التاريخية الملائمة لمشروعه الاستيطاني والذي واجه حين وصوله القارة الامريكية حضارة تقوم على شيوع الملكية والتوزيع والانتاج مما تطلب بالاضافة الى إبادة هذه الشعوب جماعيآ، أن يتم محوهم ومحو حضارتهم من الذاكرة التاريخية في سبيل تأسيس الرأسمالية بمقوماتها القائمة على الملكية الخاصة ونمط الانتاج الرأسمالي والعلاقات الاجتماعية الانتاجية الناتجة عنها.

لا وجود اذأ لفراغ سكاني أو إجتماعي أو إقتصادي قام عليه المجتمع الامريكي كما تم الادعاء، وانما قام هذا المجتمع في الواقع على تقكيك مجتمعين قديمين سبقا التشكيله الاجتماعية الراهنة وهما الاقطاعية الاوروبية والشيوعية البدائية للتشكيلة الهندية الاصلانية.

التراكم الرأسمالي والصراع الطبقي

مفهوم التراكم شكل المحرك الرئيسي للرأسمالية بحجة أنه يجلب الرخاء والوفرة للناس الا ان الحقيقة غير ذلك فهو لم يحقق الا انعدام المساواة والتكافؤ الاجتماعي مسببآ تفاوتآ طبقيآ يتحول الى تناقض تناحري ينتهي بالغاء الاخر.

هذا التراكم في امريكا لم يأتي حصيلة تطور اجتماعي اقتصادي تاريخيآ ولم يكن استمرارآ طبيعيآ للمجتمع الاصلي في المنطقة ولا امتدادآ تاريخيآ، لم تنجز الرأسمالية الامريكية نتاجآ قوميآ قائمآ على سواعد البيض يحقق لسكانها الرفاهية وانما قامت على الابادات الجماعية واستغلال الملايين من الهنود والسود في الانتاج ونهب موارد الشعوب في العالم الثالث، حيث شكلت عبودية الافارقة في امريكا أضخم عملية تراكم رأسمالي شهدتها البشرية، شكلت المجتمعات من السكان الاصليين في امريكا أنماطآ مثليه كوحدات اقتصادية ذات اكتفاء ذاتي وتميزت بارتباطها القوي بالارض ومواردها الطبيعية معتمدين على الصيد ومن ثم الزراعة وتربية المواشي مما ساهم في بناء القرى الصغيرة مع العلم أن الملكية المشاعة شكلت اساس نمط الملكية، كذلك شكلت الشيوعية البدائية سمة نمط الانتاج فيها.

شهد تاريخ امريكا صراعآ محوره الارض والتي شكلت منبع الحياة ومصدر العيش ورمز للديانات بالنسبة للسكان الاصليين المالكين الطبيعيين للارض حاملين مسؤولية حمايتها والحفاظ عليها، وفي هذا السياق لم يتوقع اؤلئك أن هذه الارض قد تسرق منهم، ولذلك لم يدركوا أن مقابضة الابيض الأرض بالنقود تعطيه الحق في إمتلاكها.

أما الارض بالنسبة للرأسمالية الاوروبية البيضاء فاقتصرت على ملكيتها التي اعتبرت عبر القرون وسيلة للنفوذ،وعبر هذا المفهوم تم تدمير الطبيعة بغاباتها بداية، للحصول على الاخشاب لبناء المستوطنات والمصانع للتجارة، وبالتالي صار الاغتصاب ثنائيآ للارض و الانسان لذلك كان تدمير الشيوعية البدائية ضروريآ لنشوء الرأسمالية وتطورها.

نصل هنا لنتيجة أن الصراع هنا بات طبقيآ بين نمطين اجتماعيين اقتصاديين متناقضين وليس صراعآ عرقيآ كما حاول الخطاب الرأسمالي طرحه، وهو صراع تناحري وجودي يودي الى خلاصة واحدة، أن السبيل الوحيد لأي تغيير جذري في امريكا لا يمكن تحقيقهالا من خلال القضاء على الملكية الخاصة.

نشأت امريكا على دعائم الطمع بالربح والثراء حيث اتسمت هذه النشأة بالدموية وعلى انقاض مجتمعات وحضارات قائمة منذ الاف السنين. وفي هذا السياق فرضت امريكا ادعاءات كاذبة حول هذه النشأة منها أن البيض الاوروبيين رحلوا عبر المحيط هربآ من الاضطهاد الديني في اوروبا. ومنها ايضآ بان امريكا قامت من خلال عملية حضارية سلمية ضمن تحول اجتماعي اقتصادي طبيعي.

