عرض كتاب “ظلال يهو/صهيو/تروتسكية في المحافظية الجديدة”، لمؤلفه د. عادل سمارة

بقلم د. ديمة امين

 

هذا الكتاب انجاز استثنائي بقلم د.عادل سماره باهداء الى جيوب المقاومة في سبيل وطن عربي موحد حر اشتراكي.

يقوم هذا الكتاب على اساس وعي مشتبك نقدي لا يكتفي بوجوده وانما يسعى الى حضوره و هو الاشتباك بحد ذاته.

الاشتباك الان مع عدو مختلف ( المحافظون الجدد ) وهو عدو صهيوني تروتسكي يهودي حضر بقوة في احتلال العراق و عاد بمحاولة احتلال سوريا و الان اليمن ساعيا بالدرجة الاولى هزيمة اي وعي و نضال عروبي.

تمتد مسألة المحافظين الجدد عبر القرن الماضي على اثر الحرب العالمية الثانيه حين احتوت امريكا القوى الامبريالية القديمة.

يتطلب البحث في هذه الظاهرة التعمق بتاريخ التروتسكية و الصهيونية

الخطاب الذي ضخ الى الوطن العربي والذي تقف وراءه الدوائر المخابراتية الامبريالية و في سياق محاربة الشيوعية اخذ بالترويج بان الماركسيه هي نظرية يهودية.

تم تمرير هذا الخطاب عبر الانظمه العميلة التابعه او مثقفي الكمبرادور.

في الوقت الذي خلق فيه الغرب الرأسمالي الكيان الصهيوني  تم استغلال كون القضية الفلسطينية تشكل اولوية القضايا العربية ليتم استخدامها لدفع الشيوعيين العرب للاعتراف بالكيان الصهيوني بتثبيته كمتطلب نظري ماركسي مما زعزع جذور الفكر الشيوعي في الوطن العربي و القضاء على ارتباط الطبقات الشعبية بالفكر الاشتراكي ليصبح الفكر الرأسمالي هو الخيار الوحيد باهدافه الغير معلنه بنهب الشعوب و ثرواتها و اجهاض اي بوادر تنمية عربية حقيقيه.

تبع ذلك استغلال الانظمه و قوى الدين التابعه للرأسمالية الغربية لتشويه الفكر الشيوعي بالصاقه بالصهيونية خصوصا باستخدام واقع اعتراف الاتحاد السوفييتي والكثير من الاحزاب الشيوعية العربية بالكيان الصهيوني.

تقاطع التروتسكيين و الاتحاد السوفييتي في الموقف من الكيان الصهيوني.

وبمراجعه سريعه لتاريخ المنطقه منذ بداية تقسيم الوطن العربي بسايكس بيكو ولغاية الان وفي سياق مخطط سياسي رأسمالي غربي استعماري فقد تم انشاء الكيان الصهيوني بتظافر تيارات عالمية توحدت للمرة الاولى في دعمها له ماديا واعلاميا وايديولوجيا، هذه التيارات هي الليبرالية الرأسمالية الامبريالية ، التيار الاشتراكي الديمقراطي و التيار الشيوعي الرسمي السوفييتي الذي انشق عنه تروتسكي ، بالاضافة الى ادوات الاستعمار العربية خاصة الانظمة الرجعية

تجدر الاشاره هنا انه بالتحليل العميق لاسباب حفاظ الاتحاد السوفييتي على اعترافه بالكيان الصهيوني و عدم المراجعة لموقفه لاحقا على الرغم من طبيعة هذا الكيان الاستعمارية و من الصداقة العربية السوفييتيه في بعض الدول فانه يتضح ان الاتحاد السوفييتي و الدول الاشتراكية الاخرى لم تنجح بتطبيق الفكر الاشتراكي بشكل حقيقي مما شكل العامل الرئيسي لتواطؤ الدول الاشتراكية مع الكيان الصهيوني و استمرار اعترافها به.

