تصعيد إرهابي تركي في الشمال …والفشل بالانتظار

العميد د. أمين محمد حطيط 

من يتابع التصعيد الإرهابي وتحرك الجماعات المسلحة في الشمال الغربي من سورية أي المنطقة الواقعة شرقي وجنوبي الحدود مع تركيا وتحديدا في إدلب وريفها فضلا عن ريف حلب الغربي وبعض ريف اللاذقية، يطرح السؤال بحثا عن خلفية هذا التصعيد وما يرمي اليه الآن وبهذا الزخم الذي قد يكون شبه مفاجئ.

وأول ما يقع الباحث عليه في الشأن هو أن تركيا تقف وراء هذه الاندفاعة وتمدها بكل ما يلزم الإرهابيين في تحركهم وقتالهم بدءا بالتخطيط والتدريب وصولا إلى التجهيز والتسليح والتذخير، مرورا بكل ما له صلة بالشأن الاستخباري والاستعلامي في الميدان. فتركيا كما توضح الصورة الميدانية تقف بشكل كلي وراء العمليات الإرهابية الواسعة التي نفذت في تلك المنطقة وبشكل لا يناقش فيه عاقل. وهنا ينقلب السؤال ليطرح بصيغة أخرى: لماذا كثفت تركيا تدخلها في سورية في هذه الفترة وبشكل يتقدم عن مستويات تدخلها السابق الذي لم ينقطع أصلا منذ بدء العدوان على سورية فتركيا كانت ولازالت أداة رئيسية في التنفيذ.

في سياق البحث عن الإجابة نرى أن هناك أسبابا ثلاثة دفعت تركيا لتصعيد عدوانها دعما للإرهاب على سورية وهي:

1.   الأول متصل بالميدان السوري مباشرة وخاصة لجهة تراجع الجماعات الإرهابية في الشهر الماضي أمام الإنجازات العسكرية الهامة التي حققها الجيش العربي السوري والقوات الرديفة بدءا من الشمال في محيط حلب، وصولا إلى الجنوب مرورا بالوسط خاصة ريف دمشق. وشعور تركي ببدء تلاشي التأثير في الميدان السوري. ترافق ذلك مع حراك سوري تشاوري بحثا عن مخرج سياسي للازمة لا يكون فيه لتركيا الدور الذي تحلم به، حيث عقد لقاء موسكو2 بعيدا عن مشاركة الدمية التركية المسماة ” الإتلاف السوري”. ويبدو أن تركيا رأت أن دعم الإرهابيين بقوة عبر إمدادهم بالعربات المدرعة وبالصواريخ المضادة للدروع والمضادة للطائرات، رأت أن هذا الدعم يقطع الطريق على تراكم الإنجازات الميدانية السورية ويعرقل السعي للحل السلمي الذي يستبعدها أو على الأقل يعيد لها شيئا من الدور الذي بدأ بالضمور أمامي المتغيرات السورية والعراقية وإنجازات البلدين في مواجهة الإرهاب خاص داعش والنصرة اللتين ترعاهما تركيا.

1)  الثاني متصل بالسلوك السعودي العسكري والذي حاولت فيه السعودية الظهور بمظهر القوي الحازم الذي يستطيع أن يفرض سياسته بالنار والقوة وذهبت إلى اليمن تحت عنوان “عاصفة العزم” على العدوان وشغلت لفترة أسابيع أربعة وسائل الأعلام “ببطولاتها ” الإجرامية متقدمة في ذلك عمن سواها من الدول الإقليمية التي تتنافس معها على الريادة في المنطقة والعالم الإسلامي. وهنا وجدت تركيا نفسها بحاجة إلى عمل ميداني موازي أو يتقدم على ما تقوم به السعودية ظنا منها بانها مقابل ربح سعودي مفترض في اليمن تحقق هي ربحا ميدانيا معادلا في سورية. من اجل ذلك سارعت إلى الدفع بالآلاف من المسلحين الرفيعي التجهيز والتدريب من قبلها وبقيادة تركية شبه مباشرة، دفعت بهم إلى الميدان لتتناغم مع العمل السعودي في اليمن وللسيطرة على منطقة مؤثرة في الشمال الغربي لسورية. متناغمة في ذلك مع حرب نفسية قادتها السعودية تقول بان “عاصفة الحزم ” السعودية ستنتقل بعد اليمن إلى سورية، حرب بلغت معها الوقاحة بسفير السعودية في الأمم المتحدة إلى الحد الذي أطلق فيه التهديد العلني بالتدخل العسكري المباشر في سورية (وكان موفقا السفير السوري في الأمم المتحدة بالرد القاسي عليه).

2)  الثالث متصل بالخناق الدولي حول تركيا من باب جرائم العثمانيين بحق الأرمن. وتشكل بيئة دولية ضاغطة برزت في الذكرى المئوية الأولى لجريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها تركيا العثمانية بحق الأرمن وغيرهم من المسيحيين، وتشكل قناعة دولية قاطعة بان العثماني كان أول من ارتكب جريمة “إبادة الجنس الإنساني” أو جريمة الإبادة الجماعية كما بات اسمها الحقوقي. وظن البعض وتحت هذا الضغط أن تركيا ستتنكر لجريمتها عبر الاعتراف بارتكابها أولا، ثم الاعتذار للشعب الأرمني ثانيا، وأخيرا أبداء الاستعداد لتقديم التعويضات المادية والمعنوية للمستحقين لها جراء ما وقع.

لكن تركيا لم تفعل، لا بل كان سلوكها هو العكس تماما، حيث أنها أصرت على الإنكار ورفضت ما أثبته التاريخ من الوقائع الدامغة، وهو إصرار يخفي إصرارا على التكرار من غير رادع أو وازع من دين أو أخلاق أو قانون، وأكدت سلوكها الإرهابي بتكثيف دعم الإرهابيين في سورية ودفعت بهم بشكل خاص إلى المنطقة الواقعة بين جسر الشغور وإدلب على مسافة بضعة كيلومترات من لواء الإسكندرون السوري الذي تغتصب ،  و أمنت لهم قدرات كبيرة لتحقيق الإنجازات في الميدان، إنجازات تعول عليها لقلب الطاولة والرد على ما تحقق سوريا في الشهر الماضي.

لهه الأسباب وربطا بالهدف الرئيسي من العدوان على سورية قامت تركيا بخوض الحرب إلى جانب الإرهابيين بكل ما يمكن أن تلقيه من ثقل في الميدان قاصدة العودة إلى سورية في حقبة زمنية بالغة الأهمية تتحدد فيها أحجام القوى في المنطقة وانتصاراتها وخسائرها.

إضافة إلى ذلك فإننا لا نغفل إمكانية ربط التدخل التركي الحالي بما وصفناه بالخطة الرابعة للعدوان على سورية وهي الخطة التي وضعت أمريكيا بعد فشل خطة داعش، واسند التنفيذ فيها إلى كل من إسرائيل والأردن وتركيا. الخطة التي تصدت سورية لها في الجنوب وقطعت الطريق على الاسترسال في تنفيذها كما يذكر من تابع معارك ريف القنيطرة ودرعا ولكن تركيا كما يبدو تريد أن تعلب دورها مدفوعة بما ذكر متجاهلة حقيقة أن القوى المدافعة في سورية قادرة على التصدي وإفشال العدوان كما أفشلت الخطط الثلاث السابقة.

:::::

“الثورة”، دمشق