الفتح العسكري كان بداية نشوء هذا المجتمع فقد افتتح تاريخه بالعنف الدموي والابادات والتي قدرت بمئة واثني عشر مليونآ من السكان الاصليين وخمسين مليونآ من الافارقة السود من أصل ستين مليونآ اختطفوا من افريقيا، بالاضافة الى الصراعات الدموية التي قامت بين المستوطنين الانجليز والفرنسيين والاسبان.

اعتمدت السياسة التي عمل بها المستوطنون البيض على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وتمثل ذلك بنقض كافة الاتفاقات التي ابرمت مع السكان الاصليين ومارسو الخداع ومن ثم العنف الدموي حين فشلت كافة السبل.

شكل الكفاح ضد العرش البريطاني والفوز بالاستقلال عام 1776 واعلان الدستور الحدث التاريخي الاهم في أذهان ابناء الامريكيين بعد تلقينهم على يد النظام الامريكي.

قام الخطاب الرأسمالي داخل وخارج أمريكا على تقطيع التاريخ واعادة صياغته بما يتناسب مع مصالح هذا المشروع.

احتوى الخطاب الرأسمالي على مفهوم دور امريكا في تقدم البشرية نحو الحرية والديمقراطية وأن التاريخ الامريكي بدأ من الصراع ضد العرش البريطاني خافيآ الفترة التاريخية الاهم قبل ذلك والتي شكلت البداية التاريخية الحقيقية لامريكا بطابعها الدموي.

التعددية وهيمنة الأبيض

أما فيما يتعلق في إدعاء التعددية السياسية والعرقية والاثنية الثقافية فقد قامت هذه بشكل زائف على اساس هيمنة الابيض ما ينتج عنه من صراعات طبقية بتجليات عرقية ودينية، وهي صراعات قائمة على الهيمنة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للبيض على حساب الاخر، وهو ما يرتبط الان ارتباطآ وثيقآ بما يحدث من حراك إجتماعي في امريكا نتج عن الاخضاع الطبقي والعرقي والثقافي لكافة طبقات وفئات المجتمع خاصة الملونة والفقراء والمهمشين من البيض لاخضاعها للهيمنة الطبقية الرأسمالية الامريكية وتعزيز المركزانية الامريكية الاوروبية، وهو ما لا يتناقض مع إعطاء بعض الحيز من الحريات والظهور بمظهر قبول الاخر والسماح للبعض بالتميز والتفوق، مما يتناسب مع مصالح الطبقة المهيمنة وضبط الحراك السياسي والاجتماعي ليتبقى وقائيآ من أي تغيير محتمل جذري وثوري.

أهمية مفهوم العرق تأتي من كونه ليس مجرد وصف للون البشرة وإنما بعدا اجتماعيأ طبقيآ واثنيآ وثقافيآ، فحين يقال الابيض ضمن السيادة فذلك مدلول سياسي اقتصادي ( طبقي ) وهذا لا ينفي وجود الابيض الفقير والمظلوم أو التقدمي أو اليساري واللاعنصري.

جاءت ضرورة توضيح هذا المفهوم الى أهمية ودور التمييز العنصري والاثني والثقافي في صياغة السياسة العامة للبلد، كما جاء التركيز على التمييز العنصري ليس على اساس مفهومه الانساني والفلسفي وانما كواقع قائم في نظام اجتماعي اقتصادي سياسي يقوم على مصلحة الطبقة الحاكمة والمضمونة (.بالابيض )، من هنا فإن مناهضة التمييز العنصري تعني مناهضة النظام الذي اسس لها وقائم عليها لتحقيق هيمنته.

وبالرغم من حقيقة استحالة أن يشكل البيض أغلبية ديمقراطيآ في امريكا في المستقبل القريب الا أن ذلك لا يعني أن هيمنه ستتأثر بذلك لأنها مبنى اجتماعي طبقي وسياسي.