لقد غفل العرب عن الحقيقه الوحيده و هي ان الموقف العربي الجذري من قضية فلسطين و الموحد ببناء و طن عربي اشتراكي هو اساس انتزاع موقف حقيقي وقوي من الاتحاد السوفييتي و الدول الاشتراكية الاخرى ضد الكيان الصهيوني. والجدير بالذكر هنا ان التجزئة القطرية تفسح المجال لفقدانها او اجزاء منها

ولكن التحرير لا بد ان يكون قوميا.

لقد ادت هزيمة الانظمه العربية القوميه سنة سبعة و ستين الى انحسار المد القومي و الشيوعي لمصلحة قوى الدين السياسي و انظمة  الكمبرادور خاصة في مصر مما ادى الى اعتراف البرجوازية العربية بالكيان الصهيوني.

استخدمت قوى الدين السياسي الريع النفطي لتمرير خطابها الذي يموه الاسباب الحقيقية للازمات الاقتصادية والاجتماعية والقومية.

لقد اختلط على الكثيرين حقيقة ان اليهود / الصهاينه يسيطرون على العالم ولتوضيح ذلك تجدر الاشاره الى ان اساس العلاقة بين الراسمالية و الصهيونية هي موقع واهمية الاقليات المعولمه لها في بنية رأس المال العالمي اي ان العامل العددي ليس الاساس في هذا الدور و انما حجم الشراكة في رأس المال العالمي لتصب الامور في الانسجام العالي بين الرأسماليين اليهود و بين الرأسمالية العالمية مما يخدم مصلحة الكيان الصهيوني والذي زرعه  رأس المال العالمي في المنطقة العربية لحماية مصالحها.

اذن المسأله طبقية تتفاعل مع الثقافة و المعتقد الديني اي ان التفسير الديني لقوة الصهيونية هو تفسير شكلي لا يتعمق في العلاقات الرأسمالية و المصالح المادية

تحمل السلطة الحاكمه الاميركيه حقدا يسهل تحليله للمنطقه العربية تبعا لمصالح نخبة الطبقة الحاكمة بشقيها الجمهوري( منبت المحافظين الجدد و القدامى) والديمقراطي و نخبة المجمع العسكري الصناعي ونخبة المثقفين و نخبة قوى الدين السياسي .

يبقى السؤال المطروح: ما الذي يفسر التقاء الكثيرين من قيادات التروتسكيين مع سياسات الولايات المتحدة بالرغم من ادعائهم انهم الاكثر ماركسية.

تفردت الماركسية اللينينية في الصراع الفكري و السياسي بين التنظيرات والقوى الماركسية والذي تطور الى صراع دموي في كثير من الاحيان.

شكل انشقاق حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الى التيارين البلشفي و المنشفي الى استمرار الصراع الى ما بعد ثورة اكتوبر مؤديا الى تصفيات دموية لقيادات في الحزب الشيوعي السوفييتي في فترة حكم ستالين، ومن ضمنها نفي تروتسكي واغتياله في المكسيك اغتيالا نسب الى ستالين رافقه التقارب التروتسكي من السلطة الحاكمه في امريكا.

وقد استخدم في الهجوم على التجربة الاشتراكية  و نظريتها ما سمي بالستالينيه والتي صيغت اصلا من قبل تروتسكي و استثمرت للمصالح الامبريالية و اصبحت نقطة التقاء لكل من الامبريالية الرسمية و الليبرالية و التروتسكية.

استخدم التروتسكيون فزاعة الستالينية المبالغ بها لفتح بوابة الرده والخيانه للفكر الاشتراكي.

وفي البحث في الكثير من المستندات التاريخية فانه يبدو ان هناك ادلة كثيره تثبت تعاون تروتسكي مع المخابرات الاميركيه متمثلا ذلك اكثر من اتجاه منها التبليغ عن النشطاء الشيوعيين في النقابات وغيره في المكسيك.

شكل المناشفه تيارا يمثل الثورة المضادة بما مارسوه من نشاطات ضد الثوره اثناءها و بعدها كما انهم تلاقوا مع تروتسكي في اظهار الاشتراكية كفزاعه عالميه يتم استخدامها ضد الفكر الاشتراكي .

