رحيل الكاتب والمفكر الفلسطيني محمد ايوب

رحل محمد ايوب، الكاتب والمفكر الفلسطيني من غزة، عاش للوطن والأدب واليسار، لم يتغير إلى الخلف كما فعل الكثيرون. ليس لدي سوى تذكر قول أبو الطيب المتنبي: “نُعدُّ المشرفية والعوالي…وتقتلنا المنو ن بلا قتاِل). عزائي لفلسطين وغزة وأسرته والأدباء الذين لم يبيعوا.

 

كنعان

● ● ●

 

في رحيل الكاتب محمد أيوب

عادل الأسطة

 

مؤخرا، رحل القاص والروائي، ابن مدينة يافا، واللاجئ في خان يونس، محمد أيوب أبو هدروس. والقاص الذي تحول إلى كتابة الرواية أولاً، ثم إلى العمل الأكاديمي ثانياً وأخيراً، هو واحد من ثلاثة كتاب

عرفتهم منذ 70 ق20، وكانت لي بهم صلة أدبية وثيقة، ثلاثة كتاب من قطاع غزة، فقد عرفت كتاب قصة كثراً من فلسطين 1948، ومن الضفة الغربية. والكتاب الثلاثة هم: زكي العيلة وغريب عسقلاني  (ابراهيم الزنط) ومحمد أيوب، وكنا في تلك الأيام نحاول تنشيط الحركة الأدبية في الضفة والقطاع، يشجعنا مجموعة من السياسيين المهتمين بالأدب: محمد البطراوي وعادل سمارة تحديداً، وفي بيت محمد ا لبطراوي تعرفت إلى محمد أيوب، فقد استضافنا أبو خالد، وقضينا معاً ليلة تجادلنا فيها في الأدب، وأصغينا إلى البطراوي أكثر بكثير مما تكلمنا، فقد كان قامة أدبية تعيش في الظل، يتحدث ولا يكتب، وينظر ويتبنى المواهب الأدبية، حتى أن بعض المثقفين قال إنه ناقد الظل، يكتب لأساتذة جامعيين، وتحديداً حين صدر كتاب أكاديمية عن الحركة الأدبية لم ترق بعض أحكامه للمثقف.

في عام 1978 أصدر محمد أيوب مجموعته القصصية الأولى «الوحش»، وكان قبلها شارك في قصتين، نشرهما في المجموعة القصصية «27 قصة قصيرة» من القصص الفلسطينية في الأرض المحتلة، وكانت هذه المجموعة موضع نقاش في غزة، وقد سافرت والكاتب محمد كمال جبر إلى هناك للمشاركة في نقاشها، واستضافنا محمد أيوب في بيته في خان يونس، وهناك عرفت أنه من يافا، وأنه من عائلة أبو هدروس التي هاجر قسم منها إلى مخيم عسكر في نابلس، مخيمي الذي ولدت فيه، وأخبرنا محمد أنهم أقاربه، وأنه زارهم في المخيم. ولسوف تكون مجموعة «الوحش» واحدة من المجموعات التي درستها وأنا أعدّ رسالة الماجستير (1980ـ1982) في الجامعة الأردنية، وسوف أكتب عنها وعن مضامينها التي توزعت بين الموضوعين: الاجتماعي والوطني. ولما كان محمد أيوب واحداً من الكتاب الذي اعتنقوا فكراً يسارياً، قد رأى أن الكاتب صاحب رسالة، وأنه لا بد من أن يُسخِّر قلمه لخدمة أبناء شعبه وللكادحين منهم، وهكذا لم يخض فقط في جانب واحد من جوانب الصراع، بل وجدناه يكتب في الجانب الاجتماعي، ويأتي على الصراع بين القديم والجديد، وينحاز للجديد، ووجدناه، أيضاً، يكتب ناقداً بعض العادات والتقاليد التي سادت في قطاع غزة في ذلك الوقت، وبعضها يخص الزواج بالمراسلة، كما في قصة «زوجة بالبريد» حيث يخطب أهل الشاب لابنهم فتاة لم يرها، ثم يرسلونها إليه إلى البلد الذي يقيم فيه. وفي ذلك الوقت ستلفت قصة «شجرة الزيتون» الانتباه، فقد ركز على ضرورة الارتباط بالأرض، وعلى الدفاع عن فلسطينيتها، فالشجرة هذه شاهدة على أزمنة ماضية عديدة، ولها ذكريات في ذهن الجد الذي عاش الهمّ الفلسطيني منذ نهايات الحكم العثماني.
محمد أيوب الذي بدأ قاصاً لم يواصل كتابة القصة القصيرة، إذ بعد سنوات من إصدار «الوحش» أصدر رواية هي «الكف تناطح المخرز» وفي عنوانها من الشعارية والتحريض ما فيه، ولم يتحرر الكاتب من النزعة الدعائية والأيديولوجية التي لازمت قصصه الأولى، بل ومن سماته الشخصية، فقد كان الرجل صدامياً بما تعنيه الكلمة من معنى، وانعكست شخصيته في أدبه، ولم يكن يتوان عن كتابة ما يعتقد به، حتى لو كلفه هذا الكثير.
مع بداية 90 ق20، ومع بدايات أوسلو، تحول القاص إلى السلك الأكاديمي، وحصل على الماجستير في الرواية في الضفة والقطاع من جامعة النجاح، وربما لم يرق له أنني أنا زميله الأصغر منه سناً، غدوت أدرسه، وهكذا شابت علاقتنا ضروب من المماحكة والجفاء، ولعلّني أفدته في كتابة رسالته الكثير، وسأعرف أنه حصل على الدكتوراه من الجامعات المصرية، وغدا مدرساً في جامعات قطاع غزة، ومنذ العام 2000 حتى وفاته بهتت مشاركاته في الحركة الأدبية والثقافية، ولعلّ العمل الأكاديمي غلب عليه.
وما يجب ألاّ ننساه هو أن محمد أيوب، كان واحداً من مؤسسي فن القصة القصيرة بعد العام 1967، في الضفة والقطاع، وبرحيله تكون القصة القصيرة فقدت واحداً من جيل اجتهد ونشط وتعب لإرساء حركة أدبية في زمن كان صعبا.