الغرب يقر: سورية انتصرت …فما استراتيجيتها للمتابعة؟

العميد د. أمين محمد حطيط 

من يتابع مواقف الغرب وإعلامه يجد أن ما كان يدور في الغرف المغلقة أو يصرح به في الخفاء بشا، سورية انتقل الآن للتداول في العلن تصريحا يطلق أو دراسة تنشر أوموقفا سياسيا يعتمد، وكله يتمحور عند نقطتين أساسيتين: الأولى تتصل بوضع الدولة السورية ومؤسساتها والقيمين على هذه المؤسسات، والثانية تتعلق بالدور المستقبلي لسورية ومحور المقاومة في مسارات الحركة الإقليمية ورسم الفضاءات الاستراتيجية الحيوية لهذه الدولة أو تلك أو لهذا التجمع أو المحور أو ذاك.

وحول النقطة الأولى تتقاطع المواقف الموضوعية العاقلة  عند حقيقة صمود سورية و استعصائها على رياح العدوان الذي استهدفها ، و قدرتها على مواجهة حرب الاستنزاف التي تتعرض لها الأن من اجل تحجيم انتصارها و فتح ثغرة ما في جدار صمودها لمنع تشكل الهزيمة التامة لأطراف العدوان و أدواتهم المحلية و الإقليمية ، حرب يعلمون أن حظوظ نجاحها باتت محدودة  رغم ما يمكن أن توقعه  من خسائر بشرية و معنوية و مادية , فسورية باتت في عمق الفكر و النظر الغربي تملك مناعة في مستوى يحول دون المس بوحدتها أو بقرارها المستقل فضلا سيادتها .

أما بالنسبة للنقطة الثانية وهذا هو الأخطر بالنسبة لكل من شارك في العدوان، فان سورية ومعها محور المقاومة انتقلت الآن وبعد اجتيازها مراحل الثبات والصمود والاحتواء والنجاح في مرحلة الهجوم التطهيري المبرمج لاستنقاذ ما كان الإرهابيون أفسدوا امنه، فانهم على عتبة رسم الفضاء للاستراتيجي للمحور كله وهذا ما يؤرق الأطراف المنافسة أو المعادية. وبهذا الأرق والرعب يبررون العدوان على اليمن الذي يرعبهم انتقاله من موقع وفضاء استراتيجي كان لصالحهم إلى موقع وفضاء استراتيجي معاكس.

و نذكر بان  الاستهداف المعادي لسورية و محور المقاومة يعود في جذوره إلى العام 2000 ،من حيث القرار به، و العام 2003 من حيث وضعه موضع التنفيذ و الكل يذكر تلك الزيارة الشهيرة التي قام بها وزير خارجية أميركا إلى الرئيس بشار الأسد عارضا “شروط الاستسلام “بعد احتلال العراق ـ و لما كان الرفض السوري القاطع لتلك الشروط كانت  الانطلاقة التنفيذية الأولى للعدوان في  العام 2004 بالقرار 1559 لتقليص الفضاء الاستراتيجي السوري عبر جعل لبنان عدوا لسورية بعد أن كان معها في وحدة مسار و مصير دمجت فضاءهما الاستراتيجي و جعلت منهما قوة إقليمية وازنه .

وبالتالي فان العدوان الذي شن على سورية تحت شعار كاذب (الحرية والديمقراطية) في العام 2011 كان حلقة من سلسلة ولم يكن البداية، عدوان استهدف سورية في وجهين، الأول موقع سورية الموحدة في خريطة العلاقات الدولية لجهة الزامها بالانتقال من دولة مقاومة للمشروع الصهيواميركي إلى دولة محكومة أو أسيرة لهذا المشروع، والثاني تجزئة سورية لتكون دويلات طائفية واهنة متناحرة تلجأ لأرباب المشروع الغربي ذاته ليحكم بينها ويحكمها.

والأن وبعد أربع سنوات من العدوان الوحشي التدميري الذي اتخذ الإرهاب أداته الرئيسية، باتت دوائر التخطيط والقيادة التي قادت الحرب على سورية على قناعة باستحالة تحقق أي من الأمرين وهذا ما ظهر جليا في دراسات نشرت مؤخرا في الصحافة الغربية (خاصة الاندبنت) أو مواقف سياسية وردت على لسان كبار الأعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي (الصهيوني الهوى والعمل) الذين صرحوا وضوحا بان قيادة سورية وحلفاءها لن يسمحوا مطلقا بسقوطها أو بتقسيمها وهم يملكون القوة والإرادة للمواجهة واستمرار المحاولات في ذلك عقيمة.

ومع هذه المشهد يطرح السؤال لماذا يستمر إذن من شارك في العدوان بارتكاب جرائمه ضد سورية رغم انه يعلم بانه لن ينتصر ولن يحقق أهدافه؟

أننا نرى أن الحرب المستمرة على سورية تغيرت في شكلها وأهدافها باتت من اجل أهداف تتباعد عما انطلقت من أجله، وأن بعض الأدوات التنفيذية من القوى الإقليمية باتت تستشعر خطر الخسارة وارتداد كرة النار إليها وباتت تشعر بعظيم الحاجة إلى إعادة صياغة منظومة الدفاع عن كيانها وفضائها الاستراتيجي المتآكل وهذا حال تركيا والسعودية بشكل خاص.

وأما الأهداف الجديدة للعدوان كما نراها فقد باتت تتصل بقوة سورية، وبقدرتها على استعادة بناء ذاتها والمدة التي يستلزمها الأمر، ثم بطموح سورية المتصل بفضائها الاستراتيجي ومداه وتحالفاتها الإقليمية وموقعها في محور المقاومة. خاصة وقد تأكد للغرب أن في سورية دولة عميقة يصعب اجتثاثها، دولة تستطيع أن تحارب وأن تعمل وتحتفل وتشارك في المباريات الرياضية الدولية في الوقت نفسه، تفعل ذلك لان فيها المؤسسات التي تعمل كل في نطاقه ووظيفته.

لذا باتت المواجهة بين سورية ومحورها من جهة وبين المعتدين عليها من جهة أخرى متروكة في هذه المسائل، ولهذا اعتمدت سورية كما يبدو استراتيجية ملائمة للمتابعة تأخذ بالاعتبار القدرات والمتغيرات وأهداف العدو لتواجهها كما ينبغي ومن هنا يجب أن يفهم التركيز السوري على الإرهاب ومحاربته، لان الإرهاب بات الوسيلة الوحيدة بيد العدوان عليها. أما ما يتصل باستراتيجية المواجهة الجديدة فيبدو أنها تقوم على أركان خمسة هي:

1.  محاربة الإرهاب مع الاقتصاد بالقوى والطاقات قدر الإمكان للتفلت من أضرار حرب الاستنزاف تفعيل علاقاتها الدولية لوضع العالم أمام مسؤوليته هنا.

2.    تفعيل وجود الدولة العميقة للتسريع في إطلاق عملية البناء عند حلول وقته.

3.    السير قدما في المصالحة الوطنية وتفعيل حوار السوريين لتطوير الدولة.

4.  متابعة تطهير الأرض من الإرهابيين وفقا لجدول أولويات لا يستثني شبرا من الأرض السورية.

5.  المزيد من التكامل مع مكونات محور المقاومة لإرساء الفضاء الاستراتيجي الواسع الذي تحقق منه الكثير متقدما عما سواه في الإقليم.

:::::

“الثورة”، دمشق