عرف تروتسكي بموقفه من مشاركة طبقة الفلاحين بالقياده مع الطبقة العمالية وهو ما عبر عنه باكثر من مناسبة، كما تورط تروتسكي في عسكرة الحياة الاقتصادية ودعا فيما بعد الى عسكرة النقابات و اخضاعها للدولة لتصبح منظومة بيروقراطية بحته يقوم الحزب باختيار قيادييها.

وفي نظرة التروتسكيين المتباينه حسب المراحل التاريخية المتغيره فقد راوا الحزب منظمة واسعة و فضفاضه و امكانية ان ينوب الحزب عن الطبقة العاملة وهو ما رفضه الفكر اللينيني الماركسي و الذي يرى في الحزب طليعة للجماهير وليس نائبا عنها .

يبدو التذبذب التروسكي هذا متعلقا بكونه يعتمد على خبرة خطاب وليس على خبرة تجربة نضالية.

فقد شكلت نظرية عسكرة الحياة الاقتصادية محورا خطيرا للتروسكيين تعالى به تروتسكي على لينين و من ثم ستالين متهما له بتدمير الثورة و مبررا ما قام به من تهديد لديكتاتورية البروليتاريا .

كان شعار التروتسكيين ان الصراع هو فقط طبقة ضد طبقه وهما فارغا واشقاقيا لم يمس مصالح الطبقة الرأسمالية و شكل ضررا على مصالح الطبقة العاملة

وفي سياق هذا الشعار رفض الحزب الاشتراكي في امريكا المساهمة في اي نشاط معادي للفاشية و ذلك بفعل تغلغل التروتسكيين بين قيادات هذا الحزب

لقد طغت النزعه القصوية و الانحسارية في الطبقة العامله و ادت الى عدم الاصطفاف ضد الفاشية.

عرف عن التروتسكيين و قوفهم ضد الثورات الاشتراكية في دول المحيط ومنها كوبا و الهند و حديثا مع الاخوان في مصر و الثوره المضاده في سوريا.

عرف اداء التروتسكيين بالفوقيه و فرض ارائهم و قناعاتهم بشكل قسري الا انه مع ذلك كان لبعضهم بصمات ايجابيه مميزة منها دعم بعضهم في فرنسا وبريطانيا ودوليا لدعم  تحرر الجزائر و معارضة حرب فيتنام، بنفس الوقت الذي نجدهم حديثا يؤيدون ثورة الارهاب في سوريا بقيادة الامبرياله وانظمة الريع النفطي.

شكل التروتسكيون جزءا من الاتجاه الذي تبنى المفاخرة برفض كل شيء و صولا الى عدم الانجاز بحجة الظروف و موقف الاخرين مما شكل بالمجمل خيانة لماركس من اتباعه و ذلك بخذلان الحيوية الماركسية بماديتها التاريخية ليواجه هذا الخذلان وبكل وضوح طبيعة الرأسمالية الوحشية و الفاشية الاحتكارية التي بينت فيما بعد اهمية الخطاب المادي الماركسي في مواجهة هذا المد المؤلم الذي اعطى بسلبياته و تناقضاته فرصة لم تستغل لاثبات جدوى النظرية الماركسيه في ظل الوحشية الرأسمالية.

بالنتيجة فان التروتسكية تشكل تيارا غير عملياتي فالفجوة بين التنظير و الفشل الثوري  تؤدي الى وصفهم كحالة وسطى بين الفرد الغير حزبي وبين الحزب الغير عملي مما يفتح مسرابا للانحراف و التواطؤ مع الامبريالية.

اسس تروسكي ما دعي بالاممية الرابعه والتي فشلت في تشكيل حالة ثورية الا انها نجحت في خلق حوار عالمي في عقائدها السياسية و تشكيل مجموعات بحثية تروتسكية حول استراتيجيات ثورية للوضع الراهن ، من هنا بدأت حبال الوصل مع الامميه الامبريالية متمثلة بالمحافظية الجديدة.

لم يكن النقد السلبي للتروسكيين ناتجا عن الموقف من وجود تيار فكري مغاير وانما نبع ذلك عن نتائج اداء هذا التيار النظرية و السياسية والعملية انطلاقا من تقييم تأثير النظرية على الانسان بتجنيدها او تجنيد من حولها لتخرج من الكمون الى الفعل لتصبح قوة تثوير او تدمير.