يتطرق د٠مسعد الى مفهوم ثنائية العرق والدونية الثقافية، هذه الثنائية التي تحمل العرق على أحد طرفيها والدونية الثقافية على طرفها الاخر وبمعنى اخر فإن دلالة العرق الابيض بمفهومه البيولوجي هي الدونية الثقافية، تأتي أهمية هذه النقطة من أهميتها لفهم الذهنية العنصرية البيضاء واليات فعلها، ففهم مدلولات هذه الثنائية يتطلب تفكيك مكوناتها للتقارب من استيعاب الواقع الامريكي.

أما هذه المفاهيم فهي :

١- تحليل الذهنية العنصرية البيضاء والية عملها.

٢- تحليل التمييز والممارسات العنصرية كسبب وعامل رئيسي في افقار وتهميش الاقليات الغير بيضاء.

أهمية تفكيك العرق وإزالة الاوهام حول كونه طبيعيآ بمعنى اخر، التوضيح بأنه بالرغم من كون العرق صفة بيولوجية الا أن التداول به هو نتيجة غير طبيعية تتطور عبر مسيرة اجتماعية وتاريخية وثقافية.

كما أنه لا يفترض للعرق أن يكون وسيلة للتفوق على الاخرين.

ممارسة التمييز العنصري هي الوسيلة لامتلاك الهيمنة

فبالاضافة الى أن العنصرية تتشكل من مجموعة من المفاهيم التي تكون الخطاب العنصري فإن الاهم هي القدرة على فرض هذه المفاهيم، من هنا تتشكل النظرة المهيمنة والتي تشكل الاساس في قبول الاخر أو رفضه ورفض العدالة والمساواة بين الناس والتنكر لحقوقهم وحرياتهم واختراع الذرائع لتبرير ذلك.

من هذا المنطلق تتغلغل العنصرية في علاقات الحكم بالمستويات المختلفة، كما أصبح لون البشرة والحدود التي ترسمها نقطة الانطلاق في تحديد دور الفرد والجماعة في العملية الاقتصادية والاجتماعية وتحديد الحصة في توزيع الموارد والوصول الى مواقع القوة الاقتصاديه والسياسية، ولا يكفي هنا أن يتواجد الشعور بالعنصرية وإنما يتطلب التمييز العنصري امتلاك الوسائل والسلطة والقوة لتطبيقها وممارستها.

وحين يصبح لون البشرة معيارآ اجتماعيآ فيعد الابيض هو الافضل مهما كانت مسلكياته ومهاراته وكفاءاته فالاخرون هم من يحددون موقعك الاجتماعي ودورك وليس قدراتك، فلون البشرة والشكل الخارجي يصبحان أحد مكونات البنية الطبقية.

من هنا فقد جاء تطور القوانين عبر التاريخ لخدمة مصالح الاغنياء والبرجوازية والرأسمالية الامريكية لاحقآ، لذلك ظل تعريف الابيض هدفآ متغيرآ ومتحركآ ومتنقلآ ومسايرآ لهذه المصالح والاهداف، مثال ذلك أن العديد من الاثنيات كالارمن والسوريين تم تغيير تصنيفهم في هذا النمط الاجتماعي حسب مصالح الرأسمالية، مع العلم أن هناك أشكال أخرى وعديدة من التمييز بتفشيه في المجتمع الامريكي منها ما هو ظاهر ومنها ما هو مخفي مترافقة مع أصناف ومستويات معقدة من التراتبية والاصطفافات الاجتماعية والعنصرية وهي مترابطة في جدلها وتأثيراتها المتبادلة، مثال ذلك:

١- التمييز الطبقي القائم على الملكية الخاصة.

٢- التمييز ضد المرأة بسبب الجنس.

العبودية والعنصرية

اتسمت العبودية والعنصرية منذ نشأة أمريكا بجذورها الطبقية وتمثل ذلك في نقل المستوطنون. البيض للتراتبية الاجتماعية من اوروبا الى البلاد الجديدة، وقد شكل الارستقراطيون نسبة قليلة من المستوطنين بينما شكل الاوروبيون الفقراء النسبة الاكبر طامعين بالارض والثراء، فنشأت منذ البداية نخبة تهيمن على السلطة والقرار السياسي وسن القوانين التي تؤمن مصالحهم، وعملت هذه النخبة على إطالة المدة التي سيشغلها العمال البيض الفقراء مما أدى ذلك الى تقليص التنافس على الارض ووفرة العمالة وبكلفه أقل وبشكل مستمر. كل ذلك يصب في مصلحة النخبة المهيمنة، الا أن ذلك أدى الى تصاعد التذمر من قبل العمال البيض ولاحت بوادر حراك مناهض للاستغلال مما لعب دورآ كبيرآ في بداية نشوء العمالة السوداء ممن جلبوا من الافارقة السود، وبذلك حققت النخبة المهيمنة تنشيطآ لحدة الصراع الطبقي داخل أوساط البيض.

