صباحك عزيزتي لانا،

عادل سمارة

قضيت في المدينة البائسة نهاري وبعض ليلي.

وصلت البيت الحادية عشرة، نمت حتى الثالثة والنصف صباحا، نهضت ونزلت إلى المكتبة، غرفتين صغيرتين أسميهما “الدارة القرمطية”. فعلت القهوة، وها أنا اكتب. بالمناسبة أنا لا انام كثيرا، لأنني اعلم انني سوف أنام طويلا.

أهلا صديقتي الصغيرة، لا تنزعجي كلنا صغار بمعنىً ما. نولد صغارا ونموت صغاراً لأننا نبحث عن الأبدية. وهذا البحث نفسه تجسيد قرارنا وحقنا مقاومة الرحيل وليس الارتحال.والمسافة بين الرحيل والارتحال واسعة كما المدى اللامحدود. نرتحل من مكان لآخر ومن فكر لآخر ومن حب لاخر ومن حزب لاخر…الخ. هذا الارتحال الذي مارسه المتنبي بالسفر من الشام إلى مصر إلى فارس، لم تتسعه الأرض حتى قتل. كيف لا وهو القائل:”واقفٌ تحت أخمصي قدرُ نفسي…واقفٌ تحت أخمصي الأنامُ” لذا، قال فيه النواب: “لأمرٍ يسافر هذا الذي اسمه المتنبي وتعشقه بالعذابات النساءُ وما ذنبه أنه في الشام يوما وفي مصر يوماً، فأرض مجزأة والتجزؤ فيها جزاءُ” .

إذن نتحدث اليوم عن الحدود إن مما بي هي صرخة المقاومة الأولى في لحظة الولادة، صرخة الخوف من الفضاء الهيولي والعجز عن العودة. ومن هنا يبدأ تبلور شخصنا. ونذهب في مناحي متعددة، هذا الذهاب هو الارتحال الذي في داخله مقاومة الرحيل. وهذا الارتحال في مسافته القريبة أو البعيدة هو تعبير عن تحولنا من الوجود إلى الحضور. إنه الفعل رغم بساطة الأدوات. لكنه في حد ذاته قرار الإصرار على الوجود على الأقل. ومن هنا قدسية وجودنا وطموحنا للسرمدية كما الأرض، كما الطبيعة، نحن مخلوقاتها ونصر على التشبه بها قبل ان تتمكن هي من استعادتنا. يقولون بأنها تعيد ولادتنا في شخوص أخرى او كائنات أخرى. لست أدري، ولكن مجرد تفكيرنا في هذا هو نفسه إحدى حلقات المقاومة والإصرار على البقاء ولو بعودة مفترضة. كل وجود فردي مشروط بالآخرين، وكذلك الحضور.