من هذا المنطلق تجدر الاشاره ان تروتسكي جمع مؤيديه اثناء وجوده في تركيا تحت مسمى الاممية الرابعة لتواجه وتناقض وتعادي الاممية الثالثه خلافا للانسجام والاكتمال بين الامميه الأولى والثانية والثالثة.

تأتي اهمية تروتسكي بالرغم من قلة مؤيديه الى ما نتج عنه من ورطات وتواطؤات تمثلت في الوقوف مع ثورات مضادة في اكثر من موقع.

هاجم تروتسكي الاتحاد  السوفييتي من خلال مهاجمته لستالين في اكثر الظروف السياسية حساسية ابان التهديد الفاشي، مما لا يستدعي الدهشه باصطفاف التروتسكيين مع الناتو و الوهابية و الاخوان المسلمين منذ بدء ما سمي بالربيع العربي خاصة في ليبيا و سوريا بالاضافه الى معاداة حكم مادورو في فنزويلا ، والجدير بالذكر ان خطر التروسكيين على الفكر الماركسي اكثر خطورة من اي خطر اخر لكونهم انفسهم يدعون الماركسية تمثل ذلك في مقولتهم بان سقوط الاتحاد السوفييتي يشكل سقوط احدى امبرياليتين.

ان هذا الارث التروتسكي المعبر عنه بتحييد القوى الشيوعية الاخرى دفع الكثير من التروتسكيين الى مواقع مضاده للثوره لينتهوا في اطار المحافظين الجدد مما يفسر معاداتهم للقوى القومية العربية و التحالف مع قوى الدين السياسي مما هو يناقض ما يتماشى مع ايديولوجيتهم و يطرح علامات استفهام حول العلاقة مع الصهيونية

اضطر التروتسكيون بعد الحرب العالمية الثانية و في سياق صمود الاتحاد السوفييتي الى تحويل جهودهم الى الدول الرأسمالية الغربية حيث الثوره في البلدان الصناعية مع استثناء الفلاحين و ازدرائهم تمثل ذلك في موقفه من الثورة الصينية والبوليفاريه في فنزويلا.

المشهد المنظور للتروسكيين والذي وسمهم بشكل كامل كان انبهارهم الشديد بالتقدم الصناعي في المركز الرأسمالي لدرجة الاندهاش والمراهنة.

عبر تروتسكي عن نظريته في هذا المجال بان المنافسات الصناعية قد تنتهي الى تقوية الميول و الاتجاهات الثورية للجماهير  و الدور المركزي لاتحادات العمال باعتبارها الرافعه الرئيسية للتحول الاقتصادي للبلد مما شكل تنبؤا واثقا من ان الحزب الشيوعي سوف يحتل مكانة حزب العمال المستقل.

نظر البعض  الى ان انهيار الاتحاد السوفييتي شكل دليلا على صحة نظرية تروتسكي على اساس ان اسباب الانهيار هي ما تنبأ به معتمدا على نظريته الا ان الحقيقه ان انهيار الاتحاد السوفييتي جاء نتيجة اسباب مختلفه لا يتطرق اليها مؤيدوه

عوامل داخلية و خارجية اهمها الازمه مع الصين وطرح التعايش السلمي مع الامبريالية و ادخال حوافز الربح بالاضافة الى حربين عالميتين انهكتا الاتحاد السوفييتي الذي دفع في احدها خمسة وعشرين مليون قتيلا و الصراع الطويل مع الامبريالية .

تجدر الاشاره هنا ان السعودية لعبت دورا كبيرا في هذا الانهيار بسبب لعبها دور المنتج المرجح لاسعار النفط و الذي ادى تخفيضها الى تقليل السيولة المالية وبالتالي ازمة اقتصادية خانقة ، كما انها لعبت دورها في الثورة المضادة الى جانب امريكا بتسخير الدعم اللازم المالي واللوجستي لقوى الاسلام السياسي كالقاعدة في افغانستان.

