التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

 

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

واشنطن، 24 نيسان 2015

 

المقدمة     

       ابرز اهتمامات واشنطن والمؤسسات المنخرطة في صنع القرار تمركزت حول قضيتي دخول وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون حلبة السباق الانتخابي للرئاسة، وتعثر تحقيق اهداف الغارات الجوية السعودية على اليمن وضرورة البحث عن مخرج مشرف.

         سيستعرض قسم التحليل العدوان السعودي على اليمن، واستقراء المرحلة القادمة بالاستناد الى المعطيات والتصريحات المتوفرة، والاشارة المركزة لدور مرئي للقوات الخاصة الاميركية بغية اطالة أمد المعاناة اليمنية واستثمار ما قد يترتب عليها من “انجازات” على طاولة المفاوضات التي لا غنى عنها في المحصلة النهائية.

ملخص دراسات واصدارات مراكز الابحاث

اضطراب الاستراتيجية الاميركية

         حذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من مظاهر الفوضى والتردد التي تميز الاستراتيجية الاميركية، على النطاق العالمي، خاصة ان “الولايات المتحدة ليس لديها استراتيجية واضحة للتعامل مع روسيا وكذلك في (البحار) الاسيوية،” وعوضا عن ذلك فانها “تبقى اسيرة رد الفعل التكتيكي لتحديات الاحداث الراهنة في الشرق الاوسط وافغانستان دون ادنى اهداف او وجهة واضحة.” ومضى في تحذيره لما وصلت اليه الاستراتيجية الاميركية  من ان “ردود الفعل التكتيكية تنفصل باضطراد عن الحاجة لانشاء استراتيجية مدنية – عسكرية متداخلة،” واضحت منتشية “بالسيطرة على اي نمط من انتصار قصير الاجل وتفادي ضرورة الحاجة للتمسك والبناء.”

المملكة السعودية

         وجه معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى نقدا لاذعا لصناع القرار في المملكة السعودية، معتبرا وزير الدفاع الصاعد، الامير محمد بن سلمان، مجرد “شاب عديم الخبرة .. ووجه الحرب السعودية مع اليمن،” جسده في المأزق الذي تواجهه “قواته” لا سيما ان اعلانه البدء بمرحلة اخرى، “اعادة الأمل .. فمن غير الواضح كيف لتلك ان تنسجم مع الاستراتيجية السعودية لاعادة” الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي. بل “ويمكن أن تكون نتائج الأزمة، التي شهدت نشر وحدات من البحرية والجيش السعودي، مسألة حياة أو موت بالنسبة للسيرة المهنية للأمير الشاب .. المنفذ السياسي وعديم الرحمة.” واضاف ان السياسة السعودية في عهدة الامير الشاب “تغيرت من سياسة رباطة الجأش إلى  سياسة همجية.”

         كما قلل المعهد من اقدام السعودية على التدخل البري “على الرغم من اعلان مشاركة الحرس الوطني .. ومن غير المرجح وبصورة متزايدة شن غزو بري واسع النطاق، لا سيما في ضوء” امتناع باكستان ومصر ترجمة “دعمهما الديبلوماسي الى مساعدة عسكرية علنية.”

         واعتبر المعهد انه يتعين على الملك سلمان “المريض” اتخاذ قرار بمعاقبة “القائد العسكري او وزير الدفاع اذ لم يحقق اي نتيجة (وعليه ان يصبح) ضحية سياسية”  اسوة بتعامل الدول الاخرى والا “قد يجد نفسه تحت ضغط من كبار الامراء لاحداث تغييرات اكثر جوهرية.”

         كما استعرض مركز الدراسات الاستراتيجة والدولية العدوان السعودي على اليمن وآفاق نجاحاته على المدى الطويل، مذكرا بأن “درس اليمن الرئيس – وهو ليس فريد من نوعه – يتطلب اما البحث عن حلول اشمل للتعامل مع بنى دول فاشلة، او الاقرار بحقيقة ان العمل العسكري وحده لايمكنه الا تحقيق اهداف محدودة ومؤقتة.” وحث الاطراف المعنية على “الالتفات للاسباب البعيدة التي ادت لفشل تلك الدول، او الدخول بمغامرة خطرة لمواجهة حروب فاشلة.”