الآخرون فينا بدرجات ومستويات من العلاقة والحب والتناقض والتباعد وحتى الجفاء. وطالما هم هنا، تصبح قراءة العلاقة من طرفيها. بمعنى: إن عليك، أنت أنا هو هي…الخ أن تختاري بين الشمعة والطاقة. تذوب الشمعة وهي تضيء على الآخرين. هذا التخيًّل الأناني فينا ، متعتنا في امتصاص الآخر حتى الرمق الأخير. الشمعة لم تختار ذلك، نحن فرضنا ذلك عليها. هي في وعيها الداخلي تتحول من ضوء إلى طاقة والطاقة تتحول إلى حالة متجددة. هنا يمكنني أن ألمس عصب ما تحبين التفكير فيه. ولكن، حجر الأساس أن تكون طاقة لا شمعة. الطاقة تضيئنا وتدفئنا وترفعنا إلى الكواكب الأخرى، لكنها لا تموت لأجلنا لأن مهمتها أعلى من فردياتنا. هكذا أعتقد أن علينا أن نفهم أولاً، وأن يفهمنا الآخرين بل الدائرة الأصغر أي المحيطين بنا ، من انجبناهم بيولوجيا وحبا وعشقا.  قد تستغربي، حين نُحب نقوم بإنجاب متجدد، نجدد الآخر في نفسه وفينا. ولكي نبنيهم أو نجددهم لا بد من مسافة فصل بيننا وبينهم ليفهموا أننا لسنا مجرد متاع لهم.حين ترتبك علاقتنا بهم، جمعيهم، اولادنا اصدقائنا، أحبتنا ، عشاقنا، يحصل بالضروة ان نستعين بالحزن. هذا الشقي كما انا، اقصد الحزن، حين يحضرني كما قلت لك يقويني. قد تستغربين. الآن وفي هذا الصباح المبكر جدا، صحوت قبل الصباح، تركت البيت إلى الدارة القرمطية، هذا الإسم الذي اطلقته على مكان مكتبتي كما اشرت اعلاه، فعلت القهوة المرة واستمع لمقطوعة موسيقية بدون لغة، وهي عميقة الحزن وعتيقته كلياً، وجعلتها تتكرر مدى ساعات، وفي هذا الجو يا رفيقتي أكتب. هل هذا ضرب من الجنون؟ نعم، ولكنه جنون الوجود بل الحضور.  هذه هي آلية تحويل الحزن إلى قوة تضيئنا .  لن يفهمك الآخرين بهذا. لا باس هذه مشكلتهم، لأنك مهما احببتهم لن تقويهم إذا ضعفتِ. لا تعبري لهم عن حزنك لأنهم سوف يتهالكوا اكثر. إن المرجل الذي يغلي داخلنا يجب ان يرونه قوة حرارة تذيبنا تصهرنا، بل يجب ان يروه ضوءاً ينير لهم محيطهم. هذا تحول الطاقة بل تحويلها إن شئتِ. إذا تمكننا من الإمساك بعنق الحزن، فلا بد ان نستدعيه. نستدعيه لا أن يستدعينا هو. لأننا حينها نقوده بما اننا نحن البشر وهو ضوء من أضواء المادة، يضيىء او يحرق ، نعم هذه أو تلك. ليس اقرب إلينا ممن أنجبنا، ولكن لأنهم هكذا، لا بد أن يروا منا الجانب القوي، أو قولي “الحنان القوي”. يجب ان لا يقصم الأولاد الظهر، لأن انقصام الظهر يقصم ظهورهم كذلك. في كل ما نراه ليس حقهم، لا مناص ابدا سوى ان يشعروا في كل لحظة، أننا نرفضه. طبعا متعب ومؤلم ومرهق وفي كثير من الأحيان غير مُجدي. ولكن هي المثابرة وكما تحدثنا كثيراً عن المقاومة، هذه مقاومتنا لمن هم أضعف منا في مسيرة بنائهم أو إعادة بنائهم/ن. وليس الأولاد فقط، بل حتى الأصدقاء والرفاق والأحبة والعشاق، كلها علاقات محاولات بناء. لن تشعري بالقوة الداخلية التي بك دون أن يكون دورك للآخرين، إعادة خلق وبناء، ولكن دون ان تكوني الشمعة، بل الطاقة.  