المحافظية الجديدة

نشأت المحافظية الجديده في الستينيات كحركة سياسية امريكية منبثقة من اوساط ودوائر ثقافية يهودية تطور نقاشها فيما بعد ليصبح سياسيا قوميا.

اعتبر ليفي شتراوس ( يهودي الماني) هاجر الى امريكا سنة١٩٣٨ بمثابة الاب الروحي للحركة على المستوى الفلسفي كما اعتبر الاقتصاديان ملتون فريدمان وفريدريك هايك الاب الروحي اقتصاديا للمدرسه النقودية و الليبرالية.

اذن نشأت هذه الحركة على اسس فلسفة سياسية عرفت باسم الشتراوسية تلخصت مرتكزاتها على ما يضمن الهيمنة الرأسمالية على العالم بالقوة و تطويع الديمقراطية لحماية مصالحها.

لم تخرج المحافظيه الجديدة عن اطار الشموليه و التي الصقت بالاشتراكية والتي ان استحقت هذا الوصف فقد كان ذلك بشكل منفرد في موقع او اخر بينما المحافظية الجديده فهي شمولية معولمه مخترقة القوميات و الجغرافيا قسريا ودون مواربة ومع ذلك اعتبرت ديمقراطية ليس لها اطماع عالمية .

استخدم مفكرون من الاوساط التوتسكية لتمرير خطاب ايديولوجي قادر على منافسة الشيوعية مستغلين العديد من الاحداث مثل محاكمات موسكو ونفي تروتسكي والاتفاق الالماني السوفييتي حيث التزم هؤلاء بالتعليمات الموكله اليهم من مكتب الاستعلامات المركزية الاميركية مشكلين ضباط المخطط الاول من الحرب الفكرية الباردة نتج عن ذلك تراجع المصالح السوفييتية عن اية هيمنة ايديولوجية في الولايات المتحدة و اختارت منح الامتياز لدول اوروبا الغربية خاصة فرنسا وايطاليا.

عمل مكتب الاستعلامات الاميركي مع الاستخبارات البريطانية على ايجاد الوسائل اللازمه لتأمين الاموال اللازمه لدعم مهمات المنظمات التروتسكية و هذا ما يفسر الامكانيات المالية الضخمه و القدرة على الانفاق على المجلات و الكتب و مواقع الانترنت في العالم الغربي كما في العالم الثالث و الوطن العربي خاصة مصر ولبنان.

بالتحليل العميق لاطروحات التروتسكية نجد أنها بالعموم معادية للقومية وهذا ما عبر عنه التروتسكيون العرب بمواقفهم من القضايا القومية، بنفس الوقت الذي تبنت فيه  المحافظية الجديده هيمنة القومية الامريكية المتشددة و العنصرية، حيث تم استخدام الديمقراطية ( نظريا ) و رأسمالية السوق كمشروع عملي بزعم ان هذا يخلق تغييرا حقيقيا في العالم، هذا الادعاء بالتغيير الذي اغرى التروتسكيين (بالاضافة الى العمل على تدمير المعسكر الاشتراكي)  ولم يستدلوا على الحقيقه بان هذا التغيير هو في اتجاه وحدانية ايديولوجيا السوق الرأسمالية تحت هيمنة القومية الامريكيه.

من هنا تبدأ حقيقة الاستنتاج بان الصهيونية اليهودية تقف في صلب  التروتسكية وهو ما يفسر وضعية القيادات التروتسكية في بنية المحافظية الجديده.

في سياق هذا الاطار تم تدمير العراق بعد ان صيغت الحجج المناسبة لذلك من قبل المحافظية الجديده بدمقرطته و حينما تواجه هذه الحجج بما يثبت زيفها فان السبب الحقيقي يبدو واضحا و هو الحفاظ على امن الكيان الصهيوني ، و لم يتوانى مثقفو الطابور السادس من الدفاع عن غزو العراق بحجة الديمقراطية وهو ما اعيد انتاجه منذ الغزو الشبيه على سوريا واللافت للنظر هنا ان الدول المستهدفة لنشر الديمقراطيه فيها هي فقط القومية منها مما يكشف و بوضوح الاجندة الحقيقية لهذه المحاولات .