لحق ذلك تأسيسآ لنظام العبودية في امريكا والذي ترك لاحقآ بصمات أليمة على المجتمع الامريكي، وضع هذا النظام خطواته الاولى في ولاية فرجينيا حيث بدأت بوادر التناقضات الاجتماعية والطبقية بالنشوء مما ادى الى المبادرة لسن القوانين التي ترسخ نظام العبودية بعد أن كان السود يخضعون للقوانين ذاتها التي يخضع لها البيض، حيث دشن نشوء هذه القوانين ما يحتم أن يرث المولود لامرأة سوداء عبودية أمه، ولم يكن نظام العبودية ضرورة رأسمالية فقد حول الابيض الافارقة السود الى عبيد يقضون كامل سنوات حياتهم في العمل بدون مقابل بالرغم من امكانية الاحتفاظ بهم كعمال بأجور قليلة وظروف سيئة، أي أن هذا الكيان الرأسمالي كان بامكانه الاستمرار بدون نظام العبودية.

شكلت العنصرية عنصرآ أساسيآ في تكوين الهوية القومية والوعي الامريكي وتكوين هذا الشعب من هذه النقطة تم تحديد المعالم الاجتماعية والعرقية بين العناصر الثلاث وهي المستوطنين البيض والهنود الامريكيين وأصحاب الارض والعبيد الافارقة.

مع العلم أن الاوروبي الابيض فرق بين العنصرين الاخرين فكان اغتصاب الارض والابادات والاستغلال الاقتصادي متمثلآ في صيد الثيران وتجارة الفرو بأرباحها الهائلة سمات العلاقة مع السكان الاصليين، بينما كانت تجارة الرق والعبودية المربحة سمة العلاقة مع الافارقة، الا أن كليهما خضعا لنفس الاقصاء عن العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الفرد والدولة.

من هنا فإن هذه العنصرية أصبحت قائمة قبل استكمال البيئة الاجتماعية والاقتصادية في بناء هذا الكيان ولم يعد خافيآ على الامريكي الكوارث الانسانية باثارها العميقة الاجتماعية طويلة المدى الناتجة عن هذه الهيمنة العنصرية والتي طالت كافة عناصر الحياة الاجتماعية بدءآ من تحطيم الاسرة السوداء ببيع أفرادها فرادى في بعض الحالات كالطلاق أو إفلاس أو موت المالك في خدمة مصلحة الطبقة المهيمنة بالاضافة الى الظروف المعيشية والصحية اللاإنسانية، مثالآ على ذلك فإنه تم التقدير حسب الابحاث أن من بين ٤٠ – ١٠٠ مليون افريقي اختطفوا من افريقيا وصل بينهم فقط ١٥ – ٢٥ مليون أحياء أما الباقي فقد فقدوا حياتهم أثناء الابحار بسبب الامراض وسوء التغذية.

حرص المستوطنون البيض على وضع الحواجز الاجتماعية بينهم وبين السكان الاصليين والافارقة فاستخدموا في سبيل ذلك الصاق الصفات الغريزية الشريرة في هؤلاء لضمان هذه المسافة الفاصلة، وقد وصلوا للاستنتاج أن العبودية هي مصدر العمالة الاقل كلفة والاطول عمرآ.

ومن هذه النقطة بدأ هذا المجتمع بارتداء لباس العنصرية مع غياب الوضوح للاكيان والاهداف من قبل المواطن العادي مما جعله يمارسها في كامل النواحي الحياتية المتوفرة. وقد استخدمت الطبقة المهيمنة الرأسمالية كافة الوسائل لتحقيق واستمرارية هذه الضبابية في المجتمع من أهمها الاعلام والمثقفين والمؤسسات الدينية وغيرها.