         عارض معهد كارنيغي التدخل العسكري السعودي كونه “مضاد لنمو الديموقراطية عبر العالم .. وان سياستها الخارجية اضحت معادية للديموقراطية بالمجمل.” واوضح ان اغداق السعودية اموالا على قوى واطراف اقليمية يعكس “جذور الاستراتيجية السعودية في الاقليم منذ انتفاضات عام 2011 ليس كمقدمة لربيع عربي بل كمتاعب عربية” اسفرت عن “حضور الصراعات الطائفية .. وتبوأ الاخوان المسلمين مكانة بارزة جديدة.”

         واوضح في تغطية منفصلة ان “انهيار العملية السياسية في اليمن مرده سلسلة من القضايا المحلية والاقليمية والدولية المتداخلة .. بما في ذلك الصراع السعودي – الايراني، والصراع الاقليمي مع وضد الاخوان المسلمين.” وذهب لتحميل المسؤولية الاكبر في الفشل الى “المبادرة الخليجية .. وقصور خريطة الطريق التي فرضت اقامة مؤتمر حوار وطني دون اي تحضير فعلي له.”

مصر

         اعتبر معهد كارنيغي ان التغيرات السياسية التي تشهدها مصر “منذ احداث الربيع العربي .. تشير الى تحول مضاد بمعدل الضعفين عن الفترة 2011-2012.” واوضح ان قانون الانتخابات الجديد “يقيد حرية الاحزاب السياسية .. ويقلص مساحة التعبير في الساحات العامة، خاصة للحركات العلمانية والمعارضة.”

ايران

         حذرت مؤسسة هاريتاج من مضي الولايات المتحدة في المفاوضات والتوصل لاتفاق نهائي مع ايران الذي من شأنه “ان يسفر عن صفقة محفوفة بالمخاطر ولن تفضي الى وقف ايران لجهودها النووية.” واوضح ان الخشية تكمن في “السماح لايران الابقاء على نحو 6،000 جهاز فاعل للطرد المركزي لعشر سنوات، ومن ثم تصبح طليقة اليدين لانشاء برنامج نووي اكبر مرارا” من البرنامج الحالي. ووجه المعهد انتقادا قاسيا للادارة الاميركية التي “قبلت بادعاء ايران وحقها في تخصيب اليورانيوم .. التي اعتبرتها ضرورية، وهو ادعاء مشبوه في افضل الاحوال.”

         تناول معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى تصريحات القادة الايرانيين، بالبحث والتمحيص، فيما يتعلق باهداف السياسة الخارجية. واوضح ان “مدير اجهزة الاستخبارات القومية” الاميركية يقدم تقريرا سنويا يوضح فيه “حجم التهديدات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة،” كان احدثه في شهر شباط من العام الجاري. وسعى المعهد الى اجراء مقارنة بما تضمنته التقارير الرسمية السابقة في تقييم “الدور الاقليمي لطهران وكذلك لوكلائها” المحليين.

السباق الانتخابي الاميركي

         منذ اعلان وزيرة الخارجية السابق، هيلاري كلينتون، عن ترشحها رسميا لمنصب الرئيس لاحقتها حملة جدل متنامية بغية اثبات تلقيها تبرعات مالية من “دول اجنبية في الشرق الاوسط” خلال شغلها منصبها الرسمي، وما يترتب عليه من توفير تسهيلات مزعومة.

         واوضح مركز السياسة الأمنية ان ما اسماه “الفضيحة قد تترك تداعيات كبيرة على الانتخابات” الرئاسية المقبلة. واشار الى ما رشح من معلومات اولية تفيد بتلقي “مؤسسة كلينتون،” التي تديرها بالشراكة مع زوجها وابنتها، تبرعات مالية كبيرة وهي لا زالت في موقعها بوزارة الخارجية، “والدور المحتمل لتلك الاموال في التأثير على السياسة الاميركية.” ومضت الاتهامات الى التلميح باضرار قد تسببتها تلك الاموال على “الأمن القومي الاميركي.” في هذا السياق، اوردت صحيفة “نيويورك تايمز،” مطلع الاسبوع، تحقيقا يزعم بأن بعض الاموال كان مصدرها شركة “يورانيوم ون” الكندية، والتي اشترتها وكالة الطاقة النووية الروسية لاحقا. وذهبت الصحيفة الى القول ان السيطرة الروسية على الشركة “تضعها في مرتبة السيطرة التامة على نحو 20% من كامل انتاج الولايات المتحدة من اليورانيوم .. “