في هذا السياق تبدو العودة و اعادة التذكير باسس تحقيق الديمقراطية وتشكيل الاحزاب وهي وجود قاعدة صناعية تقوم على طبقة عاملة مجرده من الملكية الخاصة تتمتع بوعي نقابي بما يتيح لها الوقوف في وجه رأس المال  بالشكل الصحيح و المجدي لتحقيق ديمقراطية اقتصادية.

كما يتوجب توفر حركات واعية سياسيا و ثقافيا تمثل قطاعات واسعه من الشعب

استخدمت الثورة المضادة لتفريغ اي محاولات ثورية للتغيير في الوطن العربي بحيث تم العمل على تدمير الدول ذات الاتجاه القومي .

الحفاظ على عالم احادي القيادة متمثلة بامريكا كان ولا زال الهدف الرئيسي لعمل المحافظية الجديده بمنع بزوغ اي انظمه تهدد هذا الواقع وذلك من خلال الابقاء على هيمنتها على موارد البلاد وقواعدها العسكرية فيها مع الحفاظ على حلفاء تقرر طبيعتهم حسب الظروف السياسية والاقتصادية.

يقود التعمق في تسلسل الاحداث التي رافقت اداء المحافظية الجديده و علاقتها باليهود و الكيان الصهيوني فانه يتضح ان يهود و تروتسكيي المحافظية الجديده يحتلون الاداه المحركه لتدمير اي كيان قد يشكل خطرا على الكيان الصهيوني

تشكل مصالح الطبقة الرأسمالية المهيمنة في امريكا الاساس الذي بنيت عليه المحافظية الجديدة ، والتي تعتمد على اخضاع البشرية للحفاظ على مصالحها وهيمنتها .

وعليه، فان الاساس الرأسمالي الليبرالي الجديد للمحافظية الجديدة هو خلق عنصرية عرقية بيضاء و عنصرية ايديولوجية صهيونية مرتبطة بعمق ثقافي مع التراث السياسي و الاجتماعي و الطبقي للبرجوازية اليهودية.

يثار التساؤل حول سبب العداء من قبل التيار التروتسكي للاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكيه لتنحصر الاحتمالات بين اختراق هذا التيار من قبل الادارة الامريكية ومؤسساتها وبين كون المواقف نتيجة ارثوذوكسية ثورية.

هلل التيار التروتسكي لانهيار الدول الاشتراكية خاصة التشيك و قبلها المجر لتصبح تابعة و سوق رأسمالي، مرددا في هذا السياق مصلحة وثورة الشعوب وهو عكس الفكر النظري الذي يطرحه بان القوى العمالية هي اساس اي تغيير ثوري

نجحت البرجوازيه الاوروبية بتحويل اوروبا الشرقيه الى مخزون قوة عمل رخيصة لغرب اوروبا وتابعا عسكريا للناتو و سوقا لمنتجات الاتحاد الاوروبي واخيرا جعلتها تشكيلات رأسمالية محيطية .

يتناقض الزعماء التروتسكيون في مواقفهم فهم يعتبرون الحراك في اوروبا الشرقية نضالا تحرريا بينما يحاربون اي حراك قومي عربي، اما فيما يتعلق بافغانستان فقد اعتبر التروتسكيون الوجود السوفييتي احتلالاً بالرغم من الدراية بالمخطط الامريكي لمحاربة الاتحاد السوفييتي بزرع بذور الدين السياسي المتطرف والتكفيري و الذي حمل افغانستان حسب ما هو معروف الى التراجع الحضاري والثقافي والجدير بالذكر في هذا السياق هو ان الحكومه الافغانية كانت قد طلبت التواجد السوفييتي لحماية مصالحها.

تميز التروتسكيون بموقفهم السلبي من طبقة الفلاحين و قدرتهم على التغيير الثوري وهذا ما يفسر الموقف المعادي بما يتعلق بالتغيير في الصين وكوبا، وفنزويلا والوقوف بصف حزب الناتو في ليبيا و سوريا ومع الاخوان في مصر من جهة اخرى . فالجدير بالملاحظه التوقيت الحرج الذي يختاره التروتسكيين للمعارضه من حيث حساسية الوضع بالنسبة للظروف الثورية.