وقد حققت ورسخت الفكرة بأن الغير أبيض لا يمتلك إمكانيات الابداع على كل الاصعدة وانطلاقآ من هذا المبدأ فقد وضعت القوانين الجديدة التي تخدم هذه الفكرة العنصرية واختراقها لثقافة الافراد وايجاد وسائل تبريرها وممارستها من جهة اخرى فقد استخدم النظام التعليمي لترسيخ فكرة مساعدة الذات والتي تركز على أن القدرات الفردية الذاتية هي العنصر الاساسي للابداع والنجاح نافية بذلك الحقيقة بأن ذلك يعتمد بدرجة أكبر من الصفات الفردية على الظروف الاجتماعية والاقتصادية المشجعة والتي يجدر على النظام القائم توفيرها لجميع أفراد المجتمع والتي لا يحصل عليها الا الابيض مما أدى الى الصاق سمات عدم الابداع والتخلف لغير الابيض وتحميله مسؤولية الفشل.

وضع مسألة العرق والتمييز العنصري في سياق التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يوضح ارتباط التمييز العنصري لمصالح الطبقة المهيمنة ومن ثم تم تعديل صياغته حسب متطلبات مصلحة الطبقة الحاكمة.

إن عدم ربط مسألة العرق بتطور المجتمع الرأسمالي يشكل عقبة كبيرة في وضوح هذا التطور بأشكاله. المجتمع الامريكي عنصري في جوهره مع تباين اشكال هذا التمييز والذي طغى على كافة نواحي المجتمع لذلك يبقى العرق أساسيآ ومركزيآ في جميع مراحل تطور المجتمع واصبح نهجآ تعتمد عليه كافة الجوانب الحياتية لدرجة استحالة هذا الاثر أو التقليل منه، وتبينت هذه الصفة الاجتماعية في سياق المحافظة على مصالح الطبقة الحاكمة فقد استخدم في سبيل ذلك الاكاذيب الاكاديمية والعلمية المختلفة.

تبديات التمييز العنصري تعتمد على طبيعة المشروع الكولونيالي الامبريالي وضرورات هيمنه متناغمة مع التطور التاريخي.

تمكنت الطبقة المهيمنة طرح هذا الموضوع بشكل مختلف عن الواقع التاريخي وارتباطه الوثيق بالصراع الطبقي والهيمنة الاقتصادية.

روجت الرأسمالية الى أن العبودية والعنصرية تشكلت في مرحلة تاريخية معينة كنتيجة للتناقضات الاخلاقية والفلسفية التي طغت على الروح القومية وانها اصبحت في عداد الماضي، كما تم الادعاء أن التمييز العنصري يعود الى تباينات في العادات والتقاليد وطرق العيش بين الجماعات المختلفة.

إن هذه الادعاءات كان لها أهداف محددة لترويج فكرة أن العنصرية هي نتاج وليس سبب في التطور العام في المجتمع، وانها مجرد صفات وعقائد لمجموعات معينة ليس لها علاقة بالمصالح الاقتصادية، وهي انها موضوعة غير مادية ولا تاريخية أو موضوعية وبالتالي غير راهنية.

تكمن خطورة هذا الطرح في تفادي النهج المادي والتحليل الطبقي في فهم الخطاب العرقي في امريكا وفي استخدام الاعلام لتحويل موضوعه التمييز العنصري الى قضية اخلاقية لتبرير استمراريتها وانتصار اسلوب حل هذه القضية على الجانب الاخلاقي وليس التغيير الجذري للمجتمع وهو ما طالما سعت له الطبقة الحاكمة لترسيخه في الوعي الشعبي عن طريق تثبيت هذه الاطروحات في الاوساط الثقافية والاكاديمية والاعلامية.

وبكلمات الكاتب أوليفر كوكسي في سياق فهمه للعرق وربطه في المادية الماركسية ” فالعرق يجد ذاته ولوحده ليس أمرآ حقيقيآ ولا معنى أو أهمية له بعزله عن انمطه معينة من العلاقات الاجتماعية التي تعيش الاعراق في ظلها “.

هذا التعريف يذهب بعيذآ عن النظرة البيولوجية للعرق وإدعاءات الايدويولوجيين، فهذه الظاهرة تتجاوز التعريف الاجتماعي لانها نشأت بين الاعراق ضمن ظروف اجتماعية وطبقية معينة.