التحليل

مرحلة استخدام القوات الخاصة الاميركية في اليمن

بعد مضي شهر كامل على قصف جوي مكثف ضد اليمن وشعبه ومؤسساته انفرجت اسارير العالم على مسمع اعلان وقف العمل “بعاصفة الحزم” السعودية؛ دشنها اعلان لمساعد وزير الخارجية الايراني، حسين عبد اللهيان، 21 نيسان، بان وقف اطلاق النار وشيك “في غضون بضع ساعات.” السعودية اعلنت ابان ذلك عن تعبئة داخل صفوف “الحرس الوطني” وأمرته ليتخذ مواقعا قتالية على تماس الحدود مع اليمن. وما لبثت السعودية ان انعطفت بمسار مغاير لتعلن “توقف عاصفة الحزم،” وبدأ مرحلة جديدة – مرحلة تستمر فيها الغارات الجوية بمسميات اخرى.

رحب البيت الابيض، متأخرا، بالاعلان معربا عن تأييده لحل سلمي تحت رعاية الأمم المتحدة. كان ملفت ايضا غياب مفردات “الانتصار وتحقيق الاهداف” من الجانب الاميركي، نستذكر اعلان جورج بوش الابن بأن “المهمة قد انجزت.”

ساعات حرجة صبغت موقف “المملكة السعودية” وعززت التحليلات الميدانية والسياسية بأن المعتدي لم يحقق اهدافه واضطر مرغما على القبول باعلان اطراف اخرى عن وقف الغارات – وان لم تتوقف عددا وزخما وكثافة – كدليل على مركز قرار العدوان خارج الرياض.

انهزم العدوان قبل ان يبدأ

المبعوث الدولي “المستقيل” لشؤون اليمن، جمال بن عمر، صرح للصحافيين، 19 نيسان، بحقائق صادمة لمعسكر “عاصفة الحزم،” قائلا ان الصراع الدائر في اليمن هو نتيجة مباشرة لمساعي اقصاء الحوثيين من المسار السياسي. واضاف بعبارات لا لبس فيها بانه وخلال خدمته في منصبه كمبعوث دولي لليمن، امتدت لنحو ثلاث سنوات، لم يلمس اي دليل على تورط ايران في شؤون اليمن. كما وصف الرئيس الهارب عبد ربه منصور هادي بأنه “وسيط غير نزيه وعديم الضمير.” تصريحاته جاءت مغايرة لمزاعم واشنطن والرياض حول تنامي النفوذ الايراني في اليمن والمنطقة، مما يعد احد اسباب “اقالته” عقب ضغوط قطرية وسعودية على الامين العام للامم المتحدة، وتحميله مسؤولية التوصل “لاتفاق السلم والشراكة.”

“تخبط” السعودية في قرارها، وتزامنها مع التصريحات الجريئة لصاحب الضمير بن عمر، عزز قناعات العديد ممن وقفوا الى جانب الشعب اليمني بأن “الجارة الشمالية” تسودها اجواء مضطربة وصراعات اجنحة متعددة داخل الاسرة الحاكمة التي راهنت بمجموعها على خوض “الدول الاخرى” حربا بالنيابة عنها، ورسمت حساباتها وفق قاعدة لم تدرك الا متأخرة انها غير واقعية على الرغم من تلقيها دعما اميركيا مباشرا، في مراحل الاعداد والتخطيط وشن الغارات الجوية، وادراك واشنطن ان الجيش اليمني واللجان الشعبية المرادفة حققا انجازات ميدانية كبيرة، لا سيما في عدن والساحل الجنوبي لليمن.

مشاهد الضحايا المدنيين وبشاعة العدوان  حفزت الامم المتحدة، التي عادة لا تملك قرارا ذاتيا بالتحرك لوقف اي عدوان، اعلان تمسكها بحل سياسي للصراع، بالتزامن مع اصدار “منظمة الصحة العالمية” تقديرات مرعبة لحجم الخسائر البشرية منذ بدء العدوان على اليمن، بلغت اكثر من 900 ضحية وجرح 3,700 آخرين معظمهم من المدنيين الابرياء وتشريد ما لا يقل عن 150،000 عائلة. ناهيك عن تدمير الطيران السعودي لشبكات المياه والكهرباء ومخازن الاغذية ومحطات الطاقة، واستهدفت مصانع الادوية والمستشفيات ونزلائها مما دفع اعداد من المتطوعين الاجانب مغادرة البلاد. بعضهم وصف الوضع المأساوي قائلا “مرضى اليمن الذين يتلقون علاجا في وحدات العناية المكثفة على الارجح سيلقون حتفهم نظرا لانعدام التيار الكهربائي وتوقف الاجهزة والمعدات التي تبقيهم على قيد الحياة.”