استخدم التروتسكيون التنظير باهمية العمال للهجوم على المسالة القومية ، فقد تجولوا بين انبهار بفكرة الغرب و اعتماده ممثلا للعالم اجمع انبهاراً مركزانيا رأسماليا ابيضا و بين تغلغل الصهيونية فيهم متجليا في الكراهية للقومية العربية

من هنا لم يعترفوا بثورات المحيط بسبب اكثريته الفلاحية ولا يعتمدون النضال القومي ضد الاستعمار باشكاله نضالا تقدميا، وبهذا فقد عجزوا عن رؤية القومية من منظور غير طبقي.

شكل الانهيار الاقتصادي الاوكراني  الى تخفيف التروتسكيون من حدة الخطاب ضد تجربة الاتحاد السوفييتي، فقد شكلت اوكرانيا الضحية الاولى للانهيار الناتج عن اعتماد الاقتصاد الدولار كاحتياط عالمي وللتحفيز عبر الاعتماد لتسهيل طلب المستهلك كآلية للنمو الاقتصادي.

هاجم التروتسكيون العرب الصين و روسيا و اعتبروهما دولا امبريالية بسبب رفضهما العدوان الغربي على سوريا. من هنا يجدر تحديد الفرق بين كون البلد رأسمالي امبريالي او وجود مصالح له على نطاق دولي، في سياق البحث في تاريخ وبنية العلاقه بين المحافظية الجديده و الكيان الصهيوني و التروتسكية فترتسم البداية ببحث الولايات المتحدة كوريثة للاستعمار الاوروبي الى ادوات عالمية للحفاظ ورعاية مصالحها.

وقد ادى الكيان الصهيوني هذا الدور بجدارة ليصبح شريكا يتبادل المصالح مع الولايات المتحدة ، و كما تحمي الولايات المتحدة شريكها هذا فانها تحمي ايضا ادواتها في المنطقه المتمثلة بالانظمه العربية الرجعية .

 

التروتسكيون والربيع العربي

شكل الربيع العربي تحديا للمحللين بسبب تشابك خيوطه.  فمن جهة جاء الحراك مفاجئا لواقع المنطقه في وجه انظمة اختلطت بين ديكتاتورية وسلفية وتابعه وكمبرادورية و ريعية و عسكرية يجمعها مشترك واحد هو احتجاز ذاتي للتطور وتطوير ذاتي للاتكافؤ للحيلولة دون التكامل العربي بادوات تنفيذه التجويف والتجريف مشرفا على ذلك ومخططا له الامبريالية الاميركيه مؤمنة مصلحة للكيان الصهيوني بذلك.

ابدى هذا الحراك منذ البداية و بتحليل مادي استحالة تحقيق نتائج شعبية طبقية ملموسة ، وذلك لغياب الحزب الثوري المشتبك و فشل مشروع بناء مشروع فكري سياسي تطبيقي لصالح الطبقات الشعبية.

تجذرت الثورة المضادة في الوطن العربي متمثلة بالانظمة الحاكمة و الطبقات التي تمثلها و الامبريالية والصهيونية مما مكنها من اختراق الحراك العربي وتحريفه بما يضمن عدم تطوره الى حراك ثوري قادر على التغيير خاصة بغياب الحركات والاحزاب الثورية المنظمه القادره على القيادة وبغياب اهداف اجتماعية طبقية وشعارات وطنية عميقة وحقيقية .

استخدمت قوى الثورة المضادة الاساليب المختلفة لتوجيه الحراك نحو شعارات فضفاضه كما انها نجحت بسبغ الحراك بالدين السياسي.

في هذا السياق تبدو التجربة السورية نموذجا لنشاط الثورة المضاده و انجازاتها

فقد تم وبوضوح افتعال الكثير من الاحداث لربطها بالقوى النظامية السورية منذ البداية في سبيل حرف الحراك بغض النظر ان كان منذ بدايته تلقائيا او مصطنعا مثال ذلك حوادث القنص المبكره والتي اعيد افتعالها في احداث اوكرانيا لتلصق بالقوى الامنية.