جوهر العرق في إطار النظام الرأسمالي

 

إذ يعتبر نتاج لعلاقات العمل الرأسمالي التي تعود جذورها الى العبودية، فقد استخدم التمييز العرقي لتبرير استغلال السكان الاصليين ونهبهم في البداية ومن ثم اسغلال الافارقة كعمالة فيما بعد، حيث أفرز ذلك تجليات عنصرية ثانوية غير انسانية كاضطهاد العمال البيض لزملائهم العمال الملونين.

تحليل العرق ضمن العملية الطبقية يؤدي الى الاشتباك مع العلاقات الانتاجية الاقتصادية والاجتماعية الاثنية الثقافية فيما بينها وارتباطها بالصراع الطبقي، فصل هذه المكونات عن بعضها يؤدي الى فصل الخطاب عن الواقع العملي ( الممارسات العملية ) حيث واجب الحرص على عدم اغفال العلاقة بينهما ضمن نقد العرق.

تتجلى هذه القضية في المجتمعات الرأسمالية خاصة التي نشأت كمستوطنات أوروبية بيضاء وتستخلص أن العملية الطبقية تتشكل عبر الصراعات العرقية والاثنية والثقافية بالاضافة الى العوامل المادية والاقتصادية.

الظروف التي تشكل الفئات الاجتماعية والاثنية والعرقية تعتمد على العملية الانتاجية ( نمط وعملية وعلاقات الانتاج ) وهي السبب الرئيسي لاضطهاد الفئات وحرمانها من الاستفادة من الموارد والبرامج والخدمات والفرص في المجتمع.

العرق لا ينعزل عن العلاقات الانتاجية حيث تحدد قيمة الفرد حسب موقعه الطبقي أي علاقته برأس المال أو موقعه من العملية الانتاجية ( علاقات العمل الرأسمالي )٠

تضم العنصرية في المجتمع تراثية اجتماعية لتشكل جزء أساسي من علاقات رأس المال بالعمل، إذآ العرق غير منعزل عن هذه العلاقات فهو بناء اجتماعي طبقي واجب تحليله وفهمه من أجل تشكيل أي مبادرات للتغيير الاجتماعي.

استطاعت بذلك النخبة البيضاء تحديد المتاح لغير البيض لما يمكن أن ينجزوه في نضالاتهم الطبقية والثقافية والسياسية.

يتسم المجتمع الامريكي بانه عنصري إقصائي في جوهره لضمان حماية المصالح الطبقية وامتيازات النخبة المهيمنة، حيث تلعب الدولة الدور الاساسي في الاقصاء والتهميش عبر اليات تساهم في إقصاء من هم خارج الطبقة المهيمنة عبر تفتيت المساواة وتحديد فرص المشاركة القائمة على التصنيفات الطبقية والاثنية، فالاثنية البيضاء تتحكم بفرص الاثنيات الاخرى لابقائها غريبة عن المجتمع الابيض وتحرص على إبقاء بعض الفرص ممكنة طالما لا يتعارض ذلك مع مصالحها وامتيازاتها ولضمان هيمنتها تقوم بتمثيل دور القومي الامريكي مع اغفال مساهمات الاثنية الاخرى في العملية السياسية، كما فتح واقع التمييز العرقي الطريق الى انواع اخرى من الاضطهادات بفعل التهميش.

وظف التمييز العرقي في الهيمنة والاخضاع والاقصاء من قبل الطبقة المهيمنة الا أن السمة الرئيسية هي الاستغلال الطبقي الاقتصادي الاجتماعي وهو الغاية الاولى من خلق العرق وما رافقه من اضطهاد وهيمنة واستغلال وتطهير وإبادة.

الية الاستغلال والهيمنة.

قيام الدولة على أساس العرق لتأمين الاستغلال الطبقي، تجلى ذلك في الابادات الجماعية للسكان الاصليين وترسيخ العبودية للافارقة والبيض الفقراء.

استخدم العرق لتبرير التاريخ الاجرامي لهذا الكيان ولتحقيق ذلك كان لزامآ أدلجة المفاهيم اللازمة لتحقيق امتلاك الارض وابادة اهلها والعمل العبودي.

ضرورة مأسسة العنصرية باستخدام الفروق بين الناس والدين وصناعة الذرائع والادلة العلمية في سبيل ذلك.