تصريحات بن عمر “التاريخية” دقت مسمارا هاما في مزاعم واشنطن والرياض، وحلفها التابع، واسقطت مساعيهما في تضخيم وشيطنة ايران، من جهة، وتصدت ايضا لنزع الشرعية عن الثورة الشعبية في اليمن ضد الهيمنة والسيطرة. كما اماطت اللثام عن حقيقة “العدوان الخارجي” ضد بلد يتطلع لرسم مستقبله بنفسه، ووفرت ارضية فهم وادراك حقيقة ما يجري من توحد قطاعات عريضة من الشعب اليمني ضد الغزو الذي وصفوه بأنه “جريمة حرب تقوده السعودية.”

قادة الجيش اليمني المنخرطين في التصدي للسعودية اوضحوا ان الاخيرة “جندت وارسلت نحو 5,000 عنصر تكفيري مرتزق من تنظيم القاعدة للاراضي اليمنية (قبل الغزو) تمهيدا لشن عدوانها البري.” بعض اولئك المرتزقة تم استدعاؤهم من ساحات “الجهاد في سورية الى الجهاد في اليمن.”

“حرب برية” اعلاميا

تلكأت ومن ثم تراجعت “الحرب البرية،” على الرغم من نداءات اميركية “توضح” ان الحرب الجوية ليس باستطاعتها تحقيق الاهداف بمفردها، وينبغي المضي بانخراط قوات برية. اثبتت الوقائع ان السعودية كانت “تعول” على قوات برية باكستانية بالدرجة الاولى، ومن ثم مصرية وتركية. تراجع باكستان عن خوض حرب برية بالنيابة كان صادما لامراء الرياض، وتملصت مصر وتركيا من الانخراط كل لدوافعه وتبريراته. وبقيت السعودية وحيدة في الميدان اعجز من ان تحقق اي “نصر ميداني،” مما اعاد للاذهان مأزق الكيان الصهيوني في حروبه على غزة وعجز قواته البرية عن التقدم في رمالها المفتوحة والمكشوفة، فما بالك بالتضاريس الوعرة لجبال اليمن؛ والغزو الاميركي للعراق. ايضا، اسلحة الجو المتوفرة لدول التعاون المنخرطة في العدوان هي احدث ما لدى ترساناتها من اسلحة اميركية وغربية؛ وكذلك الأمر بالنسبة للكيان الصهيوني. وحان الوقت لمواجهة السعودية الحقيقة المؤلمة: تعثر على اقل تعديل ويقين بعدم تحقيق انجازات.

“تعثر” السعودية يعكس تباين الاداء وتعقيد المهمة بين واشنطن والرياض. واوضحت صحيفة “نيويورك تايمز،” 23 نيسان، انه على الرغم من المعونة الاستشارية والعملياتية الاميركية “حول كيفية تنفيذ حملة عسكرية معقدة،” اضطر الطرفان الى التراجع خشية من ارتداد “نتائجها وتقويض اهداف سياسية اكبر.”

“السياسة حرب بوسائل اخرى”

شبه اجماع تشكل في الاوساط الاميركية، العسكرية والسياسية، بأنه ينبغي التقدم بخطوة تنقذ الاستراتيجية الاميركية، التي يوشك الاداء السعودي على تهديدها في عموم المنطقة. المخرج “لعجز السعودية في تحقيق احد اهدافها الرئيسة،” اوضحته يومية “نيويورك تايمز” بانه انطوى على “اعادة صياغة الحملة الجوية .. على نحو يحمّل الحوثيين مسؤولية حدوث اي ضربات جديدة وارجاء اية تسوية من شأنها انهاء القتال” الى ظروف مستقبلية افضل. بعبارة اخرى، الايحاء بانتهاء الغارات الجوية واستمرارها في آن معا.