من تجربتي…لا. يجب ان نعيد إضاءة داخلنا بعلاقات أوسع من جدران المنزل، وهذا ليس هروبا بل هو توسيع المدى لتجد النفس فضائات أخرى تريحها وتجددها، وتعيد إليها مركزيتها بأننا في نهاية النهايات أعلى من خنق النفس في النفس. …هذه فلسفة التخطي كما تعرفين. وهي نفسها التي تحول الحزن إلى ضوء وطاقة نهوض متجددة. بغير هذا لن تكوني نفسك، فالتخطي هو اولا ديالكتيك الداخل، القرار والقوة معاً. دعي الروح تحاول الإفلات من القيد الداخلي كي تواجه القيد الخارجي. وحتى لو قيدتها لن تتمكني. إن صراع العقل والروح او النفس هو أبدي فينا. لذا كما قلت لك أعط القلب فرصته لأن فيه القوة للتخطي………..  بوضوح لانا إعقدي الصفقة بين انفلات الروح الى اوسع فضاء وبين قوة القلب في حمايتها. فقط حينها تهدأ الشحنة التي فيك وتتحول من الحريق إلى الدفء. يا سناء، لو كانت الروح تماما او النفس إن شئت، لو كانت في داخلنا تماماً، لما قاومنا ولا حلمنا بالأبدية. هي فوق دائماً تسحبنا إلى الله والجسد يشدنا إلى الأرض. وكلما انتصر الجسد، كلما اصبحنا كتيمين ثقيلين مشدودين إلى الأرض متثاقلين. لا يزعجني صراعي مع الروح المتعالية، بل يزعجني تهالك الجسد وثقله. قد تقولين هذا عذاب. نعم، ولِمَ لا؟ إذن تمتعي بأن الروح حرة. الروح تحاول التحرر التام. وبصراحة، أنا دائما أطيعها مهما كانت النتائج قاسية. قد تقولين لماذا؟ لأن اتخاذ اي قرار بقناعة في لحظته هو حالة إنسانية عليا. قد يثبت لاحقا أنه لم يكن القرار الصحيح أو انه كان مكلفا او شبه قاتل. لا باس، ولكن حين اتخذته اتخذته بملىء الرضى وبمتعة المقاوم بقرار الانتصار. وهكذا تكون سلسلة الحياة. كل قرار في حينه كان بقناعة وطوعاً وحتى بعشق، وبعدها فليكن ما يكون. هذه هي المقاومة من الداخل، فلا يمكننا الخروج خارج انفسنا إن لم تكن في داخلنا جذورة وشعلة المقاومة من الداخل. وإلا كيف يمكن ان تتفاعل الشحنة التي فينا، الشحنات التي فينا بتنوعاتها. وعدتني ان تكتبي، جميل. هذه لحظة القرار التي للقلب فيها دور رفع الروح إلى أعلى. الكتابة شغل إنتاج ومن هنا هي حالة إنسانية عليا. هي ليست تقليلا من الإنتاج المادي الملموس، ولكنها حالته الإنسانية المتطورة.  حاجتك للحوار لا يمكن ترجمتها انك إتكالية، فالمحاورة هي حالة إنسانية راقية، ليست تعليما ولا تعاليما ولا تعليمات، هي مشاركة ند لند. هي روح تشعل أخرى والأخرى تشعلها تبادليا. معرفة الألم مركزية واساسية ولكن شريطة السيطرة عليه وتطويعه ليصبح تجربة مضيئة. سألتني ماذا اقصد بحصار الذات. حصار الذات هو سحب الروح المنطلقة لتقييدها في الجسد. والتضحية بالحرية البدئية والبدائية لصالح القيود المفروضة من المحيط. هو قتل الرغبات بتنوعاتها نظرا لحسابات من المحيط أي حسب معاييره. حينما نعجز عن تحرير الذات، نلجأ إلى الشعر وإلى التصوف. لذا دعي نفسك تأخذ نفسها إلى العُلى. كثيرون لن يفهموا هذا، لا باس هذا شأنهم. اختم بقولك لي: أنتبه عحالك؟ من ماذا وماذا؟ مِن مَن ومَنْ؟

 على رايك صديقتي انتباهين: الأول باليد، وهو فك حصارالذات وقرار الحرية وحسم جدل العقل والقلب لصالح القلب. والثاني، هو المحيط، وهذا ليس بالإمكان. فالحياة اشتباك متواصل ومقاومة متواصلة. وليس الاشتباك فقط مع الكيان، بل مع الوسط المحيط كذلك. فحين يتسع استدخال الهزيمة يكون الجو مسموما يدفع للاشتباك بلا مواربة. ودائماً أتذكر بيت الشعر للنابغة الذبياني: “فإنك كالليل الذي هو مُدركي…وإن خلتُ أن المنتاى عنك واسعُ”.  مهما ذهبت من الليل، طالما هو ليل فإنك تذهبين إلى الليل. ومن هنا حتمية تحويل الصراع الداخلي إلى ضوء.

 مودتي