هل وصل احتراب الطوائف نقطة اللاعودة؟

عادل سمارة

لا نقلل من خبرة العدو الاستعماري الأوروبي (خاصة البريطاني والفرنسي والألماني) في المجتمع العربي وما اورثه لأمريكا، ولا نقلل من مراكز الأبحاث الأمريكية في قراءة الوطن العربي، ويجب، نعم ويجب ان لا نقلل من خدمات الطابور السادس الثقافي في الوطن العربي الذي تخصص في تقديم التقارير والأبحاث والإخباريات عن الوطن العربي للمراكز الأميركية. بعض هؤلاء لم يخف دوره امثال التروتسكي محمد جعفر، وكثرة من هؤلاء لم يُعلن دوره سواء كان ضالعا او صغيرا من درجة كتابة بحث جامعي مقابل منحة دراسية. بحث إخباري لا أكثر.

كل هذا الفرش الفكري وفر لأمريكا رؤية واضحة للمجتمع العربي كي تدخل إليه من باب الطائفية. وهي موجودة لا شك. ولكن مجرد وجودها لم يكن ليسمح لها بإشغال الواجهة السياسية في العراق وسوريا تحديداً إلى الحد الذي يسمح لها بهدم الوطن.

يزعم  الطابور السادس الثقافي ، ومعظمه ربما للصدفة مرتد عن الشيوعية واليسارعامة، أمثال صادق العظم وعزمي بشارة والطيب تيزيني وفواز طرابلسي وبرهان غليون وفخري كريم وكريم مروة…الخ، يزعم  أن هذين البلدين فشلا في الدمقرطة وفي خلق المواطنة مما فسح المجال لاشتعال الطائفية ولجوء الناس إليها. وهو زعم مشبوه سياسيا وعقليا. فطبيعة نظامي البعث لم تكن طائفية وأرست مستوى من العلمانية والحداثة  والإنتاج والتصنيع تحول دون التعسكر الطائفي. وبالطبع، كما تفعل دوائر المخابرات والأكاديميا الغربية والصهيونية.  لم يقل هؤلاء شيئا عن الأنظمة العربية وخاصة النفطية وهي انظمة من حيث الحريات أبقت المواطنين مثابة أقنان او طفيليات، أي بلا اية حياة سياسية من جهة ومن جهة ثانية هي مشبوكة مع آخر تطورات رأس المال المعولم. أي انتقال الحاكم البدوي من ركوب الجمل إلى المضاربات في صناديق التحوط! Hedge Funds

 ولعل أكثر الأمور فاجعة أن عزمي بشارة تمكن من لوي عنق  الناصرية والعروبة ليدخل الكنيست الصهيوني ويصل إلى تبرير وجود الكيان معتبرا الكيان حقيقة قائمة لا جدال فيها  والصهيونية حركة تحرر وطني، بينما اعتبر انظمة بعث العراق وسوريا وراء التاريخ ويجب إسقاطها. لم يعتبرها تستحق البقاء بحجة غياب الديمقراطية، كما نفى بدوره وجود المواطنة فيهما، ولأنه يؤمن بأن الكيان اعطى مواطنة للفلسطينيين ترشح للكنيست ورئاسة الوزارة!

ولكنه انتهى في إمارة قطر حيث لا شيىء سوى تحول البعير إلى راسمال إلكتروني. وتحول الأرض إلى قواعد امريكية والقصور إلى مهاجع للقيادات والمخابرات الصهيونية. وفي تسويق نفسه بعد خروجه من الكيان قال في محاضرة في عمان بأن الديمقراطية في الوطن العربي متقدمة على الديمقراطية في “إسرائيل” (انظر كتابي عنه قريبا). ترى هل قصد حينها سوريا أم قطر! لكن المهم أن لا أحدا ممن كانوا حتى حينه عروبيين حقييين قال له: كفى كذباً!

لكن إذكاء الطائفية لتكون الصراع المباشر عربيا لم يكن لينجح رغم جهود عملاء ومخابرات الغرب والصهيونية، وإخباريات مثقفي الطابور السادس صغارا وكبارا.  لم يكن لينجح حتى مع ردف هدف الإمبريالية بقوة قادة الطوائف السياسيين والدينيين. كان لا بد لأمريكا من امتطاء حصان طروادة الطائفي في العراق باحتلال العراق لتصنيع حرب طائفية في البلد لم تكن لتحصل لولا تدمير الدولة وتدمير اقتصادها وتدمير حتى المداخيل اليومية للناس وتفكيك الجيش مما ارغم العراقي على اللجوء إلى أصغر وأسوأ المكونات والملاذات ومواضع الأمن اليومي وهي الطائفية وشيوخها. وهذا تحول طبيعي حين يصل المواطن إلى حالة انعدام كافة مستويات الأمن.