بررت السعودية “انتقالها” الى مرحلة “عملية اعادة الأمل” بان جهودها ستنصب على البعد الانساني، من الآن فصاعدا، وايلاء اهمية للمساعي الديبلوماسية بالترافق مع استمرار العمليات القتالية. واشنطن تداولت بعض تفاصيل الخطة المعلنة التي من المتوقع ان “تمهد الارضية لتدخل عسكري من نمط مختلف.” ملامح الحملة الجديدة تتركز على اولوية الدور للقوات العسكرية الخاصة، بعضها ربما قوات اميركية لمهام التوجيه والتدريب، وما تبقى يعطى لقوات خاصة من دول الخليج “بمساعدة مصرية واردنية.” المهام “التخريبية” الموكلة للقوات الخاصة هي اختراق القبائل اليمنية واغداق العطايا والمنح المالية والاسلحة عليها لتأليبها ضد “الحوثيين” وتسهيل عمليات عسكرية محدودة ضدهم.

تجدر الاشارة الى ان المملكة السعودية نشرت حديثا قواتها التابعة للواء العاشر المؤلل بالقرب من الحدود المشتركة مع اليمن. تتوزع تشكيلة قواتها الخاصة على 3 سرايا خضعت لتدريبات متواصلة امتدت 3 أشهر، تم تسليحها وتدريبها لخوض حرب في المدن. يدرك السعوديون قبل حلفائهم ان قواتهم الخاصة ليست عديمة الخبرة فحسب، بل لا تضاهي مثيلاتها في الجيوش الاخرى. بالمقارنة، القوات الخاصة في دول حلف الناتو تخضع لبرامج تدريبية مكثفة وشاقة مدتها من سنتين الى 3 سنوات، قبل تكليفها القيام بمهام عسكرية ميدانية.

المهام الاساسية للعمليات الخاصة من المرجح ان توكل لقوات اميركية ولدول حلف الناتو، اذ سبق للقوات الخاصة الاميركية ان تواجدت في اليمن “بموافقة الحكومات اليمنية المتعاقبة،” لحين اتخاذ قرار الترحيل الشامل للقوات والبعثات الاميركية قبل ايام من بدء الغارات الجوية السعودية على اليمن؛ وتحتفظ بعلاقات عملية مع تشكيلات عدة اشرفت على تدريبها في ربوع اليمن واستغلالها لمحاربة اللجان الشعبية والجيش اليمني والحوثيين. بعد تيقن القوات الاميركية من صلاحية القوات الخاصة للسعودية وحلفائها، ستوكل اليها مهام التسلل للاراضي اليمنية وتوسيع نطاق العمليات ضد: قيادات عسكرية، خطوط امداد، وقواعد لوجستية.

خشية من مواجهة بحرية

عززت الولايات المتحدة وجودها في مياه بحر العرب بارسال “حاملة طائرات (روزفلت) وسفينة طراد صواريخ موجهة (نورماندي)” الى المياه اليمنية، تنضم الى 7 قطع بحرية اميركية اخرى، لتشديد الحصار البحري المفروض على اليمن، من ناحية، واشتداد القلق من تطور الصراع اليمني الى مواجهة بحرية بين ايران ودول تحالف السعودية. ايران، بدورها، ارسلت 9 قطع بحرية لتنضم الى مدمرة وسفينة حربية اخرى في مياه بحر العرب “في مهمة قد تمتد لثلاثة اشهر .. ومن الممكن ان يرسو الاسطول في ميناء عدن،” وفق صحيفة “ذا هيل،” 19 نيسان. واضافت نقلا عن مسؤولين اميركيين انهم عبروا “عن مخاوفهم من ان يؤدي ذلك الى مواجهة مع الولايات المتحدة او بعض اعضاء التحالف،” في اشارة لمصر التي تشارك باربع قطع بحرية.

لفت المسؤولون العسكريون الاميركيون النظر الى ان ايران لا تخفي نواياها بنشر قواتها البحرية، “بل يبدو انها تسعى لابلاغ الولايات المتحدة وحلفاءها بها.” ويرجح اولئك السلوك الايراني “الجديد” الى احكام الحصار الجوي على اليمن مما يضيق خيارات ايران بالتدخل او توريد السلاح، او “ربما” محاولة مدروسة للتغطية على سفينة ايرانية اخرى ترسو في الموانيء العمانية – التي يعتقد انه يمكن استخدام اراضيها لادخال السلاح برا الى اليمن. ولا يستبعد الاميركيون عزم ايران على التصادم مع السعودية وتقليم انيابها لاعتقادها ان الولايات المتحدة لن تهب لنجدة حليفتها الجريحة.