استدعت هذه القوانين التعديل مع الزمن متماشية مع مصالح الطبقة المهيمنة في الاستغلال الطبقي الا ان الجوهر بقي عنصريآ لمصلحة الابيض

 باختصار فإن الاساس المادي للتمييز العنصري هو هيمنة الابيض على الاقتصاد والموارد والسياسة والثقافة واحتقاره للحقوق والامتيازات.

تحقيق الديمقراطية يوجب فهم بنية السلطة وطبيعة توزيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية للاقليات العرقية.

عملت الطبقة المهيمنة على فرض نظرية العامل البيولوجي كأساس للتمييز العنصري لذلك فإن العمل على تغيير هذا المفهوم عند ملايين الامريكيين يتطلب توضيح الاساس التاريخي والاجتماعي للتمييز العنصري و تبايناته عبر التاريخ في سبيل المصالح الاقتصادية والاجتماعية للطبقة المهيمنة الحاكمة.

مع العلم إن مفهوم التمييز العنصري يتبدل باستمرار وتعاد صياغته في المجتمع حسب الحاجة، مثال ذلك أن بعض الشرائح يمكن أن يعاد تصنيفها حسب مصلحة الابيض، كما انتقال بعض السود الى مواقع أرقى بشكل فردي.

يواجه الفئات العرقية التي تعاني من التمييز العنصري في تحديها للنظام الاستغلالي، واقع المفردات والمفاهيم التي فرضها الابيض والتي تعمل على حصر الفرد ضمن هوية محددة لتسهيل عملية التمييز، مثال ذلك مفردة ( الاميركيين السود ) و Hispanic ) ) لوصف البيض من غير الاوروبيين، من هنا فإن السلطة باستحداثها للمفاهيم والمفردات التي ترسخ تمييزها العنصري في صالح هيمنتها تكون قد أوجدت تصنيفآ ديموغرافيآ واجتماعيآ لتحديد التراتبية في المجتمع فارضة هوية محددة للأفراد للتعامل على أساسها.

وبالرغم من تعدد مصادر تحديد الهوية الا أن الذي تقوم به الدولة هو الاساسي لأنه يحدد دخل الفرد وفرص الحياة والعمل.

العرق كوسيلة للاقصاء والاخضاع ولاستغلال الممارسات الاقصائية تساهم في مكونات التمييز العنصري لينتج عن ذلك افقارآ للفئات المضطهدة وحرمانآ لها من العدالة الاجتماعية والاقتصادية. ويبرر هذا الاقصاء بالعديد من الاسباب التي تعتمد على النظرة الفوقية العنصرية السائدة على الخطاب السائد والوعي الشعبي وتستند الى أن الغير أبيض وبسبب صفاته البيولوجية وقلة ذكائه غير قادر على الاستفادة من الفرص المتاحة له في العمل وتحصيل الدخل والتعليم وغيره.

جيش الاقليات كحل للبطالة والفقر

أصبح الجيش الامريكي منذ عقود مصدرآ للعيش والتعليم للالاف من الشباب الامريكيين والمصدر الوحيد للدخل لعدد أكبر من ابناء الاقليات العرقية والاثنية غير البيضاء أو الاسر البيضاء الفقيرة.أدى ذلك الى تحول الجيش الامريكي الى صناعة رأسمالية ومصدر دخل للملايين هذا بالاضافة الى مصالح وأرباح شركات الصناعات الحربية، الا أن الحاجة الى الدخل ليست العامل الوحيد وانما تلعب طبيعة التنشئة المبتكرة في تشجيعهم على على الانضمام للجيش مثال ذلك التلقين المبكر ان الحرب مفيدة للانتصار.

شكل قانون الخدمة الاختيارية للجيش الامريكي تمويهآ للتفرقة العنصرية، حيث تم فرض التجنيد على جميع المواطنين ولكن تم إضافة استثناءات حملت في ثناياها ما يبرر اعفاء ابناء الاغنياء والمسؤولين من الخدمة، وبهذا استطاع النظام الحاكم أن يشكل جيشآ من الاقليات والفقراء خاص في الرتب والدنيا ضمن القانون والدستور بدلآ عن جيش نظامي ووطني يشمل جميع المواطنين.