مع العلم ان ذلك تم وصفه بوضوح في وثائق المخابرات الامريكيه في سياق تعليماتها لعناصرها العامله في امريكا اللاتينية.

اخذ التروتسكيون موقف واضحا من الازمة السورية فقد هرولوا للانتقام من نظام قومي ممانع مصطفين مع قوى الثوره المضادة بهدف تفكيك الدولة السورية مع ابقاء علامات الاستفهام ان كان وراء هذا الموقف الخلل في التحليل الثوري الطبقي ام ان هناك اجندات خيانية مرتبطه بالامبريالية الصهيونية.

و في سياق البحث في مضمون مواقف التروتسكيين العرب بما يخص الحراك العربي الراهن باشكاله فيبدو واضحا اصطفافهم الغير منطقي لنظرياتهم و دعمهم للقوى الامبريالية او من ينوب عنها في المنطقه و ان كان قوى الدين السياسي معبرين بشكل اساسي عن عدائهم لاي توجه عروبي مقاوم للكيان الصهيوني.

بالنتيجة فان التحليل الوحيد لذلك هو التغلغل الصهيوني في القيادات التروتسكية

و في بحث الدور التروتسكي في تجارب امريكا اللاتينية فقد تبنت قياداته مبدأ الدفاع الذاتي المسلح في حرب الغوار الذي يقوم على اساس رفض الفصل العسكري عن الجماهير الشعبية و الذي ان عبر عن شيء وانما يعبر عن هزيمة  على المستوى العسكري يؤدي بالنهاية الى التضحية باعداد كبيره من المدنيين مما يضعف الحاضنه الشعبية للثورة.

تمثلت نتائج هذه السياسه في الفشل في تحقيق اي انجازات بل و ساهمت في الكثير من الاحيان بالتخريب على الحراكات الثورية الاخرى وتتعدد التجارب الثورية ومحاولات اجهاضها من قبل التروتسكيين من كوبا الى تشيلي واخيرا فنزويلا بمحاولة الانقلاب على مادورو.

وفي سياق آخر نوقشت الحركه الثوريه للماويين و كيف تم النظر اليها من قبل التروتسكيين و مجادلاتهم المغلوطة في مسار هذه الحركة التي اتخذت النظرية الماركسية طريقا لها مضطرة في بعض الظروف باجراء تعديلات تم استغلالها لنقدها و معاداتها من قبل التروتسكيين بحيث بقي اساس التناقض باصرارهم على نظرية القيادة للطبقة العاملة فقط حتى في الاوساط ذات الاكثرية الفلاحية.

والجدير بالذكر ان التروتسكيين و في سياق نقدهم للماويين لانتقالهم الى الارياف بسبب العجز الثوري في المدن حيث الطبقة العمالية ، فقد كان بامكانهم بدل التنظير المساهمه بدورهم في النضال مع الحركات العمالية مع العلم ان ذلك لو كان واقعا لانتهت الامور كما في كوبا بالانتصار وسيطرة الشيوعيين على الحكم حينها

اما فيما يخص القومية فالاحداث و المواقف تبدي وبوضوح معاداتها بكافة السبل حتى بالتحالف مع القوى الرجعية كما حدث في الكثير من المواقع.

نهاية ومن كل ما سبق تبدو التروتسكية بشكلها الحقيقي كحركة تعطي لنفسها الحق بوضع الماركسية اللينينية في قوالب جامدة يمنع تطويرها او الاضافة عليها غافلة او مستغفلة ان الصراع الطبقي متغير وخاضع للتطوير ولا ينحو منحا واحدا كما انه غير محصور بالطبقة العاملة فانماط الصراع كلها مفتوحه في المجتمعات الطبقية والملكية الخاصة وسلطة الدولة كون الصراع جدلي الطبيعه في المجتمع بحيث يمارسه حسب ظروفه كما ان الحزب السياسي يقوم بواجبه الثوري بدون فتاوي شيوخ اليسار.