 لقد خلق الاحتلال مراكز قوى لها دور تشغيلي وتعييشي في العراق. قيادات طائفية لا تستطيع إلا أن تعمل طائفيا فانتقمت وجوعت وقتلت وألغت الطائفة الأخرى. وهي حتى اللحظة تقوم بتسويق نفسها بالهجوم على نظام البعث بدل على الأقل بدل الحديث عن العدو المريكي.

في مناخ الطائفية السياسية الشيعية انتقل العدو المحتل من تصنيع قيادات طائفية شيعية في السلطة إلى تصنيع قيادات طائفية سنية  في العراق فتحولت المقاومة السنية العراقية من مقاومة الاحتلال إلى مناخ وحاضنة للقاعدة التي هي تصنيع امريكي سعودي بالطبع.

إنها فكرة او مشروع الاستشراق الإرهابي الذي هو ابتلاع الإسلام وإعادة إنتاجه كقوى دين سياسي لا تقبل بغيرها قط. والتي ثمرتها الأخيرة داعش التي تم تمكينها امريكيا من قطع التواصل السوري الإيراني لإقامة دولة هناك باسم الإسلام.

ليس هناك من عاقل يمكنه تصور هذا الشكل من حرب العصابات الذي يمتلك كل هذه الأرتال من السيارات والدبابات والمدرعات. من اين المال وكيف دخلت العراق؟ سيقول البعض من سوريا، ولكن كيف دخلت سوريا. سيقول البعض تعيش داعش ببيع النفط ولكن كل هذه الإمكانيات قبل ان تحتل بئر نفط واحدة. هل دفع الموال أحدا غير السعودية وقطر والإمارات؟ هي نفسها التي شاركت في تدمير ليبيا.

هل من عاقل يتصور ان داعش حاولت حقا احتلال اربيل وبان الأمريكي الذي منعها في ايام، أن هذا الأمريكي  عاجز عن اجتثاثها في العراق؟ وحتى عين العرب، هل كانت مناورة لتبيان أن أمريكا ساهمت في منع داعش من احتلالها، أم ن منع احتلالها قُصد به عدم هزيمة الانفصاليين الأكراد السوريين تمهيدا لتفسيم سوريا. في هذا الجزء من سوريا هناك اهتمام الماني لتغذية انفصاليي الأكراد. هذا هو العدو الغربي.

أم ان عملية اربيل وعين العرب هي من أفلام هوليود لتبيان أن امريكا ضد داعش،ناهيك عن أن اربيل هي طريق تسويق النفط الذي تسرقه داعش من العراق!

  وهل من عاقل يتصور ان داعش هي حقا ضد السعودية وأنظمة النفط، وهي نتاج ثقافتها الوهابية؟

نصل من كل هذا إلى حقيقة أن داعش والقاعدة والنصرة وجميع الإرهابيين في سوريا هي مخلوقات لكسر طريق تواصل المقاومة وصولا الى تدمير سوريا بعد تشكيل دولة داعشية في العراق باسم السنة وهو ما يجعل الكيان الصهيوني في أمان لزمن طويل قادم.

والسؤال الآن: لماذا يعلن الأمريكي وجوب تسليح السنة والأكراد؟ لماذا يهين عميله الطائفي الشيعي لصالح عملائه السنة العرب والأكراد العراقيين؟ أي لماذا يقسم العراق الآن؟ هل اقتربت تصفية داعش لصالح دولة للبرجوازية الطائفية السنية كعميلة للغرب وللكيان الصهيوني؟ وليقول لإيران نقطع تواصلكم مع المقاومة بالجغرافيا. فتعالوا لترتيب الأمور.

هل تمأسست الطائفية السياسية في العراق إلى الحد الذي لم يعد يُضير الأمريكي فضح مخططه الصهيوني في العراق كمخطط ضد العراق وسوريا وإيران وحزب الله؟ هل يمكن فصل هذا عن دور تركيا في احتلال جسر الشغور وإدلب؟ وحتى عن تصريحات جنبلاط ، على ضآلة حجمه،  مخاطبا العرب الدروز بالتحول إلى عملاء للغرب والكيان أي القتال ضد سوريا؟

هل وصل الأمريكي إلى لحظة ان فضح مخططه لن يقود إلى سقوط ذلك المخطط لأن قيادات الطوائف أفرغت الشعب من عروبته وبأن اقتتال ضحايا الطائفية لن يتوقف.

لكن كل هذا برسم صمود سوريا ومعسكر المقاومة ورؤية روسيا بوضوح بأن امنها يبدا وينتهي طبقا لصمود سوريا.