الفشل السعودي .. وضرورات إعادة التقييم

د. ليلى نقولا الرحباني

 

تنفّس العالم الصعداء بالإعلان عن انتهاء عاصفة الحزم السعودية، والتي كادت أن تؤدي إلى حرب إقليمية يُعرف كيف تبدأ ولا يُعرف كيف تنتهي، وكبّدت الآلاف من الضحايا المدنيين، ودمّرت البنية التحتية اليمنية، وبوقف تلك العملية تكون المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عما سبقها، ويمكن إيجازها بما يلي:

 أولاً: خسارة ماء الوجه السعودية، فالسعودية أعلنت انتهاء حملتها العسكرية قبل أن تُحقق الأهداف التي أعلنتها في بداية الحملة، أي “عودة الشرعية إلى اليمن”، متمثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، وانسحاب الحوثيين من المواقع التي تقدّموا إليها.

 في المقابل، وبالرغم من النبرة التهديدية العالية التي استخدمها قائد الثورة الإيرانية علي الخامنئي، نادى الإيرانيون بالحل السياسي، مطالبين بوقف العملية العسكرية على اليمن، وقدموا خطة من نقاط أربعة: وقف إطلاق النار، وبدء المساعدات الإنسانية، واستئناف الحوار بين اليمنيين، وتشكيل حكومة يمنية موسّعة تضم جميع الأطراف.

 ويبدو من التقارير الواردة من اليمن، أن هناك اتفاقاً ما يجري الإعداد للإعلان عنه، علماً أن النقطتين الأولى والثانية قد تمّ الإعلان عنهما من قبَل قيادة “عاصفة الحزم”، أي انتهاء العملية وبدء المساعدات الإنسانية عبر ما سموه عملية “إعادة الأمل”.

 ثانياً: يؤشّر إعلان انتهاء العملية بهذه الطريقة إلى دفن فكرة “القوة العربية المشتركة” التي طبّل وهلل لها العديد من الكُتّاب العرب الدائرين في الفلك السعودي، باعتبارها ستأتي لتقضي على بشار الأسد والمقاومة بعد الحوثيين.

 ثالثاً: أي نتائج عسكرية وسياسية يمكن أن تكون السعودية قد حققتها في الداخل اليمني من خلال عاصفة الحزم، ستبرز في نتائج المفاوضات الجارية لعودة الحوار السياسي وتشكيل الحكومة الجديدة، لكن، بالرغم من ذلك، حصدت السعودية خيبات عدّة تبرز في ما يلي:

1-      دعوة الملك السعودي الحرس الوطني للمشاركة في العملية قبل ساعات من الإعلان عن انتهائها يشير إلى إرباك ما في القيادة السعودية، أو إلى أن مفاتيح الإعلان عن بدء العملية وانتهائها ليس في اليد السعودية حصراً.

2-      انفضاض الحلفاء المفترَضين للسعودية، والتي عوّلت عليهم لاحتلال اليمن، وتهرّبهم من الانخراط المباشر في العملية، أدّى إلى إحراج السعودية، خصوصاً أنه كان من الطبيعي أن يعلم السعوديون أن هؤلاء لن ينخرطوا في حربهم المفتوحة ضد اليمن، وهكذا بدت السياسة السعودية منفصلة عن الواقع، من خلال توقّعها أن مساعدة مسؤول ما وإمداده بالمال تجعله تابعاً لها ضد مصالح بلاده، كما هي الحال مع بعض أدواتها في الشرق الأوسط.

 3-      بالرغم من المكاسب السياسية التي يمكن أن تكون قد حققتها السعودية في اليمن أو في المنطقة من خلال إعلانها أنه لا يمكن تجاوزها في أي تسوية في المنطقة، وأنها مستعدّة للقتال، لكن التقارير الدولية التي أجمعت على أن الغالبية العظمى من الضحايا هم مدنيون، كتقرير الأمم المتحدة وتقارير “اوكسفام” و”هيومن رايتس واتش” وغيرها، جعلت السعودية تشبه “إسرائيل” في الساحة العالمية؛ في قصفها الأبرياء والبنى التحتية المدنية، وفي عدم التمييز بين المدنيين والعسكريين، بشكل منهجي وواسع النطاق.

 لذلك فإن السعودية، وبالرغم من أي نتائج متحققة، تبدو خاسرة إعلامياً في الغرب، بالتركيز عليها بارتكابها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في اليمن، حسب ما تمّ الإعلان عنه من قبَل العديد من المنظمات الدولية، وبعدما صرّح العميد العسيري أن المدنيين هم “أضرار جانبية” ستحاول الحملة تجنّبها.

 4-      لطالما اتُهمت السعودية في الإعلام الغربي وبعض الإعلام العربي بأنها مصدر الفكر التكفيري الذي أسّس “القاعدة” و”داعش” وما يماثلهما من قوى الإرهاب، وأن الخليجيين – خصوصاً المتمولين السعوديين – هم من يموّلون هذه الجماعات، كما صدرت اتهامات في الكونغرس الأميركي بأن هناك “قوى رسمية سعودية” وراء أحداث 11 أيلول الإرهابية.. فما الذي جنته السعودية – إعلامياً على الأقل – بعدما صرّح العميد العسيري بأن ضرب “القاعدة” ليس من أهداف “عاصفة الحزم”، بعد الانتقادات التي طاولت الحملة، باعتبار أن الفوضى التي خلقتها أفادت تمدّد الإرهابيين في اليمن؟

هذا بعض من نتائج إعلان انتهاء عاصفة الحزم قبل تحقيق أهدافها المعلَنة، وقد تشي الأيام المقبلة بنتائج جديدة قد تكون لصالح السعودية أو ضدها، لكن بكل الاحوال سيذكر التاريخ أن السعودية خرجت إلى حرب مباشرة لأول مرة، لم تعرف كيف تنتصر فيها، وهذا يجب أن يدفع القيادة السعودية إلى إعادة تقييم سياستها الخارجية، والوسائل التي تستخدمها فيها، والسؤال الذي يجب أن ينطلق منه السعوديون: هل كان الخيار العسكري بالفعل هو الأمثل لتحقيق مصالحنا الاستراتيجية في اليمن؟ ويُتبعوه بسؤال ثانٍ: هل دعم الإرهاب في سورية هو الحلّ الأمثل في سياساتنا الشرق أوسطية؟