اعتبارات الاتفاق النووي لم تغب عن “المسؤولين الاميركيين.” اذ يرجح بعضهم ان ليونة لهجة البنتاغون والادارة الاميركية حول القطع البحرية الايرانية  يدل على “تفادي القيام بأي عمل يمكن ان يخل بالمحادثات النووية الحساسة،” خاصة لتصريح الناطق باسم البيت الابيض، جوش ايرنيست، قبل ساعات معدودة من اعلان السعودية وقف الحملة الجوية، اذ قال موضحا ان تورط ايران في اليمن “لا يكفي لانهيار المفاوضات، بل انه في الواقع حافز قوي للغاية لنجاحها.” ورأت يومية “فورين بوليسي،” في نشرتها الالكترونية 22 نيسان، ان القرار السعودي “يزيل مصدر قلق محتمل” للادارة الاميركية في المحادثات النووية.

الدور “الاسرائيلي” في اليمن، مرة اخرى

الدور “المباشر لاسرائيل” في حروب اليمن تجاوز مرحلة التكهنات منذ زمن. تدخلها ابان عقد الستينيات كشفته الوثائق البريطانية والاميركية المفرج عنها في عملية اطلق عليها “عملية النيص Operation Porcupine،” امتدت من عام 1962-1970، وتمحورت حول توفير الاسلحة والقائها جوا ضمن “14 عملية نقل جوي خصصت لها اضخم طائرة في ترسانتها الجوية – بوينغ سي 97.” تجدر الاشارة الى وقوع احد عملاء جهاز الاستخبارات “الاسرائيلي” الموساد بايدي القوات اليمنية الجمهورية التي سلمته لمصر، وافرج عنه السادات في صفقة تبادل الاسرى عقب حرب 1973.

والآن، يطل علينا نائب مدير الابحاث في “مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات – اورين كيسلر،” للتصريح بأنه “ليس بوسعنا استبعاد التدخل الاسرائيلي في الحرب اليمنية” الجارية. (يومية “بوليتيكو،” 21 نيسان 2015) واوضح انها انخرطت في القتال ضد مصر بشكل رئيس آنذاك، وسخرت طائرتها الضخمة “يقودها طيارون اسرائيليون – لانزال معدات عسكرية ولوازم طبية واموال بالمظلات.” وصمت كيسلر عن تفاصيل التورط الراهن.

ملامح المستقبل

السلطات الاميركية الرسمية والوسائل الاعلامية بكاملها تفادت استخدام اي توصيف للغارات السعودية سوى “الفشل والعجز،” متسائلة “ماذا حققت السعودية بعد شهر من قصفها لليمن؟” بل ذهبت للسخرية من توفر احدث الاسلحة الاميركية لديها وعجزت عن تحقيق هدفها الرئيس باعادة الرئيس الهارب عبد ربه منصور هادي.

الحرب الجوية لم تعد مجدية ولم يتبقى لها اي اهداف “من قائمة بنك الاهداف” الطويلة لتحقيقها، وليس من مفر امامها الا بامرين: الدخول في حرب برية تستدعي قوات عسكرية كبيرة، نظرا لوعورة التضاريس اليمنية والاسلحة المتوفرة لدى معظم اليمنيين؛ او التوصل لحل سياسي بالطرق التفاوضية، الذي سيأتي انعكاسا للانجازات الميدانية التي تفتقدها السعودية.

شكل التدخل المقبل، المرجح، سيعتمد على القوات الخاصة وعمليات خاطفة واغتيالات في مسعى لتعديل الموقف قبل الولوج لطاولة المفاوضات. الاوساط الاميركية تشير الى مخطط يجري تنفيذه يرمي الى اشتباكات مستدامة لادماء الحوثيين ومن ورائهم ايران، ومشاغلتهم بشكل متواصل لحرمانهم من شن عمليات مضادة عبر الحدود مع السعودية.

ماذ لو تعثر ذلك؟ تفيدنا صحيفة “واشنطن بوست،” 23 نيسان، انه “من غير المرجح ان تلعب الرياض دورا في تحديد مستقبل اليمن .. بل يخشى المسؤولين الاميركيين الارتدادات العكسية” كنتيجة لهذا التدخل.

ما اخفق الاميركيون التصريح به هو الاقرار بأن اليمن خرج من تحت سيطرة ونفوذ السعودية “ولن يعود لسابق عهده.” في الشق المقابل، الارتدادات والاستحقاقات داخل الاسرة السعودية الحاكمة قادمة لا محالة، بل نشهد بدء افول دورها وسيطرتها على القرار العربي والاسلامي، بكل ما يعني ذلك من احتمالات وآفاق مستقبلية.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: www.thinktankmonitor.org

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com