عشرة مقابل عشرة… وتبقى فلسطين الفيصل

عادل سمارة

تاه كثيرون منذ ما يسمى الربيع العربي، وأزعم صحة موقفي في كتابي  2012(ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة) الذي انهيته 2011 وصدر اوائل 2012. لا اريد الحديث عن الكتاب، ولكنني أكدت فيه ان ما حصل لم يكن ثورة ولا ربيعا وبأن الثورة المضادة تحت جلد الوطن العربي فامتطت كل شيء.

قبل هذه الأحداث وخلالها وبعدها ظلت فلسطين في مركزهذه الأحداث وظلت الثورة المضادة منشغلة في إطفاء وهج فلسطين باتجاه شطب هذه القضية العنقاء.

وخلال كل ذلك الزمن الطويل قبل 2011، والزمن العابس المتخبط منذ 2011، والأيام العشرة الأخيرة التي كثَّفت كل التاريخ العربي الحديث اتضح كل شيئ.

هذه لحظة الاصطفاف القومي والطبقي بلا مواربة. أصدقاء الشعب بل الشعب مقابل أعداء الشعب أو الأمة العربية.

انظمة عاصفة الحزم بقيادة واشنطن مقابل الفصائل الفلسطينية العشر بقيادة دمشق، هكذا بلا مواربة. ونقطة الصدام المباشر والتجريبي مخيم اليرموك اي عينة صغيرة عن فلسطين.

بانت طبيعة التحالف الذي تقوده واشنطن واضحة حتى لمن لا بصر ولا بصيرة له. لذا، دعوا من لا يفهم ان يبقى في غِيِّه غارقا.

الاصطفاف يبدأ من مركز الإمبريالية في مرحلة مأزوميتها المعولمة. الولايات المتحدة وخلفها الاتحاد الأوروبي (كل الطبقات الحاكمة للعرق الأبيض) ومن ثم اليابان. اصطفاف عملي عسكري مالي حربي بلا توريه. تتبعه معظم الأنظمة الحاكمة للكمبرادور العربي وتغذيه ماليا أنظمة الخليج النفطي بما هي انظمة الدين السياسي. وعلى الأرض تصطف قوى الدين السياسي تقاتل لإسقاط دمشق وبغداد والقاهرة وصنعاء كما اسقطت طرابلس الغرب.

لذا، فإن الموقف من معركة اليرموك يكشف بان الأنظمة والقوى التي دمرت ليبيا والعراق وتدمر سوريا واليمن الآن وحتى تدمر مصر وفي اللحظة تدمر اليرموك، هي معسكر واحد. فمن لا يحارب احتلال داعش لليرموك، هو في الحقيقة ضمن نفس المعسكر الذي يعتدي على اليمن وعلى العراق وعلى الجيش المصري.

قد يقول البعض بان الضغوطات المالية السعودية على هذا الطرف او ذاك هي السبب في مواقف البعض أو ضغوطات المانحين الغربيين…الخ. ربما، ولكن في نهاية النهايات كل طرف أمام سؤال أين يقف في معركة مصيرية؟

فالعدوان على اليرموك هو في جوهره مقدمة لعدوان اقترحه أوباما مؤخرا على تحالف ( السنة) ليعتدوا على سوريا.وهذه مؤامرة لا تخفى على من له عقل.

تؤكد معركة اليرموك أن انظمة وقوى الدين السياسي خاصة وصلت حد اللاعودة في تناقضها مع القومية العربية، وصلت حد التناقض التناحري محملة بإرث طويل من الارتباط براس الثورة المضادة أي الولايات المتحدة وأداته المباشرة الكيان الصهيوني.

هذه الأنظمة تؤكد بانها ليست قابلة لأي تطور ولا لأي موقف وطني. وبهذا فهي أنظمة وراء التاريخ بما هو أعمق مدى من التاريخ. تعتقد أنها بالريع المالي يمكنها إيقاف عجلة التاريخ والتحول بالمطلق. وبهذا فهي تصل حد الذهاب للقتل والانتحار الجماعي.

وعليه، مخطىء خطئا مميتا من يعتقد بان اي حوار أو تسوية معها أمرا ممكناً.

وكما يتضح فإن صمود الشام يزيد القلق المميت لدى هؤلاء. وهو أمر ممتع للعدوين الأمريكي/الغربي والصهيوني. فهذه الحرب الشاملة والدائمة تنقذ اقتصاد واشنطن من الأزمة القائمة وخاصة المجمع التسليحي، وتوفر للكيان تصفية القضية الفلسطينية حيث المناخ شديد المؤاتاة.

سيقول المنافقون والمتخلفون عن الدفاع والواجب بأن انظمة هذه البلدان ديكتاتورية  من صدام إلى القذافي إلى الأسد إلى ماضي عبد الناصر وحتى علي صالح.

ونقول بان هذه حجج التوابع، لأن ما هو معروض من الأعداء جميعا هو إعادة هذه البلدان إلى حكم نماذج عن  طواغيت النفط ولكن لبلدان حتى بلا نفط! ونقول كذلك من لم يقرأ أو يسمع بأمرين اساسيين:

·       أن هذا الوطن قيد الاستهداف منذ بزوغ النظام الرأسمالي العالمي

·       وبأن العدو الغربي تحديدا قد أعلن عدة خطط ومؤامرات لإسقاط هذه الأنظمة بسنوات قبل العدوان عليها تباعاً.

من لم يسمع هذا ويرفض سماعه، فهو إما متواطىء أو هو مطية جاهلة طائفية تشعر بلذة ركوب الغير على كتفيها. لذا، يقتلون ويُقتلون بلا حساب ويعتقدون بأنهم انبياء الله. فلا استعادة صدام للكويت سبب احتلال العراق، ولا المادة الثامنة في دستور سوريا سبب العدوان على سوريا، ولا إهانة القذافي لملوك النفط سبب تدمير ليبيا.

المسألة بوضوح هي أن هذا الوطن مطلوب تدميره من الغرب وبان العروبة يجب تقويضها من أنظمة وقوى الدين السياسي.

هذا الإصرار من الثورة المضادة قد يفسر تردد كثير من القوى في موقفها سواء من سوريا أو من احتلال اليرموك.

فالواقع يبين بأن احتلال اليرموك هو خلق مرتكز للهجوم على دمشق، وبان من لا يقف ضد هذا الاحتلال هو مضاد لسوريا كجزء اساسي من الوطن العربي.

وهنا تجدر الإشارة بأن كثيرا من القوى والأنظمة في حيرة من أمرهم. فهم بناء على اعتقادهم بأن قوة الإمبريالية خرافية، وبأن الإمبريالية لن تُهزم، فهم لذا، يترددون في الوقوف مع دمشق أو حتى على الحياد. فمواقف هؤلاء  لا يمكن قرائتها على ارضية مبدئية بل على أرضية انتظار بمعنى واحد هي أرضية القناعة بأن الثورة المضادة سوف تنتصر في النهاية. وهذا موقف نقيض للتاريخ الذي أكد دوما ان الشعوب هي المنتصرة في النهاية.