يستخلص مما سبق إن الحرب بالنسبة لامريكا تشكل قطاعآ رأسماليآ يعتمد عليه الملايين لتأمين دخلهم وهو مشروع اقتصادي هائل يتحكم بالقرار السياسي، هذا بالاضافة الى الصناعة الحربية العسكرية وما يتبعها من أرباح هائلة.

العرق والأمن القومي 

 

تم رصد ميزانيات ضخمة لقطاع الامن بحجة حماية المواطنين الا أن الواقع أن دور هذه الاجهزة ليس حماية المواطنين بشكل رئيسي وانما رصد القوى المعارضة وقمع نضال الاقليات التي تخضع تحت وطأة التمييز العنصري.

تم استخدام عنوان الحرب على الارهاب كذريعة لقمع الحريات المدنية والديمقراطية في امريكا كما استخدم لشن العديد من الحروب التي تم اقرارها بقرار سياسي لاسباب مختلفة تصب جميعها في المصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة المهيمنة حيث يلعب الاعلام دورآ كبيرآ في توحيد الرأي العام بما يتناسق مع سياسات الحكومة فهو يشكل وعيآ شعبيآ متواطئآ مع السلطة الحاكمة وسياساتها وحروبها.

التمييز العنصري وأداء المضطهدين

 

بالاضافة الى الاقصاء والتهميش والافقار فقد رصدت الطبقة الحاكمة الاغراءات المختلفة لتشجيع المميزين والمبدعين من الفئات المضطهدة والذين يشكلون الطبقة الوسطى للانحياز للطبقة المهيمنة الحاكمة والتخلي عن أقلياتهم الفقيرة ومطالبها والتزاماتهم اتجاهها.

أما في موضوع الرئيس أوباما فإن الطبقة الحاكمة قادرة على استثناء اللون في هذه الحالة لتحقيق اهداف لها اقتصادية وسياسية، بمعنى اخر فإن التمييز العنصري متغير حسب مصلحة الطبقة المهيمنة.

التناقض بين النص القانوني والواقع الفعلي في امريكا لعب دورآ أساسيآ في إجهاض نضالات الاقليات لمعالجة مسألة التمييز العنصري لا بد من تجاوز مفهوم ثنائية الابيض والاسود للوصول الى العبر واعمق من ذلك وهو البعد الطبقي الاستغلالي في المجتمع الامريكي.

العلاقة الجدلية بين العرق والدين والطبقة

هي الجدلية الثلاثية المكونة للذهنين القومية الامريكية

العرق / الابيض

الدين / المسيحية

الطبقة / المهيمنة البيضاء

تقوم العلاقة بين العرق والدين على معادلة مفترضة وغيبية من هنا تم الربط بين العرق الابيض والدين المسيحي.

تكون المجتمع الابيض على أثر التفاعل بين الافراد البيض حول عرقهم وتكوينهم وجهات نظر حوله، وبالتالي رسموا صورة محددة عن ذاتهم على الاقل من وجهة نظرهم أسست للتعريف على أنفسهم في التكوين الاجتماعي.

هذه العملية التي يتم من خلالها تحديد القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمضمون وأهمية التصنيفات العرقية ومن خلالها ترتسم المعالم والدلالات العرقية لهذه التصنيفات.

تتغير أشكال التكونات العرقية باستمرار حسب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، لهذا تؤثر التغيرات في الظروف على تطور الفوارق العرقية والدينية وتكيفها حسب المصالح الطبقية السياسية مع الظروف المختلفة.

ضرورة فهم التكونات الدينية وعلاقتها مع العرق فهمآ اجتماعيآ وطبقيآ وفي سياقها الاجتماعي.

العوامل الدينية والعرقية بمجملها هي متخيلة وتفتقر للموضوعية الا انها بالرغم من ذلك تؤدي الى نتائج مادية هامة.

طغت هوية العرق في امريكا على مكونات الهوية الاخرى من دين وتعليم ومؤهلات واثنيات وغيرها.

ولهذا أثر كبير على الخطاب الديني الذي حذر من اعتناق الاعراق الاخرى للمسيحية.

الا ان العرق اتخذ علاقة مختلفة مع عوامل الاختلاف الاخرى بل تحالف معها لترسيخ هيمنة الابيض وحماية المصالح الطبقية للرأسمالية وهذا عمل على تثبيت عامل العرق في تحديد الهوية الانسانية في امريكا.